8 أيام بعيدًا عن تحدى البقاء على قيد الحياة

<div style="text-align: right;"><strong>قد يرى البعض شيئًا من الظلم فى مقارنة حال مصر والمصريين مع الدول الإسكندنافية وشعوبها، ولكن الظلم بعينه، كل الظلم، وقت أن نادينا بالعيش والحرية والكرام

أحمد رضوان يكتب:

قد يرى البعض شيئًا من الظلم فى مقارنة حال مصر والمصريين مع الدول الإسكندنافية وشعوبها، ولكن الظلم بعينه، كل الظلم، وقت أن نادينا بالعيش والحرية والكرامة، ودفعنا ثمنها، دمًا وفراقًا وأزمات نفسية واجتماعية وأيامًا صعبة، فلم نجد سوى التخوين والتضييق وتجفيف منابع الرزق، والسقوط من قاع إلى قاع، لذا فظلم المقارنة ــ وليته ظلم ــ أهون من الظلم كله.


1 ــ بكل تأكيد.. رحلة لن تكون كأى رحلة


سبقتنا إلى كوبنهاجن مجموعة من الصحفيين المتميزين الذين سجلوا مشاهداتهم ولقاءاتهم، قرأت بحرص كل ما كتبوه ودونوه عن رحلتهم، انبهارهم بنموذج دولة الرفاهية، احترام النظام، تقديس الحريات، كفاءة شبكة الضمان الاجتماعى، وغيرها من الملاحظات.

دفعنى ما قرأته، سواء عن زملاء المهنة أو من مصادر أخرى، إلى الاستعداد جيدًا للرحلة التى دعا إليها المعهد المصرى الدنماركى للحوار «DُEDI »، مجموعة من الصحفيين الاقتصاديين ــ كنت واحدا منهم ــ لزيارة العاصمة الدنماركية كوبنهاجن لمدة 6 أيام، ثم يومين فى ستوكهولم عاصمة السويد، فى الفترة من 1 إلى 8 نوفمبر الحالى.

كان هدف الرحلة التعرف على نموذج دولة الرفاهية المطبق فى الدول الإسكندنافية، وزيارة عدد من وسائل الإعلام وخاصة المهتمة بالشأن الاقتصادى، إلى جانب اتحادات ونقابات ممثلة للعمال وأصحاب العمل، ولقاءات أخرى سيتم عرضها بالتفصيل، وبجانب هذه اللقاءات والزيارات، كان بناء صداقات مع مجموعة الزملاء الذين رافقتهم خلال هذه الرحلة- واحدًا من أهم الأحداث بالنسبة لى خاصة ، ولحسن حظى، تزامنت رحلة الصحفيين الاقتصاديين، مع أخرى مماثلة تضم مجموعة من حاملى الملفات الاقتصادية بعدد من الأحزاب المصرية.

نموذج دولة الرفاهية أو الرفاه لمن لا يعرفه، هو نظام حكم ديمقراطى يلزم الدولة بمستوى عال من الرعاية الصحية والتعليم وضمان دخل مناسب للعاطلين وحديثى التخرج، مقابل ضرائب مرتفعة على دخول الأفراد، أقل على الشركات.

يستفيد هذا النموذج بالطبع من انخفاض عدد السكان فى دول شمال أوروبا، نحو 6 ملايين مواطن فى الدنمارك، 7 ملايين فى السويد، و5 ملايين فى النرويج، لكنه يخسر لنفس السبب أيضا كلما ارتفع مستوى الأعمار، ونسبة المحالين للمعاش، ممن يتمتعون بمزايا واسعة، خاصة على مستوى الرعاية الصحية، وبضرائب أقل.

كنت إذًا على موعد مع نموذج مثير للدراسة، كيف نضج؟ إلى متى تستطيع الدولة أن تلتزم ببدل بطالة مرتفع لكل خريج لم يحصل على فرصة عمل؟ كيف تمول الضرائب هذا المستوى العالى من الرعاية الصحية والتعليم؟ ما المناقشات الساخنة حول مشاكل تطبيق هذا النموذج؟ كيف يتم التعامل مع الرافضين له رفضا كليا ويسعون إلى نماذج أخرى أكثر ليبرالية تلتزم فيه الدول فقط بترك كل شىء للقطاع الخاص والرقابة عليه؟

جبال من الأسئلة، لا تحمل رغبة طالب العلم فى المعرفة والتحصيل، بقدر ما تعكس هموم كل من ثار ضد أوضاع سيئة تحولت بشكل دراماتيكى إلى الأسوأ، وجعلتنا نبحث عن قاع لانحطاط بات يهدد كل شىء،.. فلا نصل!

طرحت أسئلتى جانبًا وبدأت الاستعداد للرحلة، معلومات أساسية عن أماكن الزيارة، بعض التفاصيل عن نموذج دولة الرفاهية، شىء من دراسة الإنجليزية لتحسين لغتى السيئة، ملابس ثقيلة، والأهم، حددت جيدًا ما الذى سأفعله مع نهاية جدول العمل اليومى طوال الرحلة، بقرار واضح، سأطوع نفسى المنطوية لتندمج فى تفاصيل الحياة العادية.

2 ــ وهكذا.. أدخلتنا يد الله فى التجربة !!


أكره الأماكن التى يحظر فيها التدخين، وأنا الآن فى كوبنهاجن، عاصمة دولة تجرم التدخين فى الأماكن المغلقة، يد الله التى أدخلتنى فى نموذج دولة الرفاهية، أحاطتنى بالعناية اللازمة لأندمج وسط هذا النظام بصدر رحب، فمع عودتى فجر كل ليلة إلى الفندق، لم أكن أشعر بأى معاناة وأنا أعاود النزول للشارع شديد البرودة، للتدخين، اعتدت على ذلك، دون ضيق، طالما وجد نظام عادل يطبق على الجميع بلا استثناءات أو محسوبيات، فأهلا به، قِس على ذلك كل شىء وأى شىء.

ليس غريبًا أن تتم عدد من أهم المناقشات التى خضتها مع مواطنين دنماركيين أو مهاجرين، خلال فترات النزول للتدخين، سائق تاكسى تركى الأصل، وجد فى الدنمارك فرصتين، للعمل والحياة بكرامة، حكى لى كيف تكفلت الدولة بعلاجه دون أن يتحمل كورونا واحدة (الكورونا تساوى نحو 1.2 جنيه مصرى)، وأنه رغم التكلفة الباهظة للمعيشة فى الدنمارك، لكنه يعيش حياة أفضل بكثير.

لا يوجد حد ادنى قانونى للدخل فى الدنمارك، ولكن الحد الأدنى الفعلى وفقا للدراسات التى قامت بها اتحادات ونقابات عمالية هو 16 يورو فى الساعة (نحو144 جنيهًا)، تكلفة الطعام والانتقال عبر التاكسى باهظة للغاية، وجبة (الدينر بوكس) من كنتاكى تساوى نحو 80 جنيهًا مصريًا، ونحو192 جنيهًا أجرة الانتقال بالتاكسى لمسافة تعادل الانتقال من الدقى إلى ميدان روكسى، ولكن هناك وسائل انتقال أرخص بكثير ممثلة فى الأتوبيسات والمترو، ويكفى احترام الطرق المخصصة للدراجات، كل ذلك بجانب شبكة الضمان والرعاية الإجتماعية التى تغطى الجميع.

باكستانى يعمل كبائع فى محلات كنتاكى، لخص تجربته فى الحياة، بأنه صار أكثر حرصًا على الحياة، يقول: حينما كنت اهتم ــ على فترات ــــ بصحتى كان هدفى الأول والأخير أن أحيا لفترة أطول حتى أسدد ديون منزلى وسيارتى بحيث لا أترك هذا العبء فى عنق أولادى، الآن أحافظ على صحتى بشكل منهجى لأحقق أكبر درجات الاستمتاع بالحياة، صحة أفضل تساوى متعة أعلى!

مصرى يعمل فى أحد المطاعم بمنطقة تعرف باسم (حى المهاجرين)، سألنى بلهفة الغريب: إنت مصرى؟ أجبته نعم مصرى مصرى مصرى، وبعد السلام والتعارف والاطمئنان، بدأ فى حكى قصة رحيله إلى كوبنهاجن.

يقول محمد: حصلت على ليسانس الآداب قبل 4 سنوات، اشتغلت بالسياحة، ولكن بعد الثورة كل شىء تغير للأسوأ، فقدت مصدر رزقى مع تراجع النشاط السياحى، وغالبية أصدقائى هاجروا للعمل بالخارج.

محمد حديث العهد بالحياة فى كوبنهاجن، تزوج قبل شهور من مواطنة دنماركية، ويعمل فى هذا المطعم الذى يقدم أكلات شهيرة لدول مختلفة، بدأ تعلم الدنماركية حتى يكون أقرب لأهل هذا البلد ممن لا يجيدون التحدث بالإنجليزية، يرى فرصًا أفضل للعيش بحرية وكرامة، لكنه فى الوقت نفسه يعانى الغربة.

إذا لم يكن لديك أصدقاء فعليك أن تكون فى منزلك من الثامنة مساء..يؤكد محمد الذى كتم دموعه وهو يروى كيف تسببت أزمات ما بعد ثورة يناير 2011 فى قلب حياته رأسًا على عقب، قبل أن يتماسك ليؤكد أنه غير نادم على مشاركته بالثورة وأنه مازال يشعر بالفخر كلما ذكرت فى أى حديث.

باستثناء شعور الغربة الذى يسيطر على محمد، وهو شعور ليس بالهين، هناك شبه اتفاق بين غير الدنماركيين على أن أسلوب حياتهم تغير للأفضل، ليس بسبب مستوى الدخل الذى يحققونه من عملهم، وإنما من نموذج متكامل وفر لهم، بجانب فرصة العمل الكريمة، الكثير والكثير من الأمور المهمة الأخرى التى تدخل فى نطاق (الكرامة الإنسانية)، أحد أهداف ثورتنا المغدورة.

3 ــ لا نموذج بلا مشاكل.. ولكن أى مشاكل؟ !


عدد غير عادى من دور السينما يحيط بفندق Ascot الذى أقمنا به فى كوبنهاجن، المرة الوحيدة التى ذهبت فيها للسينما لم يعجبنى الفيلم The Gone Girl ، ليس لأنه فيلم سيئ ـ قد يكون سيئًا بالفعل ــ ولكن لأن رغبتى فى دخول السينما قد تحققت بمجرد جلوسى على الكرسى المخصص لى بداخلها، ولم يعد هناك ما يدعونى للانتظار.

نعم، لهذا الحد كنت فى صراع مع الوقت، أسعى لفعل أشياء كثيرة ومختلفة، أراهن على حوار ما قد يدفعنى إليه القدر مع أحد المارين، أو عشاء على الموسيقى الوطنية التى يحبها هذا الشعب، أتذوق طعامهم المفضل، وأشاركهم الحديث عن مشاكلهم ولو بمنطق (مين شاف بلاوى الناس تهون عليه بلوته).. لا داعى لذكر أى منا أكثر بلاء، فالهموم لا تقاس بتفاصيل المشاكل، صغرت أم كبرت، وإنما بدرجة إحساسنا بها.

أحد الباحثين الدنماركيين لخص المشاكل أو القضايا الكبرى محل الجدل بين المواطنين الدنماركيين فى الوقت الراهن، إحدى هذه القضايا هو: إلى أى حد يمكن لنظام دولة الرفاه أن يستمر فى ظل انخفاض معدلات النمو منذ الأزمة المالية العالمية ــ أقل من %1 حاليًا ـــ خاصة أن بعض الأحزاب بدأت فى المطالبة بالحد من بعض مزايا شبكة الضمان الاجتماعى، وتحديدا الخاصة برعاية المرأة المعيلة، وإعانات حديثى التخرج، وآخرون ينادون بتطبيق حوافز كبيرة للقطاع الخاص.

المشكلة الثانية تتعلق بملف التعامل مع المهاجرين، خاصة من طالبى اللجوء والهاربين من الصراعات الدائرة فى سوريا والعراق ودول أخرى من منطقة الشرق الأوسط، وهى مشكلة تعانى منها غالبية الدول الاسكندنافية، قضية ثالثة ترتبط بالسياسة الخارجية للدنمارك التى يرى الكثيرون أنها تميل لنفس مواقف الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بقرارات المشاركة فى الحروب.

خلال زيارتنا للبرلمان، وجدنا رجلاً وزوجته يتظاهران ضد مشاركة الدنمارك فى الحرب التى قادتها أمريكا ضد العراق والتى مر عليها ما يربو على الـ 10 سنوات، الباحث السابق أكد أن موقف الزوجين لا يدعو للاندهاش، فالتأكيد على ضرورة استقلالية السياسة الخارجية للدولة قضية مهمة ومستمرة.

بعيدًا عن هذه القضايا الكلية، لا توجد أزمات فقر أو بطالة أو تهديد للحريات وحقوق الإنسان فى الدنمارك، تعدد أوجه الرقابة والمساءلة، والسماح للعمال والموظفين والمهنيين بالتنظيم والتكتل على أكثر من مستوى وبحرية تامة، ساعد فى إذابة مثل هذه المشاكل.

وليس غريبًا أن تقدم اتحادات وتكتلات أصحاب الأعمال فى دولة الرفاهية مزايا للعمال والموظفين أهم وأرقى وأكرم من تلك التى تقدمها تكتلات العمال فى الدول النامية، بكل أسف واعتذار للقائمين على هذه التكتلات.

هذا المقال مجرد تمهيد لسلسلة من المقالات التى سأنقل فيها تجربة الأيام الثمانية التى قضيتها بين كوبنهاجن وستوكهولم، لا أهدف من مقارنة الوضع المحلى الراهن بواقع خارجى أجمل وأكثر إنسانية، إلى ما هو أبعد من مجرد (النقل) لمن أراد أن يعرف، أو رأى فيما أكتبه شيئا مفيدا، أما الرغبة فى التغيير نحو الأفضل، فقد توارت ومعها الشروط اللازمة لأى تغيير، فى وقت صار البقاء على قيد الحياة أحد تحدياتنا اليومية، والقيم النبيلة محل جدل.