مصر بين ثورتين (1)

هبت بمناسبة يوليو الماضى أنسام الاحتفال الثانى والستين بذكرى ثورة يوليو 1952، بينما احتفلنا من أيام بالذكرى الأولى لثورة 30 يونيو 2013.. وقد قيض لى أن أعيش الثورتين، استقبلت أولاهما وأنا فى ا

رجائى عطية هبت بمناسبة يوليو الماضى أنسام الاحتفال الثانى والستين بذكرى ثورة يوليو 1952، بينما احتفلنا من أيام بالذكرى الأولى لثورة 30 يونيو 2013.. وقد قيض لى أن أعيش الثورتين، استقبلت أولاهما وأنا فى الرابعة عشرة من عمرى، وعشت معها ولازلت أعيش حتى عشت مقدمات الثورة الثانية.. ومع أنه بين الثورتين واحدًا وستين عامًا، إلاَّ أن بينهما قرابة تورى بالعديد من أمارات الاتفاق بينهما، وإن لم تبلغ حد الانطباق.. وإن اتفقتا فى الأهداف والغايات، وفى التطلعات والآمال. يجمع بين الثورتين، أنهما مع اختلاف تفاصيل الفصول والمشاهد باختلاف الزمن والظروف، أنه قد التأم فيهما شمل الجيش والشعب.. فى كل من الثورتين حمل الجيش المصرى مسئوليته فى حماية المصير الوطنى، كما حمله عبر التاريخ فى صفحات مجيدة كان هو فيها الدرع والحصن والأمان. وتتفق الثورتان، فى أن حضور الجيش فى كل منهما، قد اقترن بحضور الشعب وإن اختلف الترتيب واختلفت الفصول والمشاهد.. فى 23 يوليو 1952 تقدم الجيش ليحدث بنفسه ما آمن ضباطه الأحرار بأنه واجب التغيير، فاستقبله الشعب بالترحيب الذى تحول إلى احتضان جعل من حركة الجيش ثورة. وفى 30 يونيو 2013، تقدم الشعب ثائرًا بنفسه، طالبًا التغيير ساعيًا إليه، وعيونه على جيشه طالبًا منه أن يثور، ومن قبل المشهد الشعبى الرائع فى الثلاثين من يونيو.. ويلح ويمعن فى الإلحاح عليه أن يثور على نظام حكم طال عواره جميع الميادين وقلب حياة الناس إلى جحيم، حتى إذا ما وصلت الرسالة أن تقدم الجيش يعطى الفرصة للمتربصين بمصر لتصوير الأمر على أنه انقلاب عسكرى، قنع الناس وكنت شاهدًا على ذلك فى احتفالية أعياد سيناء بمسرح الجلاء، وفى مناورة الفرقة التاسعة المدرعة بدهشور، بأن يتقدم الشعب للعالم بثورته، وأن يقنع من قواته المسلحة بأن تحميه وتحمى ثورته من قوى الظلام المتربصة، ومن ميليشياتها المسلحة، التى ألقت بالوطن على مدار عام من توليها دست الحكم فى «غيابات» ودوائر جهنمية لممارسات غير مشروعة وغير عاقلة، أرادت بها أن تختطف مصر من بنيها، مثلما خطفت 25 يناير 2011، وأن تسخر الوطن لفصيلٍ وظهرائه، وتهدم كل أسس الشرعية والدولة الدستورية وأصول الحكم التى اتفقت عليها الشرائع والقوانين الوضعية على السواء. ثورة 23 يوليو 1952، بدأت بحركة للجيش حماها الشعب واحتضنها حتى صارت باندماجه فيها ثورة، وثورة يونيو 2013 ثورة شعب هب وانتفض، حماها الجيش وحرسها حتى وصلت كلمتها إلى أسماع العالم، وفرضت إرادتها، وأعادت مصر إلى شاطئ الأمان بعد الأهوال التى عاشتها على مدار نيف وعام! الجيش المصرى، القاسم المشترك فى الثورتين، الحائز على لقب «خير أجناد الأرض»، بتوصيف نبوى شريف لجند مصر هو أقدم جيش نظامى عرفه التاريخ، ومنذ تكونه من أكثر من خمسة قرون قبل الميلاد، وهو يسطر صفحات مجيدة فى انتصاراته بل وفى انكساراته أيضًا فى حماية مصر وشعب مصر. هذه الصفحات المشرقة الوضاءة ضاربة فى أعماق التاريخ.. من خمسة قرون قبل الميلاد، وإلى القرن الواحد والعشرين بعد الميلاد. كان الجيش المصرى ولا يزال، عدة مصر وحصنها ودرعها.. به انتصرت مصر وتوحدت فى عهد مينا فى القرن الرابع قبل الميلاد، وظل منذ هذا التاريخ درع الوطن وحارسه وأمانه.. صد غزوات «الهكسوس»، وطردهم من مصر، فى القرن السادس عشر قبل الميلاد، بقيادة العظيم أحمس الأول رأس الأسرة الثامنة عشر، وحقق نصرًا أسطوريًا بقيادة أعظم الملوك تحتمس الثالث فى معركة «مجدو» التى جرت بفلسطين سنة 1468 ق.م، وهزم الحيثيين نحو سنة 1274 ق.م فى معركة «قادش» على نهر العاصى بالشام بقيادة رمسيس الثانى، وهو هو هذا الجيش الباسل الذى اضطلع بالعبء الأكبر فى معركة «حطين» (1187م).. أم المعارك، بقيادة الناصر صلاح الدين، وأجلى الصليبيين عن بيت المقدس. وهو هو الجيش الباسل، الحامى لوطنه، الذى انتصر نصرًا مؤزرًا عام 1221م فى معركة «دمياط» على الحملة الصليبية الخامسة فى عهد الملك الكامل الأيوبى، ثم لم تكد تمضى ثلاثون عامًا، حتى تصدى للحملة الصليبية السابعة، وحقق سنة 1250 م نصرًا كبيرًا فى معركة «المنصورة» التى بدأت رحاها وقد أسلم الملك الصالح نجم الدين أيوب الروح، وأخفت شجرة الدر الخبر حتى لا تفت فى عضد الجيش الذى لم يخيب ظن شعبه، وانتصر فى المعركة انتصارًا هائلاً.. وأخذ الملك لويس التاسع ليوضع أسيرًا فى دار ابن لقمان بالمنصورة. ومن معركة المنصورة عام 1250م، إلى معركة «عين جالوت» سنة 1260م ليصد غائلة المغول ويرد التتار عن الشام ومصر، بقيادة سيف الدين قطز والظاهر بيبرس. حتى فى أيام الانكسارات، كان الجيش هو الدرع الذى يصون الشعب ويحميه ويدفع عنه، خاض مع قانصوة الغورى معركة «مرج دابق» ضد السلطان سليم الأول والعثمانيين فى أغسطس 1516م، ومعركة «الريدانية» بقيادة طومان باى فى يناير 1517 م وكان هو الدرع الواقى فى ضرب الإسكندرية وحصارها فى مارس 1810م، وفى معارك العرابيين ضد الغزو الإنجليزى حتى معركة التل الكبير آخر معارك العرابيين عام 1882م. (يتبع)