عرفان وتقدير (6)

<div style="text-align: right;"><strong>أريد أن أحدثك اليوم عن شيخ من شيوخ فن التحقيق الكبار، الذى تشعّبت تحقيقاته فى كل باب، فى الشعر والأدب، وفى علوم القرآن والحديث، وفى التاريخ، وفى اللغة

رجائى عطية:
أريد أن أحدثك اليوم عن شيخ من شيوخ فن التحقيق الكبار، الذى تشعّبت تحقيقاته فى كل باب، فى الشعر والأدب، وفى علوم القرآن والحديث، وفى التاريخ، وفى اللغة والنحو، وفى الحكم والأمثال، وفى الفكر والفلسفة .. أديب صاحب أسلوب متميز، وعلاّمة موسوعى ضرب فى العلم فى كل باب من أبوابه، فتميزت مؤلفاته، وتميزت تحقيقاته .. اختيارًا وأداءً .. يعرف قدره كل معنىٍّ بالتراث العربى، وكل معنىٍّ بالشعر والأدب، وبالتاريخ والسير، وبأيام العرب فى الجاهلية والإسلام، وكل طالب علم، وكل ساعٍ فى الدراسات العليا .. فوراء ما حققه هذا العالم الجليل من كتب، علم واسع غزير وعريض، لم يبخل به على أحد، ولم يكتف بما كان يدلى به فى مؤلفاته وتحقيقاته، وإنما فتح داره لطلاب الدراسات العليا لينهلوا من علمه، ويحددوا بإرشاده وعلمه الواسع محاور دراساتهم، ومصادر البحوث ومراجعها، ويقيم ندوة أسبوعية بمنزله بعد صلاة مغرب كل يوم جمعة، يؤمها محبوه والراغبون فى الاغتراف من معينه الفياض. شَفَّ عن امتيازه منذ تخرج من دار العلوم بالقاهرة سنة 1934، وسرعان ما بوأته مواهبه وعلمه أماكن الصدارة المعنية بالعلوم والمعارف والآداب.. وفى دار الكتب المصرية كان عشقه الكبير، ما هى إلاَّ فترة وجيزة حتى صار مديرًا للقسم الأدبى بدار الكتب، ثم مديرًا للشئون المكتبية، ورئيسًا بالدار للجنة إحياء التراث. صاحبنا هو الأستاذ العلامة محمد أبو الفضل إبراهيم، صاحب الإنجازات التى لا تُعَدّ ولا تُحصى.. رئيس لجنة إحياء التراث بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وعضو لجنة إحياء التراث بالمجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.. إلى جانب رئاسة لجنة إحياء التراث بدار الكتب المصرية. شخصيًّا تعلمت كثيرًا من هذا العلاّمة الجليل، من الكتب التى حققها فيسَّرَها لنا، ومن حواشيه المتميزة الدالة على علمه الموسوعى العريض .. صاحبته سنوات وأنا أغترف من تاريخ الرسل والملوك المعروف اختصارًا بتاريخ الطبرى، لأكثر من عشر سنوات وأنا لا أنقطع عن الاغتراف من هذا المعين الذى حققه تحقيقًا متميزًا فى عشرة مجلدات أصدرتها دار المعارف وأعادت طبعها عدة مرات لشدة الحاجة إليها والطلب عليها .. كان تاريخ الطبرى الذى حققه الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم من ضمن عدًّتى الدائمة فى كتابة « السيرة النبوية فى رحاب التنزيل »، ولم يكن هذا حسب الأستاذ العلامة من فيوض أنارت طريقى فى وضع هذا المؤلف الضخم، وإنما صاحبنى أيضًا الكتاب الضافى الذى حققه للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطى: «الإتقان فى علوم القرآن»، أنارت لى مجلداته الأربعة سبلاً، كان للأستاذ أبو الفضل الفضل فى إصدار طبعة محققة لهذا المرجع النفيس الذى استهله بدراسته عن السيوطى وعن مؤلفاته، آخذًا على عاتقه أن يهيئ للباحثين طبعة محققة للكتاب، صدرت طبعته الأولى عام 1967 عن مكتبة ومطبعة المشهد الحسينى، بيد أنه سبقها بعشر سنوات، تحقيقه ونشره عن طريق دار إحياء الكتب العربية للبابية الحلبية، كتاب الإمام الزركشى فى ذات الموضوع: «البرهان فى علوم القرآن»، وأيضًا فى أربعة مجلدات صدرت طبعتها الأولى سنة 1957، وإذ كان من أمانة السيوطى أن ذكر فى تقدمة كتابه كيف استفاد كثيرًا من كتاب البرهان فى علوم القرآن للإمام الزركشى، إلاَّ أن الكتابين : الإتقان، والبرهان فى علوم القرآن، يتضافران معًا فى تقديم دراسات رفيعة متميزة لعلوم القرآن، كانت دليلى ومنارى فى «السيرة النبوية فى رحاب التنزيل»، وأنا أجمع الروايات فى مناسبات التنزيل وترتيب نزول الآيات والسور القرآنية، ومكان ومواقيت وترتيب النزول، المكى والمدنى، وما نزل فى مكة واعتبر مدنيًا لأنه نزل فى فتح مكة بعد الهجرة، وما نزل فى الجحفة، والطائف، وفى عرفات، وما نزل نهارًا وما نزل ليلاً، وأول ما نزل، وآخر ما نزل، وما تكرر النزول به أحيانًا لتكرار المناسبة التى ربما تكررت فى المدينة، بعد سابقة لها فى مكة .. وما يلزم الباحث إلى جوار هذا كله من معرفة واجبة بكل صنوف علوم القرآن المجيد . مع الحواشى التى تطالعك فى كل صفحة من صفحات هذه المصادر النفيسة، ترى كم كان عريضًا علم هذا العلامة الجليل، وكم أنفق من الوقت والجهد لييسر هذا التراث محققًا تحقيقًا دقيقًا ومعلقًا عليه، لطلاب البحث والمعرفة . إذا كنت من عشاق الشعر الجاهلى، فسوف يطالعك تحقيقه المتميز لديوان امرئ القيس، ولديوان البهاء زهير، وإن كنت من طلاب معرفة روايات أيام العرب فى الجاهلية والإسلام، فسوف يروى غلتك تحقيقه لكتاب « أيام العرب فى الإسلام » مع الأستاذ على البجاوى، وتحقيقه لكتاب « أيام العرب فى الجاهلية » مع الأستاذين محمد أحمد جاد المولى وعلى البجاوى . أينما يممت سعيا للإطلال على التراث العربى فى كل باب، سوف تصادف كتبًا نفيسة حققها هذا العلامة الجليل .. « أنباه الرواة على أنباه النحاة » للقفطى، و« ثمرات الأوراق » لابن حجة الحموى، و« مجمع الأمثال » للميدانى، و«ثمار القلوب فى المضاف والمنسوب» للثعالبى.. وقائمة طويلة لا تنتهى ولا يتسع لها هذا الحيز . عاش هذا العلامة يفيض بعلمه على الجميع فى تواضع جم، وخلق دمث، وعطاء سلس لا مَنَّ فيه ولا استعلاء .. ينساب سهلا ميسورًا إلى أجيال نهلت منه، ويتعاضد به من اقتربوا منه فشكلوا أرتالاً متتاليةً من المحققين الذين درسوا واقتدوا بهذا النبع الفياض، الحاضر وإن غاب سنة 1981 عن دنيانا، فى كل ما نطل عليه اليوم وكل يوم من أعماله الخالدة. ( يتبع)