شريف عطية:
إذا افترضنا أن مصر مستهدفة منذ تراجع ازدهارها بعد الأسرة 18 ق.م، وهو صحيح، لتتناوبها منذئذ الامبراطوريات الصاعدة على حسابها، ابتداء من الفرس 500 ق.م، فإن من نافلة القول إن شريانها المائى عند أعالى نهر النيل فى الحبشة.. يمثل جوهر قوة مصر الاستراتيجية فى محيطها المنظور، ولتدور من حوله المخططات العدائية ضدها، بأقله منذ العصور الوسطى، ما بين الغرب الأوروبى وما فى سياقه من ناحية.. بجانب ملوك الحبشة من ناحية أخرى، ذلك قبل أن تتفجر فى السنوات الأخيرة ما عرف بأزمة «سد النهضة».. تهدد بهلاك المصريين جوعاً، مسلميها ومسيحييها، زادتها احتقاناً سياسات مصرية عشوائية أهملت إيجابيات العلاقات المصرية- الإثيوبية منذ نهاية سبعينيات القرن الماضى إلى شهور قليلة سابقة.. قد تحمل الأمل فى احتمال تجاوز أخطر الأزمات فى تاريخهما المشترك.
إلى ذلك، انتهت بالأمس فى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.. أعمال الدورة الخامسة للجنة المشتركة للبلدين التى تشكلت مطلع الثمانينيات دون أن تجتمع سوى أربع مرات خلال ثلاثة عقود، وحيث تشير ضخامة تشكيل الوفد المصرى.. وتنوع تخصصاته.. وتمثيله الرفيع، إلى دخول البلدين مرحلة جديدة للتعاون والتفاهم بينهما فى مجالات نوعية مختلفة.. قد تتجاوز الخلافات القائمة فى إطار متبادل بين الاحتياجات التنموية لإثيوبيا.. والحقوق المائية لمصر، ربما فى عود على بدء إلى مستوى علاقتهما خلال عقد الستينيات من القرن الماضى، عبدالناصر/ هيلا سلاسى، قبل أن تتغير أنظمة الحكم فى البلدين.. ليصبحا طرفى نقيض فى حرب باردة على المستوى الدولى، لا ناقة لهما فيها ولا جمل، ولا تسوغ لمصر- الأكثر تضرراً- إدارة ظهرها لإثيوبيا.. ما سمح لإسرائيل «الظامئة» أن تصول وتجول عند أعالى نهر النيل كما تشاء، الأمر الذى نبهت لخطورته عبر مقال بمجلة «المصور» أغسطس 1987 تحت عنوان «ظمأ إسرائيل» لمياه النيل والفرات، لكن لا حياة لمن تنادى، ولتتصاعد الأزمات بالتراكم بين البلدين فى العامين الأخيرين إلى درجة تبادل التهديد بالحرب.. وما إلى ذلك من توجهات طائشة تكرس الاحتقان والتوتر، لولا أن بادر الرئيس المصرى الجديد فى الساعة الأخيرة إلى العمل نحو التهدئة وصولاً إلى حلول وسط محتملة تنزع فتيل الأزمة.. وتمهد لتسوية مسائل شديدة الحساسية، تتداخل فيها أطراف من خارجهما تهدف إلي تهديدها، لو أن انتقلت الخلافات من المواجهة إلى حيز التفاهمات.. على طاولة الحوار.. التى سوف تتبلور نتائجها فى الأسابيع والأشهر المقبلة.
فى هذا السياق، من الضرورى أن يضع المسعى الجديد فى الاعتبار عند تسوية الخلافات الآنية بين البلدين الأفريقيين الكبيرين، تناول خلفياتها التاريخية.. لإزالة مسبباتها، ذلك منذ استخدمت الاستراتيجية الغربية الأوروبية مشارف القرن 14.. مملكة الحبشة «المسيحية»، سواء فى الحروب الصليبية (جاليتها فى بيت المقدس) أو سواء لإضعاف مصر «المملوكية».. التى كانت تمثل وقتئذ درة بلدان الستار الإسلامى من طنجة إلى عُمان (من قبل تحويل طريق التجارة عنها عقب اكتشاف البوصلة البحرية 1492)، إذ ظهرت وقتئذ أفكار بعض الدعاة الغربيين تدعو الأحباش (كما تفعل إسرائيل وغيرها اليوم) إلى تحويل مجرى النيل- رغم عقبات عديدة- ما يمهد إلى إضعاف مصر وقدرتها الاستراتيجية فى المنطقة، ومن ثم إلى منع تجارة الشرق عنها (المشروع الصليبى الكبير «فيليب ميزيير» فى النصف الثانى من القرن 14)، الأمر الذى تتابعت فصوله حتى النصف الثانى من القرن 19، ما دفع الخديو «إسماعيل» إلى تسيير حملته العسكرية (الفاشلة) إلى منابع النيل، ذلك قبل أن تفرض بريطانيا هيمنتها على مصر 1881، وتشرف على وضع الاتفاقية المائية المعمول بها إلى الآن.
إن مسيرة العلاقات المصرية- الإثيوبية.. تكشف كم كانت السياسة المصرية فى الستينيات بعيدة النظر، ذلك على غير ما أصبحت عليه سياستها فى العقود التالية، قصيرة النظر، ما سمح للآخرين بالتسلل لتهديد مصر عبر أعالى نهرها الخالد.
أعالى النهر الخالد
<div style="text-align: right;"><strong> إذا افترضنا أن مصر مستهدفة منذ تراجع ازدهارها بعد الأسرة 18 ق.م، وهو صحيح، لتتناوبها منذئذ الامبراطوريات الصاعدة على حسابها، ابتداء من الفرس 500 ق.م،