يعتبر التشريع – بمفهومه الواسع الشامل - من أهم أدوات السلطة التنفيذية لوضع سياساتها وخططها قيد التنفيذ، إذ تحتاج خطط الإصلاح أو الازدهار الاقتصادى لبيئة تشريعة متقدمة ومتطورة تواكب متطلبات واحتياجات الاستثمار.
ونالت صناعة التشريع قسطها من التطور، وتأثرت بمظاهر العولمة، وأصبح لزاما على صناع التشريع الاطلاع على التجارب الدولية، والاستفادة منها، والتلاؤم معها فى كثير من الأحيان.
بل وأصدرت مؤسسات ومنظمات دولية وإقليمية قواعد استرشادية لصناع التشريع، وبينت أفضل الممارسات الدولية فى ذلك، ومن تلك المؤسسات والمنظمات من ينادى ويعمل على توحيد التشريعات فى مجالات محددة فيما بين الدول، أو على أقل تقدير التنسيق فيما بينهم.
وتعد دراسات تقييم أو قياس الأثر التشريعى من أهم مظاهر التطور فى صناعة التشريع، إذ تعمل على تزويد صانعى التشريع بمعلومات جوهرية عن آثار ونتائج إصدار وتطبيق التشريع ومدى الحلول البديلة له، وتعمل على قياس تكلفة تطبيق التشريع، ومقارنتها بالفوائد المستهدفة منه، فضلا عن تبيان الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لتطبيق التشريع المزمع إصداره أو إنفاذه.
وتساعد هذه الدراسات صانعى التشريع أو السياسات أو متخذى القرار على الاختيار فيما بين إصدار التشريع وإنفاذه، أو تبنى حلول غير تشريعية، أو عدم جدوى كليهما واختيار عدم التدخل مؤقتا، إذ يمكن أن تنتهى دراسات قياس الأثر التشريعى إلى ارتفاع التكلفة الاقتصادية لتطبيق التشريع وإنفاذه، بما لا يتناسب مع الأهداف المرجوة منه والمستهدف تحقيقها.
وتعمل دراسات تقييم الأثر التشريعى على إيجاد حلول بديلة لتحقيق تلك الأهداف المحددة من صانعى السياسات أو متخذى القرار مع تجنب التكلفة الاقتصادية المرتفعة لإنفاذ التشريع المزمع إصداره، بما يمنح صانعى السياسات ومتخذى القرار المعلومات الكاملة لاتخاذ أفضل وأنسب القرارات لتحقيق الأهداف المرجوة بأقل تكلفة اقتصادية أو اجتماعية ناتجة عن إنفاذ التشريع.
تتبع دراسات تقييم الأثر التشريعى مناهج علمية متعارف عليها دوليا، وتستخدم أساليب متنوعة لتحقيق أهدافها، والوصول للنتائج المرجوة منها، لذا يلجأ إليها العديد من صناع التشريع والسياسات فى العديد من الدول لتساعدهم على اتخاذ القرار الأنسب لتحقيق وتنفيذ خططهم وسياساتهم، ووضعت لها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية قواعد استرشادية لإعدادها، وتحث الدول الأعضاء على تبنيها.
وقد اتجهت العديد من الدول لتعديلات تشريعية لتعديل إجراءات إصدار التشريع، والنص على إلزامية تقديم الحكومات لدراسة تقييم الأثر التشريعى رفق مشروع القانون المزمع إصداره، أو ضرورة إعدادها لتلك الدراسة عند إصدارها لأى أداة تشريعية أخرى.
ومع امتلاك الدولة المصرية لخبرات متراكمة وعميقة فى صناعة التشريع، واتباعها لأفضل المعايير الحاكمة لضمان جودة صناعة التشريع وملاءمته، إذ تتدخل دوما المحكمة الدستورية العليا لضبط تلك المعايير وضمان التوازن بين الحقوق وتطبيق النصوص والأحكام الدستورية.. اتجهت الجهات المنوط بها التشريع إلى الارتقاء بجودة المنتج التشريعي، والاستعانة بالخبرات الوطنية والدولية فى هذا المجال.
كما تبينت المستجدات والمنهجيات الدولية، ومنها ضرورة قياس أثر التشريع قبل إصداره أو إنفاذه، بما يجعل الحاجة لإنشاء وحدة متخصصة لإعداد دراسات قياس الأثر التشريعى ضرورة ملحة، وتزويد تلك الوحدة بالإمكانيات والمتخصصين، والنص على إلزامية عرض مشروعات التشريعات عليها لقياس أثر إصدارها أو إنفاذها، وتكون تلك الدراسات متاحة ومنشورة لصانعى التشريع ومتخذى القرار والباحثين والجهات الأخرى، وذلك للاستفادة بنتائجها، بما يكون له بالغ الأثر على البيئة التشريعية المتفق على أهميتها ومكانتها كجوهر عملية الإصلاح الشامل لتحقيق التنمية المرجوة.
* محامٍ ومحكم
دكتوراه فى القانون - جامعة مونبيليه - فرنسا
أستاذ زائر لجامعة السوربون – فرع القاهرة