عرفان وتقدير (3)

<div style="text-align: right;"><strong>كان أبوفهر، الأستاذ محمود محمد شاكر، عريض العلم، عظيم الاعتداد بنفسه، ترى تفرد شخصيته، واستقلالية رأيه، وشجاعته فيه، منذ سنوات صغره وصباه. فمع أنه ابن

رجائى عطية: كان أبوفهر، الأستاذ محمود محمد شاكر، عريض العلم، عظيم الاعتداد بنفسه، ترى تفرد شخصيته، واستقلالية رأيه، وشجاعته فيه، منذ سنوات صغره وصباه. فمع أنه ابن الشيخ الأزهرى كبير علماء الإسكندرية، وكيل الأزهر الشريف، الشيخ محمد شاكر، وشقيق الشيخ أحمد محمد شاكر الذى حصل على شهادة العالمية من الأزهر سنة 1917م، وسن محمود شاكرآنذاك ثمانى سنوات، فقد ولد سنة 1909م، إلاَّ أنه تفرَّد فى اختيار طريقه فى التعليم، فلم يحذ حذو أبيه أو شقيقيه الأكبر أحمد وعلى، وإنما انفرد باختيار طريق التعليم المدنى، وتلقى أولى مراحل تعليمه فى مدرسة الوالدة أم عباس فى القاهرة سنة 1916، ثم انتقل وهو فى العاشرة بعد ثورة 1919 إلى مدرسة بدرب الجماميز، وفيها تأثر كثيرًا بدروس اللغة الإنجليزية الجديدة عليه والتى كانت محل اهتمام المدرسة، ولم يقطعه التعليم المدنى عن التردد على الجامع الأزهر الذى سمع فيه كثيرًا من الشعر والأدب، فتوازنت من البداية مصادره التعليمية بين العربية التى صار قطبًا من أقطابها، وبين الإلمام بالإنجليزية التى أتاحت له الإطلال على ما لم يكن متاحًا بالعربية. وبعد حصول محمود شاكر على شهادة إتمام الدراسة الثانوية من المدرسة الخديوية، ومع أنه كان بالقسم العلمى، إلاَّ أنه اتجه إلى كلية آداب القاهرة، حيث التحق بقسم اللغة العربية، والطريف أن الدكتور طه حسين الذى عاداه فيما بعد هو الذى توسط لدى أحمد لطفى السيد رئيس الجامعة لقبوله بكلية الآداب برغم أنه كان بالقسم العلمى للتوجيهية. وهنا نقلة أخرى أورت بتفرد شخصيته واستقلالية رأيه إلى حد العنف فى الانتصار له. كان إكبار محمود شاكر للدكتور طه حسين عظيمًا، لأستاذيته له، ولمكانته، ولفضله فى إزاحة عقبة التحاقه بكلية الآداب. وفى سنة 1926 كان الدكتور طه حسين يلقى محاضراته عن الشعر الجاهلى، لطلبة كلية الآداب، وأيضًا لطلبة السنة الأولى بحقوق القاهرة التى كان نظامها يفرض آنذاك تمضية سنة تحضيرية بكلية الآداب. وكان من طلبة كلية الحقوق الدارسين بكلية الآداب فى تلك السنة: أبى الروحى وأستاذى محمد عبد الله محمد العلامة والمحامى الأشهر، والناقد الكبير والمحامى أيضًا محمد مندور، وكان فى هذه الدفعة ضمن طلبة كلية الآداب محمود محمد شاكر الذى استمع ضمن من استمعوا إلى نظرية الدكتور طه حسين فى الشعر الجاهلى، وإلى رأيه أن معظمه منتحل لفَّقَهُ الرواة ونسبوه إلى امرئ القيس وزهير وغيرهما من شعراء الجاهلية، وروى محمود شاكر فيما بعد أنه ضاعف من صدمته فى رأى طه حسين، أنه كان قد اطلع على هذا الرأى بحذافيره للمستشرق الإنجليزى اليهودى مرجوليوث، فى مقال كان منشورًا له فى مجلة استشراقية. تردد محمود شاكر كثيرًا فيما يروى فى مراجعة طه حسين، تهيبًا واحترامًا لأستاذه، ولكن شخصيته المتوثبة لإبداء ما يعتقده، حدته للخروج عن صبره، فطفق يناقش أستاذه ويحاوره ويرد عليه فى صراحة أفسدت ما كان بينه وبين أستاذه، وإن أحجم وقتها عن مواجهته بأن ما يطرحه فى محاضراته هو أفكار المستشرق مرجوليوث! لم يطق محمود شاكر صبرًا على استكمال دراسته بكلية الآداب التى خاب أمله فيما صادفه فيها، فترك الجامعة وهو بالسنة الثانية، وسافر سنة 1928 إلى جدة بالسعودية، حيث أنشأ هناك مدرسة ابتدائية بتكليف من الملك عبد العزيز آل سعود، ولكن والده استدعاه إلى مصر، فعاد فى العام التالى (1929) إلى القاهرة، حيث انصرف إلى الأدب والكتابة، وقراءة دواوين الشعر، وعشق المتنبى وشعره، ومع الوقت صارت له ملكة متميزة فى تذوق الشعر، فبدأ ينشر قطعه الشعرية فى مجلتى «الفتح» و«الزهراء» لمحب الدين الخطيب، وبدأت مع الوقت تنمو اتصالاته بأعلام هذا العصر من الأدباء والمفكرين، فاتصل بأحمد تيمور وأحمد زكى باشا والخضر حسين ومصطفى صادق الرافعى، وبعباس العقاد الذى توثقت صلته به. بتعمق محمود شاكل وتأمله فيما وقع عليه من أشعار العرب، نمت ملكة تذوقه، وصار له منهج يطبقه فى قراءة الشعر وفهمه وتحليله، وساعده اطلاعه على التفاسير القرآنية وكتب الحديث، وما وصله من مناهج السابقين فى دراسة الشعر والشعراء كطبقات الشعراء لابن سلام الجمحى، وكتب الجرح والتعديل وغيرها من كتب أصول الفقه والملل والنحل للشهرستانى والبغدادى، وكتب البلاغة والأدب والنحو والتاريخ، فانفتحت له آفاق زادت علمه وملكاته ؛ وبهذا الزاد المتنامى، أقبل محمود شاكر على المتنبى، شاعره الأثير المحبب، وما إن كلفه فؤاد صروف رئيس تحرير مجلة المقتطف بكتابة دراسة موجزة عنه، حتى دفعته محبته للشاعر للتوسع، حتى تحولت الدراسة إلى ما يشبه الكتاب، فنشره فؤاد صروف فى عدد خاص للمقتطف بأول يناير 1936، صدَّره بأنه لأول مرة يصدر عدد المجلة فى موضوع واحد لكاتب واحد، وقد كان لهذه النقلة ما بعدها فى حياة الأستاذ محمود شاكر. (يتبع)