شريف عطية:
وكأن الزمان يعود على بدء إلى ستين عاماً خلت، منذ كانت العلاقات العسكرية بين القاهرة وموسكو.. هى المدخل لأبواب مشرّعة بينهما.. تنشأ عبرها صداقة جيوسياسية بين البلدين.. امتدت وثيقاً - رغم احتكاكات طبيعية بين دولة عظمى ودولة إقليمية كبرى - لنحو عشرين عاماً تغير خلالها وجه مصر التى كانت حتى ذلك الوقت منطقة نفوذ تقليدية للغرب يرتع فيها كما يشاء، ذلك قبل انفضاض العلاقات بين مصر وروسيا من جراء تعقيات الحرب والسلام، كما هو معروف تفصيلاً، منذ منتصف السبعينيات، على الر غم من محاولات مصرية لاحيائها على استحياء خلال العقدين الأخيرين لم تسفر عن شىء جدى، ولتبقى %99 من الأوراق كما كانت فى أيدى الولايات المتحدة.
منذ صيف العام الماضى، ولأسباب مستجدة عديدة، وعبر جولات استطلاعية لاختبار مدى جدية البلدين لاستئناف العلاقات بينهما، ربما إلى أقوى مما كانت، يقوم الرئيس المصرى خلال الساعات الجارية بزيارة رسمية إلى روسيا، يحظى فيها بمظاهر استقبال غير تقليدية لم تسبق لأى من أسلافه، وليشاهد مجرد أن وطئت قدماه أرض المطار.. عرضاً لآليات عسكرية حديثة، ومن بعد زيارة لإحدى وحدات الأسطول البحرى الروسى، إلى جانب قيام الرئيسين بجولة شعبية بين الجماهير فى المدينة الأوليمبية «سوتشى»، قبل عقدهما أكثر من لقاء ثنائى مغلق بينهما، من المرجح أن يتجاوز التعاون العسكرى الذى تم حسمه تقريباً خلال الشهور السابقة.. إلى بحث ومناقشة مسائل أكثر دقة وشمولاً على المستوى الثنائى والإقليمى والدولى، فى مقدمتها كما تشير تصريحات وزير الخارجية الروسى، وآخرين، التصدى للإرهاب ومنظماته على امتداد مجمل المواقع الناشط بها فى المنطقة، وبالتعاون مع آخرين معنيين بدرء أخطاره، ربما تكون السعودية أحدهم، بحسب ما جاء فى ختام القمة المصرية - السعودية قبل أن يتوجه الرئيس المصرى مباشرة إلى روسيا، لعله يحمل إجابات من الرياض عن مساعى موسكو لخطب ود الأخيرة المرة تلو الأخرى منذ مطلع التسعينيات من بعد انتفاء البعد الأيديولوجى لصالح روسيا «المتفتحة».
إن التطورات الإيجابية منذ صيف العام الماضى على صعيد العلاقات المصرية - الروسية، تعيد للذاكرة ما سبق أن نصح به المصريون مستشار الأمن القومى السابق «حافظ إسماعيل» وقت إلغاء معاهدة الصداقة بين البلدين 1975، للاحتفاظ بعلاقات دافئة مع الشعب الروسى، ذلك لما وقر فى قناعته بأن الولايات المتحدة لن ترغب، لاسبابها فى إشباع احتياجات مصر التنموية أو تطلعاتها الوطنية بسيان، وهو ما أكدته حصيلة العقود الأربعة الأخيرة التى أضاعت سنوات ثمينة من عمر المسيرة المصرية على صعيد الدور والنماء، قبل أن تؤدى تحركات الشارع خلال حراك الربيع العربى وإرهاصاته إلى تدمير أنظمة ما بعد الحقبة الاستعمارية وتوابعها فى العالم العربى، وحيث تعيد الولايات المتحدة - بحسب المراقبين - تقييم دورها الدولى من «التدخل» إلى «الانعزالية»، فيما تتحول أوروبا إلى رجل العالم المريض منذ أزمتها المالية 2008، ولتصبح روسيا والصين وغيرهما فى صفوف القوى الاقتصادية الصاعدة، ما يؤدى إلى فقدان الغرب احتكاره لأفكار الهيمنة العالمية، الأمر الذى يحسب بمرور الوقت لصالح القيم والسياسة الاقتصادية للحضارات الشرقية والآسيوية، ما يلقى بظلاله على المنازعات الاقليمية فى الشرق الأوسط فى سعيها لملء فراغ القوة الناشئ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
إلى ذلك، قد يجوز القول عندئذ إن نجاح المساعى المتوقعة لمصر فى التقريب بين السعودية من ناحية وروسيا وحلفائها الاقليميين من جانب آخر، كما فى ضوء الانقسام الحاد - بحسب المراقبين - داخل الكونجرس والنخب الأمريكية حول مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.. إلخ، إذ لأمكن للمنطقة من شرقى السويس إلى غرب وشرق البحر المتوسط.. أن تشهد عصراً جديداً تتصدره مصر مع روسيا بالتعاون مع آخرين.. لانتشالها من حالة الفوضى والتقسيم فى اتجاه الغد الأفضل.