رجائى عطية :
كشف حافظ إسماعيل، فى مقاله 13/5/1983 بالمصور، أنه فى زيارته لموسكو أطلع بريجنيف وجروميكو على مضمون التحرك المصرى فى اتجاه الولايات المتحدة، ووعدهما بإحاطتها بنتائج اتصالاته. وأضاف أنه فى 18 فبراير 1973، بعث الرفيق بريجنيف برسالة إلى الرئيس الأمريكى نيكسون حول نتائج اجتماعات حافظ إسماعيل به وبالقيادات السوفييتية فى موسكو، وقال بريجنيف فى هذه الرسالة إنه من الممكن «أن تكون هناك تسوية فى مراحل ضمن إطار خطة شاملة» وأنه لا يمكن أن تكون هناك تسوية مستقلة مصرية إسرائيلية.. ثم أضاف بريجنيف وأخيرا «إن لدينا الانطباع من محادثاتنا مع حافظ إسماعيل أنه إذا لم يتحقق تقدم نحو تسوية سياسية لهذه المشكلة الحيوية، فإن العرب يمكن أن يتجهوا إلى استخدام الوسائل الممكنة الأخرى لحلها».
وكشف حافظ إسماعيل أيضا، أن إدوارد هيث رئيس الورزاء البريطانى، كان على علم بمضمون المحادثات المصرية الأمريكية منذ زيارته- زيارة حافظ- إلى لندن فى فبراير 1973، وأنه عندما توجه إلى باريس فى مايو 1973، استقبله الرئيس بومبيدو ليستأذنه- حسب الأعراف الدبلوماسية- فى الالتقاء بالدكتور كيسنجر خارج باريس على الأراضى الفرنسية، وأنه- أى حافظ- أبلغ وزير الخارجية الفرنسية جوبير بنتائج اجتماعه وهنرى كيسنجر، كما كان الملك فيصل على علم بالاجتماعات وما يدور فيها.. وهكذا، فإن السرية التى أحاطت بمقابلات حافظ / كيسنجر- هى السرية «العادية» التى تحاط بها أى مفاوضات ذات طابع خاص بين الدول.
ويتساءل حافظ إسماعيل، ويتساءل معه كل عاقل، كيف يمكن أن تكون حرب أكتوبر 1973 حربا ملفقة ؟!
إن أكثر التقديرات تحفظًا لحجم القوات التى اشتركت فى العمليات الحربية، تورى بأنه قد اشترك فيها ثلاثة أرباع مليون جندى، و6500 دبابة، و1500 طائرة على الجبهتين المصرية والسورية، خلال العمليات التى استمرت 23 يوما.
وكان تقدير أحد القادة المصريين الكبار، للقوات المصرية المشاركة فى هذه الحرب، أنها كانت مشكلة من 400 ألف جندى، وأن الدبابات المشاركة فى منطقة القناة فقط، بلغت 1350 دبابة، وأن الخسائر المصرية من الدبابات بلغت 490 بين 6، 24 أكتوبر، بينما بلغت خسائر إسرائيل من الدبابات 560 دبابة خلال ذات الفترة.
أما التقديرات الغربية لخسائر الحرب فى الأفراد على كل الجبهات، فقد بلغت 11000 قتيل و26000 جريح.
هذه الحرب الضارية، تستطيع أن تلمحها فى وصف كيسنجر- فى مذكراته- للزيارة التى قام بها إلى إسرائيل وهو فى طريقه من موسكو إلى واشنطن بعد الاتفاق الروسى الأمريكى حول وقف إطلاق النيران.. تقول عبارات هنرى كيسنجر: «كان الجنود والمدنيون يحبون السلام القادم باعتباره نعمة عظمى، لقد كانت إسرائيل تفاخر ببطولتها ولكن قدرة تحملها كانت تقترب من نقطة الانهيار !»
بل إن العالم كله، على مستوى آخر، كان يقترب بسرعة- فى تلك الحرب- من حافة الحرب، تحديدًا خلال يومى 24 و25 أكتوبر.. عندما بلغت المعركة ذروتها وقرر زعماء الكرملين التدخل لوقف القتال تنفيذًا لقرار مجلس الأمن رقم 338 ثم 339، والذى انتهكته إسرائيل للمرة الثانية!
كان السوفييت قد أوقفوا الجسر الجوى بين موسكو وكل من دمشق والقاهرة.. وقدر الأمريكيون وقتها أن الكرملين يستعد للقيام بنقل قوات محمولة جوًّا إلى الشرق الأوسط، وكانت المعلومات المتوفرة لدى المخابرات المركزية تنبئ بوجود سبع فرق «قرابة مائة ألف جندى» فى حالة التأهب، علاوة على وضع قوات ألمانية فى حالة الاستعداد، للتحرك إلى شرق البحر الأبيض. وفى نفس الوقت ارتفع عدد السفن السوفييتية فى منطقة العمليات إلى 85 سفينة منذ صباح 25 أكتوبر، تبعتها 12 سفينة أخرى تحركت فى طريقها إلى الإسكندرية.
ومع هذه الاستعدادات العسكرية الضخمة والمتقابلة، بعث الرفيق بريجنيف إلى الرئيس الأمريكى، استجابة لنداء الرئيس السادات، للعمل المشترك لوقف القتال، أو العمل على انفراد إن لم تقبل الولايات المتحدة التحرك عسكريا.
يومها قررت الولايات المتحدة رفض المبادرة السوفييتية، وقامت من جانبها بإجراء سلسلة من التحركات العسكرية، فأنذرت الفرقة 82 المحمولة جوًّا بالاستعداد للسفر إلى الشرق الأوسط، كما أمرت ثلاث حاملات طائرات بالتحرك إلى شرق البحر الأبيض، بينما رفعت درجة استعداد جميع القيادات العسكرية إلى «الدرجة الثالثة»، ونقلت وحدات قاذفات القنابل «ب 52» من قاعدة جوام بالمحيط الهادى لتكون على استعداد بالولايات المتحدة.
فكيف يمكن، وقد اقتربت القوى العظمى من حافة حرب عالمية، أن تكون حرب أكتوبر 1973 حربا ملفقة أو وهمية ؟!!
لقد واجهت القيادة المصرية السياسية انتقادات مريرة، لكونها لم تستجب إلى مقترحات وقف إطلاق النار التى تقدمت بها آنذاك بريطانيا نيابة عن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى.
والواقع أن مصر- فيما يبدى حافظ إسماعيل- لم تكن على استعداد خلال العشرة أيام الأولى للحرب- لمناقشة فكرة وقف إطلاق النار لسببين:
الأول: رفض الولايات المتحدة المستمر، الربط بين وقف إطلاق النيران وإطار تسوية سياسية للنزاع.. لأن هذا الرفض الأمريكى يعنى أن نعود إلى نقطة الصفر، أى إلى حالة اللاسلم واللاحرب التى نحاول تحطيمها !
الثانى: حتى لا تستغل إسرائيل وقف إطلاق النيران كيما تلتقط أنفسها وتتجاوز أزمة المفاجأة لتعاود العمليات العسكرية بعد تصحيح أوضاعها.. وهو هو ما فعلته إبان معركة 1948 !
وقد تضمن خطاب الرئيس السادات فى 16 أكتوبر، عناصر الموقف المصرى:
● الاستعداد لوقف إطلاق النار يكون مقرونًا بانسحاب قوات إسرائيل من جميع الأراضى المحتلة فورًا. وتحت إشراف الأمم المتحدة، وذلك إلى خطوط ما قبل 5 يونيو 1967.
● عقد مؤتمر دولى للسلام فى الأمم المتحدة فور تمام الانسحاب.
● الاستعداد فورًا لبدء تطهير قناة السويس لفتحها أمام الملاحة العالمية.
فما كانت تريده مصر، هو الوضوح فى النهايات، وفى الوسائل.. فقد كان هدفنا تحرير أراضينا وإيجاد سبيل لاستعادة واحترام الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى.. فى إطار التزامنا بقرارات الأمم المتحدة.
فلو كانت معركة أكتوبر 1973 مختلقة، فأى منطق إذن كان يملى الاستمرار فى القتال ؟!
ثم.. هل كان خفض إنتاج البترول، وفرض حظر بترولى على الولايات المتحدة وهولندا، وتقرير تعديل أسعاره بصورة جدية.. هل كان ذلك بدوره فى إطار الاختلاق؟
وفى 16 أكتوبر قررت دول الأوبيك تعديلا جذريا فى أسعار البترول، ورفعت 6 دول خليجية السعر بنسبة %70.
- وفى 17 أكتوبر قررت الدول العربية الأعضاء فى الأوبيك تخفيض انتاجها بنسبة %5، وأن يستمر الخفض بهذه النسبة شهريا حتى تنسحب إسرائيل من جميع الأراضى المحتلة.
- وفى 18 أكتوبر قررت السعودية مضاعفة نسبة الخفض من إنتاجها إلى %10 حتى تتحقق شروط مرضية.
وفور إعلان الولايات المتحدة دعم إسرائيل ب 2200 مليون دولار، قررت الرياض حظر صادراتها من البترول إلى الولايات المتحدة وهولندا.
وبذلك بدأت اكثر مراحل الانكماش فى الدول الصناعية الكبرى مقترنة بأعلى نسبة بطالة، وليرتفع عدد العاطلين بها إلى 35 مليون عامل.
فهل كان هذا كله فى إطار «معركة مختلقة»؟ !!!
( يتبع )
من أرشيف الذكريات ( 117 )
رجائى عطية : كشف حافظ إسماعيل، فى مقاله 13/5/1983 بالمصور، أنه فى زيارته لموسكو أطلع بريجنيف وجروميكو على مضمون التحرك المصرى فى اتجاه الولايات المتحدة، ووعدهما بإحاطتها بنتائج اتصالاته. وأض