القدرة على الغياب!

<div style="text-align: right;"><strong> يتسابق معظم الناس فى الظهور والحضور واستعراض الذات، وتقديم النفس، بالحركة وبالإيماءة وبالكلام وبالكتابة ولكن يندر أن تعثر على صاحب قدرة فى الاحتجاب أو

رجائى عطية: يتسابق معظم الناس فى الظهور والحضور واستعراض الذات، وتقديم النفس، بالحركة وبالإيماءة وبالكلام وبالكتابة ولكن يندر أن تعثر على صاحب قدرة فى الاحتجاب أو الغياب، أو فى القدرة على الصمت! وقد ندهش من وصف الاحتجاب أو الغياب أو الصمت، بأنها سمات دالة على القدرة، إلاّ أنها دهشة سطحية، لا تتعمق أغوار النفس الإنسانية، ولا تدرك أن قوتها الحقيقية قوة نفسية، قوامها تغلب الإرادة على أهواء الاستعراض والتقدم والتسابق، وعلى الغرائز والشهوات، ومعظم هذه وتلك يدفع إلى حب الظهور وعشق الذات وعرضها وتقديمها على من سواها، بإثبات الوجود بأى وسيلة دون التعمق فى صلاحية هذه الوسيلة لتحقيق مسعى النفس والوصول إلى مبتغاها من حيازة السبق وإثبات الزعامة والصدارة والمهارة والشطارة، وغيرها مما يخايل النفس فى سعيها الدائم وجريها وراء ما قد يندرج فى باب السراب والأوهام. لذلك كان وصف رسول القرآن عليه الصلاة والسلام للجهاد، بأنه جهاد النفس، وهو أصعب أنواع الجهاد، لأنه مقاومة ومغالبة أهواء النفس ورغابها وغرائزها وشهواتها ومآربها وأغراضها، وقهر شطحات هذه وتلك لالتزام الموضوعية وجادة الصواب والسداد. فواقع الأمر أن الاحتجاب ومقاومة رغاب الظهور والاستعراض، والغياب حين يحسن ويكون أصوب من المزاحمة والاستعراض، والتزام الصمت الذى قد يكون فى بعض الأحوال أبلغ وأجدى من أى كلام، كل ذلك لا يصدر ولا يتحقق إلاّ عن «قدرة» حقيقية نابعة عن إرادة سوية فاعلة وعن بصيرة متفطنة تميز متى يحسن ومتى لا يحسن الظهور والحضور والكلام، ومتى يكون الاحتجاب أوقع، أو الصمت أبلغ، ومتى يكون العزوف حكمة وقوة واستغناء، فالناضج يفهم ويدرك أن الاستغناء تحرر، وأن العفة الحقيقية تأتى للمستغنى الذى لا يتكالب ولا تذله حاجة ولا تغرّه الأمانى والمظاهر ومرئيات السراب الذى يحسبه الظمآن ماءً وما هو بماء! وهناك من يبدد كل ما بناه، ويعصف بصرح ما حققه طوال حياته، حين يغلبه هواه، ولا يدرك متى يحتجب ومتى يغيب ومتى يكتفى بفضيلة الصمت إذا لم يكن هناك ما يستوجب الكلام، أو حين يكون الخير فى الصمت، حتى أُوصِىَ المرؤ بأن يقول خيرًا، أو يصمت.. فالصمت عن اللغو حكمة، ومن العقل والصواب السكوت عن الثرثرة، وعن فضول الكلام، وليس من الحكمة ولا من الصواب ولا من العقل الاستسلام لشهوة عرض الذات وشهوة الكلام دون قراءة بصيرة للظرف والزمان، ومن المحال أن تكون هذه «القراءة» بصيرة إذا غلبتها هذه الرغاب، فأفقدتها الموضوعية وأسلمتها للرغبة فى إثبات الوجود وتقديم الذات! كانت الفنانة ليلى مراد قوية وبصيرة حين قررت الاحتجاب، والتزمت به رغم إلحاح وملاحقة الصحافة وقنوات الإعلام وكاميرات التصوير والبث، فحفظت لنفسها «الصورة» الجميلة التى تشكلت لها فى وجدانات الناس وعشاق فنها، وكذلك كانت أم كلثوم قوية وبصيرة عندما توقفت عن الغناء حين نشزت منها جملة موسيقية ولم تطاوعها أحبالها الصوتية فى أداء نغمتها، فقد عرفت أن حياتها فى شدوها، وأنه وقد وهنت أدواتها التى تتواصل بها مع المتلقين، فإن التوقف والاحتجاب عن الغناء حكمة، حتى وإن طال العمر بحساب الأيام من بعدها! لازلت أذكر عبارة قالها أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد فى حوار صحفى أجرى معه وقد ناف على التسعين، فقال: «لقد ظلمنى عمرى»!.. وهى عبارة عميقة البلاغة، تكشف عن إدراك أستاذ الجيل لأثر زحف السن، وصعوبة المحافظة برغم النحر الزمنى على قدرة الفكر والتعبير والعطاء، وهى إيماءات يدركها من يتأمل فى العبارة التى أبداها! ما أحرانا أن نعى وندرك متى يجب أن نغيب ونحتجب، ومتى يكون الصمت فضيلة قد تكون أبلغ من أى كلام، وأن لا ننساق وراء رغاب حب الظهور وإثبات الوجود، وأن نقدم مصر على ذواتنا، ونجعلها فى حبات قلوبنا، ونرعى الله فيها وفى مصير شعبنا.