انقلابات دبلوماسية

شريف عطية : تمنعت السعودية طويلاً، ولأسباب متعددة، عن التجاوب مع خطوات إيران خطب ودّها، فيما تسعى طهران لتمرير اتفاقها المرتقب مع المجموعة الدولية 1+5 بشأن ملفها النووى.. الذى لا...

شريف عطية :

تمنعت السعودية طويلاً، ولأسباب متعددة، عن التجاوب مع خطوات إيران خطب ودّها، فيما تسعى طهران لتمرير اتفاقها المرتقب مع المجموعة الدولية 1+5 بشأن ملفها النووى.. الذى لا يتيح لها فحسب الإفلات من سيف العقوبات الدولية، إنما أيضاً فى سبيل التقارب مع الولايات المتحدة للسماح لها بدور إقليمى متميز، تلهث حثيثاً لاستعادته.. على غرار ما كانت عليه مكانتها قبل ثمانينيات القرن الماضى، ذلك باتباعها وسائل شتى، عسكرية وسياسية، للزحف خارج حدودها الوطنية، ما أدى إلى تكريس الجفاء المتبادل لتصادم المصالح بين العاصمتين الإسلاميتين الكبيرتين، سواء فى جزيرة العرب أو شرق البحر المتوسط، ما ذهب بالخلاف بينهما- أو كاد- إلى آخر الطريق، وليثبت بالدليل القاطع يوماً بعد يوم عدم جدواه، إذ يؤدى إلى استنزاف منظومتيهما لحساب حلفاء أو خصوم لهما فى داخل الإقليم أو خارجه، بسيان.

إلى ذلك، وربما بسببه، تشهد علاقات البلدين فى الساعات الأخيرة ما يمكن اعتباره إرهاصات إنقلاب جيوبوليتيكى، من أبرز مظاهره.. دعوة وزير الخارجية السعودى 5/13 نظيره الإيرانى لزيارة الرياض «للبحث فى العلاقات الثنائية.. وللتفاوض مجدداً حول عدد من القضايا الإقليمية المشتركة»، معرباً «عن الأمل بأن تساهم إيران فى استقرار المنطقة، ولا تكون جزءًا من المشكلة»، الأمر الذى أكد عليه من جانب آخر ولى العهد السعودي.. حين حذر فى اليوم التالى 5/14 من مغبة «التردد فى التعامل مع الأزمات الإقليمية.. ما من شأنه أن يزيد من معاناة الشعوب وإلى تدمير الدول».

على صعيد مواز، من المتوقع أن تمهد زيارة وزير الخارجية الإيرانى للرياض.. لزيارة أخرى يقوم بها الرئيس الإيرانى الجديد للسعودية (مقررة فى السابق من حيث المبدأ)، كما أن من اللافت تزامن الدعوة السعودية التى تمثل تحولاً إقليمياً ذا مغزى مع اقتراب الساعات الأخيرة لمحادثات «فيينا» الجارية الآن حول الملف النووى الإيراني.. التى حققت- رغم تعثرها لا تزال- تقدماً لجهة توقيع الاتفاق بين الجانبين، لولا سجالهما القائم بشأن فرض قيود من عدمه على البرنامج «الصاروخى» لإيران، كما يتزامن التقارب السعودى- الإيرانى- المرجح- مع اجتماع «أصدقاء سوريا» فى لندن 5/14، فى محاولة متعثرة حتى الآن لردم الفجوة بين مقاربتين دولية وإقليمية بشأن تسوية الأزمة السورية، ما قد يفضى من عدمه إلى استئناف مفاوضات «جينيف» بشأنها، والتى يمكن للسعودية وإيران الانضمام إليها بناءً على المستجدات المستحدثة بينهما، وحيث من غير المستبعد عندئذ العودة إلى «صيغة جينيف» نهاية يونيو 2011.. التى تقضى إجمالاً فى التوصل إلى عملية انتقال حكومية فى سوريا لا يشارك فيها «الأسد».. الذى تتواتر بعض الأنباء عن احتمال تأجيل الانتخابات الرئاسية المشارك بها والمقررة مطلع يونيو القادم، الأمر الذى يتوقف على الموافقة المسبقة من قبل إيران وروسيا (حول تشكيل هيئة الحكم الانتقالى- وتأجيل الانتخابات الرئاسية) ما يمهد للتفاوض.. كسبيل وحيد لإنهاء الصراع وتخفيف حدة الأزمة الإنسانية فى سوريا.

وفى حال قُدّر للمشهد المأساوى السورى أن يتجه للتسوية وفقاً لذلك السيناريو- لاحقاً- فسوف يؤدى التوافق الإقليمى بالنسبة للحالة السورية إلى نجاح مواز فى كل من الحالتين اللبنانية والعراقية، اللتين لا يجوز أن تبقيا إلى جانب سوريا (وغيرها) لصيقتين بيد إيران أو تركيا.. وبمباركة أميركية أو روسية، ذلك فيما تمضى الجامعة العربية إلى «تبنى عملية سياسية شاملة لتشكيل تكتلات دولية ضمن مراجعات للدول العربية حول قواعد العمل العربى المشترك.. بتصور واقعى وفعال ضمن استراتيجية محددة».. ربما تؤدى من خلال ما قد يحدث من «انقلابات دبلوماسية» إلى تغير وجه المنطقة ومستقبلها.