بداية؛ هذا مقال علمى موضوعى عن العنصرية وليس عنصريا بذاته، كما أنه لا يوجه اتهاما أو استعداءً لبلد ما، بقدر ما يقدم إطارا ومضمونا لتقييم واقع معين عبر الزمن، فلفهم حوادث الحاضر حتما نعرف معطيات الماضى، «العنصرية اعتقاد يسود بتميز وتفوق أعراق على أخرى، بصورة تستلزم معاملة مختلفة بناءً على لون البشرة أو الأصل العرقى أو الثقافة. تترجم العنصرية بسلوكيات وأفعال عمدية أو غير متعمدة، كالإهانة، أو التمييز، أو الاعتداء اللفظي، أو الجسدي، أو الاحتكار، أو التمييز فى الوظيفة، أو الإسكان، أو الرعاية الصحية، أو التعليم، وغيرها من مجالات الحياة».
من أشكال العنصرية؛ العنصرية الثقافية المقيـّمة للأفراد بناءً على عوامل ثقافية معينة، كاللغة والدين والعادات والتقاليد، فيتم تمييزهم واستخدام صفاتهم الثقافية كأساس للحكم على قدراتهم ومهاراتهم وقيمهم الإنسانية. أما العنصرية الفنية أو استخدام الفن للترويج للعنصرية، فيتم باستخدام الفن كوسيلة للترويج للرؤى العنصرية والتمييز ضد بعض الأقليات الثقافية مجتمعيا. عند توفر هذا الاعتقاد لدى صناع القرار فى بلد ما ويشاع بالدوائر المحيطة بهم يتحول الاعتقاد لعقيدة، فتتغلغل بأشكالها وسلوكياتها فى الفكر والسياسة والفن والثقافة والسلوك العام، بل والوعى الجمعى للشعب. تاريخ الإنسانية القديم والحديث مثقل ببلاد العنصرية، ولعل أشهرها ألمانيا النازية وعقدة تفوق الجنس الآري، ولكن العقلية الألمانية العملية والناضجة والمتطورة تجاوزت هذه العقدة، لتثبت التفوق الألمانى بدون عنصرية وتعايش متوازن مع الجاليات التركية والعربية والمسلمة فى ألمانيا.
الأمر مختلف تماما مع العنصرية الفرنسية! ولمحاولة فهمها يمكن رصد النموذج المصرى والجزائرى مع أنماط العنصرية الفرنسية من خلال حذاء شامبليون ورصاصة نائل المرزوقي! فرغم أن مصر ولع فرنسى لا يختلف عليه لأسباب عديدة، أهمها كشف وإدارة وتجارة آثار الحضارة المصرية القديمة، إلا أن هذا الولع وليد العنصرية الثقافية والعلمية، برمزية العالم شامبليون مستكمل اكتشاف الهيروغليفية كمؤسس لعلم المصريات وحجر تربع فرنسا على آثار مصر للآن، والعنصرية الفنية برمزية النحات أوجست بارتولدى صانع تمثال شامبليون يدعس رأس الملك رمسيس الثاني! ومع اعتبار وجهات النظر الفرنسية لحرية الإبداع ومعنى التمثال أو نية النحات أو اختلاف معنى الحذاء فى الثقافة الفرنسية أو اتهام المصريين بالتحسس والاضطهاد غير المبرر، إلا أنه علميا وموضوعيا وفنيا وقانونيا، هناك ضوابط وقواعد عالمية لمفهوم وأشكال وأنواع العنصرية الثقافية والفنية، وكلها تنطبق على فنان الحذاء الشامبليونى الشهير والعنيد، المرسخ لمعانى فرنسا فى خلود الهيمنة الثقافية والتميز المعرففى، بربطهما بين شامبليون والحضارة المصرية القديمة بالكامل وللأبد لغرض بنفس يعقوب! العنصرية الثقافية والفنية الفرنسية لم تنحصر بتمثال شامبليون فقط! فرصيد فرنسا متخم بداية من فنانى القرن 19 جان إنجر، جوزيف بيندا، جوستاف كوربيت، أو حتى المعاصرين مثل ريتشارد اورليناس، ثيو فان ريسبورغ، بيير لافيت وغيرهم.
أما عنصرية البندقية الفرنسية الموجهة للجزائر، فقديمة منذ «مذبحة سطيف» 1945، ومذابح حرب الاستقلال 1954 – 1962، سواء بيد الجنرال جاك ماسو أو الكولونيل بيجار وغيرهم من عتاة العنصرية الرصاصية، الممتدة للقرن 21 فى يونيو 2023 برصاصة الشرطى الفرنسى فى رأس القاصر الجزائرى نائل المرزوقي، فى غير حالات استعمال الرصاص الحى طبقا للقانون الفرنسي! وهو ما أشعل بفرنسا اضطرابات دموية وحرق منشآت وسرقات واعتقالات إلخ.
«حذاء ورصاصة» رمزين لعنصرية متأصلة لم تنته فى التاريخ الفرنسي، بداية من نابليون، والجنرال فيشي، وجان مارى لوبين، وتميزهم ضد السود واليهود والجزائريين فى عنصرية رصاصية، وحتى عنصرية جريدة شارلى إبيدو والكاريكاتور المسيء للمسلمين والعرب والأفارقة! فمع دراسة أجرتها وزارة الداخلية الفرنسية 2019، هناك نمط من التمييز والعنصرية ضد الأقليات العرقية والدينية، لتظهر أن %10 من الفرنسيين يعتبرون أنه مقبول التعبير عن العنصرية، وأن %25 منهم يرون الأشخاص المرتدين الحجاب يمثلون تهديدًا للثقافة الفرنسية. (فى 2021 أصدر فريق عمل الأمم المتحدة المعنى بقضايا العنصرية تقريراً حول العنصرية والتمييز بفرنسا، سجل وجود تحديات كبيرة بمجال مكافحة العنصرية الفرنسية).
وإذا كان رد فعل (الشارع) فى فرنسا ضد رصاصة نائل، صدى لميراث ثقيل من عنصريتها المتنوعة والمستمرة بمستعمراتها والمعاصرة فى الوظائف، والإسكان، والتعليم، والصحة، والهجرة، واللاجئين، والعنف الشُرطى والخطاب السياسى للحزب الجمهورى والجبهة الوطنية وزخم السياسيين المشهورين بآرائهم العنصرية والإسلاموفوبيا والمهاجرين، فإن رد الفعل المصرى ضد عنصرية الحذاء الشامبليونى مختلف ويختلف! فهدوء وتعمية وتعتيم الشارع والمكتب المصرى على وجيعة تمثال شامبليون، قد يكون لخروجه من أولويات مصر حاليا المركزة على الأزمة الاقتصادية والتنمية والأمن الداخلى وموقعها من التغيرات العالمية، أو تجنب تصعيد التوتر الرسمى بعلاقة البلدين، وقد يكون للبارتولديين بمصر وفرنسا دور، فى قمع أو تقزيم محاولات جادة لتحويل إحساس شعبى بامتهان الكرامة المصرية، لقضية وطنية ضد عنصرية ثقافية وفنية محسومة ومسؤولية فنية تقصيرية ثابتة على أوجست بارتولدي، أو أن مصر تترك القضية للمجتمع المدنى والمثقفين بدلا من المواجهة الرسمية!
المشكلة أن مصر لا ترى حذاء شامبليون ثقافيا ومعرفيا كرصاصة نائل المرزوقي، مع أن الاثنين يستقران فى الرأس ويوديان بالحياة! أحدهما سيوارى الثرى والآخر مفضوح لحظيا أمام الجمهور؟ الحذاء على رأس رمسيس الثاني، رصاصة فى الكرامة المصرية والاثنان مكتوب عليهما الحياة أمام أعين العالم! لم تعرف مصر التعدى أو العنصرية يوما ما ولم تتصف بهما، وتشهد اتفاقية كامب ديفيد وحكم طابا ومحاولات حل أزمة سد النهضة بعقلانية وموضوعية مصر فى إدارة ملفاتها، ولا شك أن الرصاصة المصرية فى قلب العنصرية الثقافية والفنية لأوجست بارتولدى ومسؤوليته الفنية التقصيرية، لها جيشها من مثقفى مصر ومجتمعها المدنى القادر على نحت دربه، بين البيروقراطية والبارتولديين والمنتفعين ومحترفى تخدير الوعى الجمعى المصري! ففرنسا الحقيقية ليست أوجست بارتولدى ولا شارل إبيدو، ولا اليمين المتطرف ولا العنصرية المتفشية! فرنسا ثورة الحرية والإخاء والمساواة، كنز الثقافة والقانون والفن والأدب، ولا شك لحظة بعدالة القضاء الفرنسى ليحكم على إساءة وعنصرية وانتقام بارتولدى وليس عظمة شامبليون! فالعنصرية الثقافية والفنية موضوعية، ولا توجد سياسة أو شخصنة فى القضية! وأكرم لمصر أن تكافح لرفع حذاء شامبليون عن رأسها ورصاصته من كرامتها، من أن تعتبر هذا التمثال مُعبرا عن الروابط المصرية الفرنسية! وهذا دور المجتمع المدنى المصرى.
محمد بكري
محامى وكاتب مصرى
[email protected]