رجائى عطية :
أطل المسلمون على مشارف المدينة، وقد غمرتهم المسرة بعودتهم سالمين إلى الديار حيث تركوا الأهل والصغار، وعند « ثنية الوداع » سبقت الرسل إلى المدينة بوصول الرحمة المهداة والأحباب، فسارع الجميع إلى مشارف المدينة لاستقبال العائدين بالأفراح، وجعلت النساء والصبية ينشدون ما أنشده الأنصار يوم وصول الرسول ﷺ مهاجرًا من مكة إلى المدينة..
طلع البدر علينــا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينـا ما دعـا لله داع
كان المسجد النبوى، أول ما اتجه إليه الرسول ﷺ والمسلمون، فصلوا ركعتين شكرًا لله كما اعتادوا، ثم جلس عليه الصلاة والسلام وإليه أصحابه، وبدأ يتوافد المتخلفون الذين تخلفوا عن الخروج إلى تبوك.. كان عددهم قريبًا من الثمانين، فجعلوا يعتذرون ويحلفون على صدق أعذارهم، والنبى ﷺ يسمع إليهم فى صبر، ولا يكذبهم بل يقبل منهم علانيتهم ومبايعتهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله.
وفى طريقه من المسجد إلى بيته، مَرَّ النبى ﷺ بنفرٍ من المسلمين مقيدين بسوارى المسجد، فسأل عنهم، فقيل له : « هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا، وقد اعترفوا بذنوبهم، وقيدوا أنفسهم وعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تطلقهم أنت يا رسول الله » قال عليه الصلاة والسلام : « لا أطلقهم حتى أُومر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذى يعذرهم، وقد تخلفوا عنى ورغبوا بأنفسهم عن غزو المسلمين وجهادهم ! »
وأبولبابة الذى قيد نفسه وحذا حذوه آخرون بسوارى المسجد، هو الصحابى الأنصارى بشير بن عبد المنذر الملقب بأبى لبابة الأنصارى الأوسى، هو صحابى حَسَن الإسلام، صادق البلاء، ولم يسبق له أن تخلف عن الجهاد، وكان التخلف عن تبوك هو أول وآخر ما صدر عنه من تقصير لم يسامح نفسه عليه، فقيد نفسه وآخرون بسارية المسجد.
وكان من المتخلفين ثلاثة آخرون، هم كعب بن مالك الأنصارى السلمى شاعر الإسلام، أسلم قديمًا وشهد العقبة، ومرارة بن الربيع الأنصارى العمرى، من بنى عمرو بن عوف، وهلال بن مرة أخو بنى واقف.. قعدت بهؤلاء الثلاثة هممهم كما قعدت بأبى لبابة وأبى خثيمة الذى تدارك تقصيره وانطلق ليلحق برسول الله ﷺ وبالمسلمين بطريق تبوك. أما كعب ومرارة وهلال، فقد استشعروا الندم وأحسوا بتقصيرهم وهموا باللحاق بالنبى عليه الصلاة والسلام، ولكن صرفهم الخجل والتردد، فمكثوا بالمدينة يتجرعون أحزانهم على ما فرط منهم !
ويوم عاد الرسول ﷺ والمسلمون من تبوك، جاء كعب بن مالك إلى المسجد معتذرًا يتعثر فى مشيته، فلما عاتبه عليه الصلاة والسلام على تخلفه بعد أن كان قد ابتاع ظهرًا ليخرج به، اعترف بأنه لا عذر لديه، وأدان نفسه عن تخلفه، فقال عليه الصلاة والسلام : « أما هذا فقد صدق ؛ فقم حتى يقضى الله فيك. ».. وجاء مرارة بن الربيع وهلال بن مرة فتحدثا بمثل ما تحدث به كعب بن مالك، فتركهما عليه الصلاة والسلام لقضاء الله وقدره كما ترك كعب بن مالك، فانقطع مرارة وهلال فى بيتهما حزانى يبكيان انتظارًا لقضاء الله فيهم، أما كعب بن مالك فقد كان شابًا يخرج إلى الأسواق، ويضطرب فيما يضطرب فيه الناس، ويشهد الصلاة، ولكن أضناه أن أحدًا من المسلمين لا يكلمه، وأنه لا يكاد يعرف هل صفح عنه الرسول ﷺ أم لم يصفح، وضاقت الدنيا فى وجهه.
ويقول الرواة، والتفاسير وكتب أسباب النزول، أن أبا لبابة الأنصارى، كان والذين قيدوا أنفسهم بسوارى المسجد أول من تنزل العفو الإلهى عنهم، ففى هدأة الليل بإحدى الليالى، والرسول ﷺ خال إلى نفسه يتهجد ويتعبد إلى ربه ويناجيه، تنزل عليه الروح الأمين، فلقنه من آيات ربه :
« وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ * وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » ( التوبة 101 106 )
ويقول الرواة إن أم سلمة، زوج النبى، لاحظته مبتسمًا بعد أن ارتفع عنه الوحى، فسألته عما يضحكه، فقال لها : « تيب على أبى لبابة »، فسألته فرحةً أن تعلمه بذلك، وما إن تلقت الإشارة بالموافقة حتى بادرت بإرسال من يخبر أبا لبابة وصحبه أن الله تعالى قد تاب عليهم.
ويقول الرواة إن الأنصارى أبا لبابة إذ تلقى البشارة ومسارعة البعض لفك وثاقه ومن معه من المقيدين إلى سوارى المسجد، رفض فك قيده، وأبى إلاَّ أن يبقى موثقًا حتى يأتى رسول الله ﷺ فيكون هو الذى يطلقه، فقيل له إنهم فى جوف الليل، ولن يخرج النبى عليه إلاَّ لصلاة الصبح، فصمم أبو لبابة على أن يبقوا مقيدين حتى يأتى ﷺ فيكون هو الذى يطلقهم.
وفى باكورة الصباح، بعد صلاة الفجر، فك النبى ﷺ بنفسه وثاق الأنصارى أبى لبابة والموثقين معه بين تكبيرات المسلمين، ثم جلس عليه الصلاة والسلام إليهم فتلا عليهم ما تنزل عليه من سورة التوبة، فلما سأل البعض مَنْ المرجون لأمر الله، الذين تقول الآيات إن الله تعالى إمّا يعذبهم وإما يتوب عليهم، قال البعض لعلهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع لم يعقب عليه الصلاة والسلام على هؤلاء أو أولاء، ولكنه سأل أصحابه عنهم ..
( يتبع )
الأنصار العطاء والإيثـار (113)
رجائى عطية : أطل المسلمون على مشارف المدينة، وقد غمرتهم المسرة بعودتهم سالمين إلى الديار حيث تركوا الأهل والصغار، وعند « ثنية الوداع » سبقت الرسل إلى المدينة بوصول الرحمة...