من أرشيف الذكريات (148)

بدا واضحا فيما أبدى حافظ إسماعيل أنه رغم ما لحق سوق العملات عام 1992 من انهيار وتباطؤ فى النمو الاقتصادى فضلا عن الاضطرابات العمالية الأوربية، إلاَّ أن أوروبا على وشك تحقيق السوق الواحد الذى

رجائى عطية بدا واضحا فيما أبدى حافظ إسماعيل أنه رغم ما لحق سوق العملات عام 1992 من انهيار وتباطؤ فى النمو الاقتصادى فضلا عن الاضطرابات العمالية الأوربية، إلاَّ أن أوروبا على وشك تحقيق السوق الواحد الذى سيضم 360 مليون نسمة، وينتج سلعاً قيمتها 6.5 تريليون دولار، اعتبارًا من أول يناير 1993 الجارى. وبرغم هذا، فإن أوربا تتجه نحو الركود الاقتصادى منذ عام 1990/89، كما يتوقع انخفاض الإنتاج العام 1993 الذى أطل، مع ارتفاع معدلات البطالة خلال الشهور القادمة.. وبذلك يبتعد أمل أوربا فى تحقيق نمو ذى معنى قبل عام 1994. ومنذ أوائل ديسمبر 1992، اندلعت الحرب التجارية بين أمريكا وأوروبا نتيجة فشل مفاوضاتهما فى دورة أوروجواى لصياغة معاهدة جديدة للاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة المعروفة باسم «الجات».. ومع ذلك من المنتظر تحقيق اتفاق نهائى مع بدايات عام 1993، وبعد عام من الخلاف حول كيفية إصلاح تجارة السلع الزراعية. وفى قراءته لمجريات عام 1992، سجل حافظ إسماعيل أنه لم يتحقق تقدم يذكر حول جولات التفاوض العربى الإسرائيلى، وجاء ذلك من إصرار حكومة إسرائيل على أن تستمر المفاوضات عشر سنوات لتثمر، بينما تواصل إسرائيل بناء المستوطنات التى بدأت فى إقامتها منذ عام 1967.. وبدا ظاهريا على الأقل وفق المعلن أن ذلك صار مجال خلاف لإسرائيل مع الولايات المتحدة التى أصرت فيما أعلن! على تجميد بناء المستوطنات كشرط مسبق لضمان قرض لإسرائيل قيمته 10 مليارات دولار يستهدف (للغرابة!) بناء المستوطنات وخلق فرص عمل للمهاجرين إليها من روسيا. وبذلك يتم بناء إسرائيل الكبرى (؟!!!)، بينما جاءت نتيجة الانتخابات الإسرائيلية فى يونيو 1992، بفوز حزب العمل بـ 45 مقعدا مقابل 32 لليكود.. وكلف إسحق رابين بتشكيل الوزارة الذى تحقق بإسهام قوى على يمين وعلى يسار حزب العمل، ليمثل دائما الحل الوسط. واتخذت الحكومة الإسرائيلية الجديدة قرارات تسمح بأن يسود جو «الاسترخاء» فى مجال المفاوضات، وبذلك تمكنت من الحصول على الضمان المنشود من الولايات المتحدة لقرض العشرة مليارات دولار، فى ظل ما أعلنه رابين عن جديته فى مواصلة التفاوض وتجميد ماأسماه مستوطنات «سياسية» ووقف تجريم الاتصال بالفلسطينيين.. إلاَّ أنه فى نهاية الستة أشهر من المفاوضات، فإنها لم تتجاوز: أ عرض مشروع حكم ذاتى فى 5 سنوات يتحقق بعد 3 سنوات منها إقرار وضع الشعب الفلسطينى النهائى. ب إعداد مشروع جدول أعمال للمفاوضات مع الأردن. ج القبول بالانسحاب من «الجولان» وتضمنت تصريحات إسحق رابين، قبوله بمبدأ الكونفيدرالية مع رفض إقامة دولة فلسطين المستقلة أو إقرار حق شعب فلسطين فى تقرير مصيره.. مع مطالبة رابين باجتماع مع قيادات الدول العربية المجاورة. وشهدت هذه الجبهة توترا شديدًا بسبب إبعاد ما يزيد على 400 فلسطينى من أعضاء جماعة «حماس» الإسلامية الرافضين للتفاوض العربى الإسرائيلى على خلاف «الجماعة» التى تلتزم بسياسة منظمة التحرير. ويرجح أن يكون قرار حكومة إسرائيل فيما يكشف حافظ إسماعيل انعكاسا لعلاقات أقامتها جماعة «حماس» مع إيران التى ستدرب أفرادها وتمدها بعون مادى محدود وتنسق سياستها وإعلامها معها، وتنشئ محطة إذاعة خاصة لحماس التى ستتعاون مع حزب الله فى جنوب لبنان. ولاحظ حافظ إسماعيل، أن إيران تمارس فى الشرق الأوسط نشاطا واسعا، فقد بدأت تنفيذ سياسة إعادة تسليح قواتها وتشترك روسيا فى هذا الجهد، وتشير التقارير إلى إمكان إيران تطوير سلاح نووى حتى عام 2000، وأن تهدد مصالح الولايات المتحدة فى خلال 3 5 سنوات. وفضلاً عن ذلك يزداد نشاط إيران فى منطقة الجمهوريات الإسلامية على حدودها الشمالية، كما يتردد ازدياد نفوذها فى السودان على حدود مصر الجنوبية، وفى شمال أفريقيا عامة. وفى ديسمبر للعام المنصرم (1992) قررت الولايات المتحدة التدخل بقواتها فى الصومال.. مع إسهام قوات أخرى.. عربية وأوروبية وعناصر خدمة من ألمانية، فى قوات التحالف. وفى الخليج يتوتر الموقف بين الولايات المتحدة والعراق، وأخيرًا فإن الموقف فى منطقة الأكراد لا يبعث على الطمأنينة، مما يورط تركيا فى أكثر من جبهة.. ويزيد من أهميتها! والحصاد يخلص حافظ إسماعيل من قراءاته لعام 1992، إلى أنه لم يشهد الاستقرار والسلام الذى ينشده العالم، وقد يمتد هذا الموقف إلى نهاية القرن العشرين، وإن تم تهدئة الأمور تحت رعاية الأمم المتحدة كأداة «لتنظيم وتقنين التدخل»، بينما تبنى أوروبا «ماستريخت»، ورابطة الدول المستقلة من 12 جمهورية إن لم تنسحب أوكرانيا الراغبة فى الاستقلال. وتوقع حافظ إسماعيل أن يعم الركود الاقتصادى أنحاء العالم خلال عام 1993، وأن يزداد تنافس القوى الاقتصادية الكبرى للاستيلاء على أسواق العالم الثالث، والذى يمكن أن يتعرض لتدخل عسكرى من دول « العالم الأول » إذا ما كانت لها مصلحة فى ذلك! ومن ثم فسوف تكون «المشاركة» المرنة هى سمة العهد الجديد، ومع اختفاء النظم الأمنية الثابتة، وسيكون «الحل الوسط» هو الملجأ لتسوية النزاعات التى تنشب فى المناطق التى يتصدرها الشرق الأوسط. ولا يتوقع أن يشهد الشرق الأوسط أى تسوية خلال عام 1993، ولن تقع التسويات المطروحة إلاَّ فى إطار الخمس سنوات التالية، وقد تجد الولايات المتحدة رغم ميل الحزب الديمقراطى لإسرائيل ضرورة تحقيق تسوية، ليمكنها التفرغ لخطط إيران المستقبلة، والموقف المتدهور فى البلقان على مختلف خياراته المفتوحة، حتى يمارس البلقان حرية الحركة، ويضيف دائما إلى قواه ما يتيح له تحقيق التوازن لمصلحته سياسيا واقتصاديا.. وبذلك يمكنه التصدى لعالم « اللاسلم » الذى سيكون السمة الأساسية لسنوات قادمة.