من أرشيف الذكريات (122)

رجائى عطية : كان أخطر ما واجهنا فى العدوان الثلاثى 1956، فيما يبدى حافظ إسماعيل، التفوق الساحق الذى يمكن أن يتحقق للقوات الأنجلو فرنسية عندما انضمت إسرائيل إلى هذا التحالف،...

رجائى عطية : كان أخطر ما واجهنا فى العدوان الثلاثى 1956، فيما يبدى حافظ إسماعيل، التفوق الساحق الذى يمكن أن يتحقق للقوات الأنجلو فرنسية عندما انضمت إسرائيل إلى هذا التحالف، فقد أصبح للقوات الثلاثية المعتدية التفوق البرى بنسبة 3: 1، بينما كان تفوقها الجوى والبحرى ساحقا. لم نكن قد أعددنا أنفسنا لقتال يتجاوز ما يواجهنا على جبهتنا الشرقية، أما الآن فقد صرنا نواجه بموارد إمبراطوريتين معدودتين من الدول العظمى. زاد من فاعلية هذا التفوق، حيازة القوات المهاجمة للمفاجأة والمبادأة، من خلال اختيارها للهجوم بين المحاور الإستراتيجية، ومن المعروف أن قدرة صدّ هذه الاحتمالات المتعددة، لحماية عدة محاور، لا تتوافر إلاَّ باحتياطى مركزى يمكن دفعه فى أى من المحاور المتعددة عندما يستبين اتجاه الهجوم الرئيسى أو الضربات الرئيسية. ولا جدال أن التفوق الجوى والبحرى للحليفتين عزز قدرتهما على المفاجأة. وأخيرًا فقد كنا نفتقر وبصورة حادة فيما يورى حافظ إسماعيل بمقاله هذا الضافى، إلى المعلومات الكافية والصحيحة. وكانت إمكانيات حصولنا عل هذه المعلومات محدودة جدًا، فى مقابل وفرة المعلومات على الجبهة الأنجلو فرنسية، فى الوقت الذى عمدت فيه الحليفتان: بريطانيا وفرنسا، إلى بث أنباء حول تحركات قصدتا منها التعمية على حقيقة النوايا، وتحقيق الإرهاق الذهنى والمعنوى للقيادات المصرية السياسية والعسكرية! الاقتراب من الحرب وتطور خطط العمليات وبالرغم من هذه العوامل المضادة، فقد استطاعت القيادة العسكرية المصرية مواجهة الهجوم بشجاعة وهدوء، ووضعت التقييمات الضرورية والصحيحة، وأجرت التعديلات الجذرية اللازمة على أوضاع القوات، ونفذت تحركاتها اللازمة بالقدر الصحيح وفى الوقت المناسب. ومن خلال شهور الاقتراب من الحرب التى بدت نذرها، استطعنا متابعة فكر قادة العدوان المرتقب، يومًا بيوم، من خلال ثلاثة مراحل: امتدت المرحلة الأولى خلال الأيام القليلة التالية لقرار التأميم، وكان التقدير - بمؤتمر 26 يوليو - أن تلجأ إنجلترا لشن عملية هجومية سريعة بقواتها الجوية والمنقولة جوًا، من قواعدها بقبرص لإعادة احتلال «قاعدة القنال»، ثم التحرك للسيطرة على المنطقة بأكملها. ولمواجهة هذا الاحتمال، قدرنا أن قواتنا المتوفرة بمنطقة الإسماعيلية قادرة على التصدى لمثل هذا الهجوم، وعلى هذا اقتصرت الترتيبات «الوقائية» على وضع قواتنا المسلحة فى حالة الاستعداد، ومع توزيع القوات المقاتلة فى الأوضاع الدفاعية المناسبة. كذا على حدودنا الشرقية فى مواجهة إسرائيل. وكان التصور الأول للقيادة البريطانية، فيما كشف عنه اجتماع رئيس الوزراء البريطانى بالسياسيين والعسكريين وإنذار قيادات البحر الأبيض وهيئة أركان الحرب بتقدير القوات المطلوبة لإعادة احتلال منطقة القناة كان هذا التصور دالاًّ على أن تقدير القيادة المصرية لهذه المرحلة الأولى كان صائبًا من حيث حجم وهدف وتوقيت العمل العسكرى البريطانى. إلاًّ أنه فى نهاية يوليو قررت القيادة البريطانية ضرورة تأجيل العمل العسكرى، لعدم تحبيذ الهجوم الجوى والإبرار الجوى دون ترتيب القوات اللازمة للحاق بها والالتحام معها. وبدا أن إعادة تقييم البريطانيين للموقف، قد أخذت فى الاعتبار حجم وأوضاع القوات المصرية المسلحة فى نهاية يوليو 1956. وعلى هذا تقرر استكمال الاستعدادات البريطانية خلال 6 أسابيع، مع ترتيب مشاركة جوهرية لقوات فرنسية، للقيام بهجوم مدبر بقوة اقتحام يوم 15 سبتمبر. وفى مواجهة ذلك، بدأت منذ 3 أغسطس المرحلة الثانية من التخطيط الأنجلو الفرنسى، وقام الجنرال ستوكويل بتشكيل قيادة مشتركة، وفى 8 أغسطس قدم القائد البريطانى تقديره الإستراتيجى وخطته للهجوم، واختار البدء باحتلال الإسكندرية بدلاً من بورسعيد، على أن يتم التقدم منها شرقا إلى منطقة القناة فى مرحلة تالية، وسميت الخطة «موسكتير». ووافق عليها رئيسا الأركان البريطانى والفرنسى فى 10 أغسطس، ووافق عليها رئيس الوزراء البريطانى. وفى ضوء هذا التطور، أعادت القيادة المصرية تقييم الموقف العسكرى، وكان التقدير أن التهديد صار يفوق تقدير 26 يوليو، ومن ثم صار محتما إعادة توزيع قواتنا على المحاور الاستراتيجية الجديدة للهجوم الأنجلو فرنسى، باعتباره التحدى الرئيسى لأمن وسلامة البلاد. وعلى ذلك تقرر سحب القوة المدرعة الموجودة فى شمال شرق سيناء، لتكوين قوة ضاربة فى الاحتياطى بمنطقة القاهرة، مع تنظيم الدفاع عن كل من بورسعيد والإسكندرية. ومع تعديل التوزيع الاستراتيجى لقواتنا، بدأت فترة تدريب شاق للتصدى لعملية الإنزال البحرى المزمعة غرب الإسكندرية للاستيلاء عليها ثم التقدم عبر الصحراء إلى القاهرة. هذا، ومنذ 15 سبتمبر، بدأت المرحلة الثالثة التى استقرت فيها الأوضاع النهائية لجبهة القتال حتى 29 أكتوبر. كانت هيئة أركان الحرب البريطانية، مدركة منذ قرار التأميم فيما أبدى حافظ إسماعيل لأهمية المزايا العسكرية للتعاون مع إسرائيل، وهو ما حبذته فرنسا، واكتمل الاتفاق الثلاثى بين تحالف العدوان على العمل المشترك، فى الأيام العشرة الأولى لشهر أغسطس. ومنذ أوائل سبتمبر، صار رئيس الوزراء البريطانى على استعداد فى إطار المخطط الذى اتفقوا عليه لاستغلال فكرة هجوم إسرائيلى كمبرر للتدخل الأنجلو فرنسى، ولم يبق إلاَّ أسلوب الربط بين الضربتين: تقوم إسرائيل بإحداهما من الشرق، وتقوم القوات الأنجلو فرنسية بالضربة الثانية من الشمال ليتلاقى الهجوم فى منطقة قناة السويس. وفى 11 سبتمبر تقرر فى اجتماع لندن تعديل خطة «موسكتير» على ضوء دور القوات الإسرائيلية، ليصير الهدف الأنجلو فرنسى بورسعيد ومنطقة القناة، فى ضربة مباشرة مركزة لاستعادة السيطرة على قناة السويس. ومنذ أوائل سبتمبر كنا أيضا فيما يبدى حافظ إسماعيل نراجع الموقف شرق البحر الأبيض، وبرز فى هذه المراجعة احتمال للتدخل الإسرائيلى عسكريا بالتنسيق مع القوات الأنجلو فرنسية، وتم فى لقاء لحافظ إسماعيل مع وفد سورى، استبعاد احتمال تصور سوريا أن تتجه إسرائيل بضربتها إلى سوريا والأردن، ورجح حافظ أن اتجاه الهجوم الإسرائيلى سيكون جنوبا إلى سيناء. وفى اجتماع برئاسة المشير عامر، فى أوائل سبتمبر، حضره حافظ، استقرت الرؤية فى ترتيب خطتنا الدفاعية، على أن القوات الإسرائيلية سوف تستخدم فى عمل عسكرى يستهدف استدراج قواتنا إلى شرق القناة، لإفساح المجال للضربة الرئيسية الأنجلو فرنسية على منطقة القناة بهدف تدمير القوات المصرية. ويضيف حافظ إسماعيل: «وفى 16 سبتمبر، أصدرت بأمر القائد العام للقوات المسلحة توجيها إلى هيئات أركان الحرب الثلاث، متضمنا التقييم الجديد للموقف العسكرى فى شرق البحر الأبيض، والأسس العامة لتخطيط التصدى لهذا الموقف». إسرائيل تفتتح المعركة فى الأسبوع الأخير من أكتوبر، كان المشير عامر على رأس وفد عسكرى لكل من الأردن وسوريا، حيث وقع «اتفاق مشترك».. ويروى حافظ إسماعيل أن المشير أفضى إليهم خلال أحاديثهم أن مشكلة قناة السويس فى طريقها إلى تسوية سياسية، وأن احتمالات الحرب قد تراجعت، ففى ذلك الوقت كان الدكتور محمود فوزى على موعد لحضور اجتماع يُعقد يوم 29 أكتوبر فى جنيف، لاستئناف المباحثات التى توقفت فى نيويورك، ومع ذلك فيما يضيف حافظ فإن الأمر لم يكن مفاجئا لنا عندما قامت إسرائيل مساء يوم 29 أكتوبر بإسقاط قوة من رجال المظلات عند المدخل الشرقى لممر متلا (فى سيناء)، مفتتحة بذلك معركة سيناء السويس، ومن ثم لم تكن هذه العملية مفاجأة كاملة، وجاء رد الفعل المصرى سريعًا، فلا كان حماس الشعب قد فتر، ولا كانت قياداتنا وقواتنا قد استجابت للاسترخاء! (يتبع)