رجائي عطية
كنت بالإسكندرية حين بدأت خدمتي التمهيدية بالقضاء العسكري الذي التحقت به آخر سنة 1960 لفترة بعد بدايتي في المحاماة أغسطس 1959، لأعود منه إليها في آخر 1976.. كان النظام يقضي آنذاك بسنةٍ أولي في خدمة التشكيلات العسكرية الميدانية قبل مباشرة العمل القضائي.. بدأتها في الكتيبة الثانية للمشاة بالعامرية، قائداً لفصيلة في السرية الثانية التي يقودها آنذاك النقيب السوري خالد أرسلان، وانقطعت أخباره عني منذ الانفصال الذي أنهي حلم الوحدة الجميل، وتوليت من بعده قيادة السرية.. وكنا قد حددنا يوم 23 ديسمبر 1961 للاحتفال بيوم الكتيبة، وكنت أضطلع فيه بواجبات كثيرة، لذلك وقعت في حيرة شديدة حين عدت إلي سكني مساء يوم 22 ديسمبر فوجدت أسفل باب الشقة خطاباً من المرحوم الأستاذ عبد المجيد الشرقاوي المحامي، يخطرني فيه بأن أبي ـ وهما زميلان ـ أصيب بأزمة قلبية ويرغب في أن أعوده بشبين الكوم.. لم يكن لدي تليفون منزلي، ولا كان المحمول قد اخترع، وأشفق أبي من إرسال برقية قَدَّر أنها يمكن أن تقلقني، فاغتم زيارة الأستاذ عبد المجيد الشرقاوي الذي علم منه أنه بطريقه إلي الإسكندرية، فأعطاه عنواني وطلب إليه أن يمرّ علي لإبلاغي برغبته، فلما تصادف أن لم يجد الأستاذ عبد المجيد أحداً بالسكن، اضطر لكتابة الخطاب علي عجل وتركه لي من تحت باب الشقة!
تولتني حيرة شديد امتزجت بقلقي الأشد علي أبي، ولم يكن أمامي إلاّ أن أذهب إلي الكتيبة في الصباح لأخطر قائدها آنذاك المقدم عمر خالد ـ يرحمه الله ـ بالظروف الطارئة، ووجدتني متحمساً معه لأعبائي بالاحتفال علي وعدٍ بأن أغادر قبل نهايته للسفر إلي شبين الكوم.. في نحو الرابعة والنصف عصراً صرفني قائد الكتيبة مودعاً إياي بتمنياته الطيبة للوالد الذي انطلقت طائراً إليه.. أسابق الزمن وحاستي السادسة تنبئني بنذير.. كانت المشكلة أنني في العامرية علي بعد أكثر من 30 كم من الإسكندرية، ولم تتيسر عربة لنقلي إليها، فجعلت أتنقل بين المركبات العسكرية التي طفقت أوقف ما يصادفني منها طوال الطريق الذي رسمته للوصول إلي محطة سيدي جابر لأستقل القطار منها إلي طنطا ومنها بقطار آخر إلي شبين الكوم.. لازلت أذكر خفقات القلق وأمل الوصول طوال هذا الطريق الذي كنت أسابق فيه الزمن كأني كنت عل ميعاد مقدور !
أخيرا بلغت حجرة نومه ـ يرحمه الله، وهو علي فراشه لم تفارقه سماحته ولا إيمانه، ولا تهلله وبشاشته وارتياحه لمقدمي.. كان آخر ما تلقيته كتابةً منه، رسالة أبلغني فيها بأنه أبلغ أشقائي وشقيقاتي بتحياتي وسلامي لهم، ولكن ختمها بوصيةٍ لم تفارقني قط.. أوصاني فيها بأن أنهض بنفسي في المستقبل بالسؤال عليهم، قائلا : »وكن لهم مكان الوالد يا رجائي«.
لم أدر إلاَّ وهذه العبارة تراودني وأنا أجلس إليه أمام فراشه، مع أنه بدا في الظاهر بحالةٍ طيبة.. ثم أعقبها كَرْشة نفسٍ، فاستدعي الدكتور رياض سركيس لمناظرته، ولكنه ما إن غادر، حتي تسارعت أنفاسه وبدت الأمور علي غير ما يرام.. فهمت أمي ما لم أفهمه.. أخذت رأسه علي كتفها وجعلت تقول له مطمئنةً وقد عرفت أنها سكرات الموت : إنك مؤمن.. وهو يوصيها بأخته التي كانت تقيم معنا قبل أن يتشهد ويسند رأسه الإسنادة الأخيرة علي كتفها وعلامات الرضا والطمأنينة مرتسمة علي أساريره.. لم أصدق أنه يموت ولا استوعبت أنه مات.. فانطلقت أعدو كالمجنون في محاولة للحاق بالدكتور الذي كان قد فارقنا من دقائق.. ولكني أدركت بعد أن أفقت من هول الصدمة أن أحداً لا يملك إرجاء لحظة الفراق، مثلما أدركت أن الموت والحياة ليسا خصيمين، وإنما هما وجها وجود الوجود!
ومع ذلك فمشهد الموت صعب، وكان قدري أن أبي رحمه الله، أعز وأحب الناس إلي طرًّا، هو أول من شاهدت احتضاره من الأحياء.. كان المشهد مشحونا بالعواطف، ممزوجا بالمشاعر المتباينة بين الخوف والرجاء، والإشفاق والأمل، والاعتراض والتسليم.. اجتمع فيه مشهد الاحتضار مع فراق أعز الأحباب.. فكان أثره مزلزلاً لم يفارقني قط رغم مرّ السنين، وإن بقيت الذكري حية معطرة لأبٍ زرع ورعي كل ما استطعت به مواجهة الحياة بحلوها ومرّها وأعاصيرها.. تحضرني عنايته وهو يفارق الحياة بأن يوصي زوجته برعاية أخته.. أما نحن، فقد كان يدرك ببصيرته أن الأم لا تحتاج إلي وصية لرعاية أولادها..
تأملت كثيرا في هذا المشهد الأخير الذي سبقته وصية مكتوبة ظني أنها كانت علي ميقات بترتيب المقادير، أن يكون الأخ الأسن في مكان الوالد لأخوته، ووصية أخري أخيرة إلي زَوْجِهِ أن تبقي علي رعايتها الرءوم لأخته.. وقد فعلت يرحمهم الله جميعا.. أما ميقات الوداع، فهو الرحلة الطائرة التي قطعتها في أربع ساعات من العامرية في جنوب الإسكندرية إلي شبين الكوم في وسط الدلتا، ليقدر لي أن أصل في اللحظة الأخيرة لأكون في رحابه لحظة الوداع الذي كنت وإياه علي ميقات مقدور.
كنت بالإسكندرية حين بدأت خدمتي التمهيدية بالقضاء العسكري الذي التحقت به آخر سنة 1960 لفترة بعد بدايتي في المحاماة أغسطس 1959، لأعود منه إليها في آخر 1976.. كان النظام يقضي آنذاك بسنةٍ أولي في خدمة التشكيلات العسكرية الميدانية قبل مباشرة العمل القضائي.. بدأتها في الكتيبة الثانية للمشاة بالعامرية، قائداً لفصيلة في السرية الثانية التي يقودها آنذاك النقيب السوري خالد أرسلان، وانقطعت أخباره عني منذ الانفصال الذي أنهي حلم الوحدة الجميل، وتوليت من بعده قيادة السرية.. وكنا قد حددنا يوم 23 ديسمبر 1961 للاحتفال بيوم الكتيبة، وكنت أضطلع فيه بواجبات كثيرة، لذلك وقعت في حيرة شديدة حين عدت إلي سكني مساء يوم 22 ديسمبر فوجدت أسفل باب الشقة خطاباً من المرحوم الأستاذ عبد المجيد الشرقاوي المحامي، يخطرني فيه بأن أبي ـ وهما زميلان ـ أصيب بأزمة قلبية ويرغب في أن أعوده بشبين الكوم.. لم يكن لدي تليفون منزلي، ولا كان المحمول قد اخترع، وأشفق أبي من إرسال برقية قَدَّر أنها يمكن أن تقلقني، فاغتم زيارة الأستاذ عبد المجيد الشرقاوي الذي علم منه أنه بطريقه إلي الإسكندرية، فأعطاه عنواني وطلب إليه أن يمرّ علي لإبلاغي برغبته، فلما تصادف أن لم يجد الأستاذ عبد المجيد أحداً بالسكن، اضطر لكتابة الخطاب علي عجل وتركه لي من تحت باب الشقة!
تولتني حيرة شديد امتزجت بقلقي الأشد علي أبي، ولم يكن أمامي إلاّ أن أذهب إلي الكتيبة في الصباح لأخطر قائدها آنذاك المقدم عمر خالد ـ يرحمه الله ـ بالظروف الطارئة، ووجدتني متحمساً معه لأعبائي بالاحتفال علي وعدٍ بأن أغادر قبل نهايته للسفر إلي شبين الكوم.. في نحو الرابعة والنصف عصراً صرفني قائد الكتيبة مودعاً إياي بتمنياته الطيبة للوالد الذي انطلقت طائراً إليه.. أسابق الزمن وحاستي السادسة تنبئني بنذير.. كانت المشكلة أنني في العامرية علي بعد أكثر من 30 كم من الإسكندرية، ولم تتيسر عربة لنقلي إليها، فجعلت أتنقل بين المركبات العسكرية التي طفقت أوقف ما يصادفني منها طوال الطريق الذي رسمته للوصول إلي محطة سيدي جابر لأستقل القطار منها إلي طنطا ومنها بقطار آخر إلي شبين الكوم.. لازلت أذكر خفقات القلق وأمل الوصول طوال هذا الطريق الذي كنت أسابق فيه الزمن كأني كنت عل ميعاد مقدور !
أخيرا بلغت حجرة نومه ـ يرحمه الله، وهو علي فراشه لم تفارقه سماحته ولا إيمانه، ولا تهلله وبشاشته وارتياحه لمقدمي.. كان آخر ما تلقيته كتابةً منه، رسالة أبلغني فيها بأنه أبلغ أشقائي وشقيقاتي بتحياتي وسلامي لهم، ولكن ختمها بوصيةٍ لم تفارقني قط.. أوصاني فيها بأن أنهض بنفسي في المستقبل بالسؤال عليهم، قائلا : »وكن لهم مكان الوالد يا رجائي«.
لم أدر إلاَّ وهذه العبارة تراودني وأنا أجلس إليه أمام فراشه، مع أنه بدا في الظاهر بحالةٍ طيبة.. ثم أعقبها كَرْشة نفسٍ، فاستدعي الدكتور رياض سركيس لمناظرته، ولكنه ما إن غادر، حتي تسارعت أنفاسه وبدت الأمور علي غير ما يرام.. فهمت أمي ما لم أفهمه.. أخذت رأسه علي كتفها وجعلت تقول له مطمئنةً وقد عرفت أنها سكرات الموت : إنك مؤمن.. وهو يوصيها بأخته التي كانت تقيم معنا قبل أن يتشهد ويسند رأسه الإسنادة الأخيرة علي كتفها وعلامات الرضا والطمأنينة مرتسمة علي أساريره.. لم أصدق أنه يموت ولا استوعبت أنه مات.. فانطلقت أعدو كالمجنون في محاولة للحاق بالدكتور الذي كان قد فارقنا من دقائق.. ولكني أدركت بعد أن أفقت من هول الصدمة أن أحداً لا يملك إرجاء لحظة الفراق، مثلما أدركت أن الموت والحياة ليسا خصيمين، وإنما هما وجها وجود الوجود!
ومع ذلك فمشهد الموت صعب، وكان قدري أن أبي رحمه الله، أعز وأحب الناس إلي طرًّا، هو أول من شاهدت احتضاره من الأحياء.. كان المشهد مشحونا بالعواطف، ممزوجا بالمشاعر المتباينة بين الخوف والرجاء، والإشفاق والأمل، والاعتراض والتسليم.. اجتمع فيه مشهد الاحتضار مع فراق أعز الأحباب.. فكان أثره مزلزلاً لم يفارقني قط رغم مرّ السنين، وإن بقيت الذكري حية معطرة لأبٍ زرع ورعي كل ما استطعت به مواجهة الحياة بحلوها ومرّها وأعاصيرها.. تحضرني عنايته وهو يفارق الحياة بأن يوصي زوجته برعاية أخته.. أما نحن، فقد كان يدرك ببصيرته أن الأم لا تحتاج إلي وصية لرعاية أولادها..
تأملت كثيرا في هذا المشهد الأخير الذي سبقته وصية مكتوبة ظني أنها كانت علي ميقات بترتيب المقادير، أن يكون الأخ الأسن في مكان الوالد لأخوته، ووصية أخري أخيرة إلي زَوْجِهِ أن تبقي علي رعايتها الرءوم لأخته.. وقد فعلت يرحمهم الله جميعا.. أما ميقات الوداع، فهو الرحلة الطائرة التي قطعتها في أربع ساعات من العامرية في جنوب الإسكندرية إلي شبين الكوم في وسط الدلتا، ليقدر لي أن أصل في اللحظة الأخيرة لأكون في رحابه لحظة الوداع الذي كنت وإياه علي ميقات مقدور.