حازم شريف:
حتي صباح يوم الأثنين الماضي لم أكن قد اطلعت بعد علي العدد الأخير من جريدة الغد الذي أثار ضجة كبيرة في الأوساط الدينية وفي بعض دوائر الصحافة الحكومية، وصلت إلي حد تقديم بلاغات إلي النائب العام والمجلس الأعلي للصحافة ونقابة الصحفيين، يتهم أصحابها الحزب والجريدة بالاساءة إلي السيدة عائشة أم المؤمنين وكبار الصحابة المبشرين بالجنة .
بصراحة لم اهتم كثيرا في بداية الأمر بالموضوع، ظنا مني إنه لا يعدو، أن يكون مجرد تجاوز أو زلة قلم أو لسان لأحد الزملاء الصحفيين، أوقعته في حبائل إحدي تهم الازدراء التي تتميز بها ترسانة التشريعات المقيدة لحرية النشر في وطننا الحبيب.
إلي أن ساقني حظي العاثر في صباح اليوم المذكور- الأثنين الماضي- إلي قراءة عمود الزميل كرم جبر في الصفحة الأخيرة بجريدة روزاليوسف اليومية القومية الحزبية!
فتحت عنوانا تحريضيا واضحا :"كارثة صحفية جديدة!"
كتب الزميل جبر متهما حزب الغد وصحيفته بممارسة العبث من خلال إصدار ملحق يتضمن موضوعات وعناوين تتسم بالسفالة مثل: "السيدة عائشة ظلت طوال عمرها تبكي عشرين ألف قتيل مسلم ماتوا بسببها في موقعة الجمل"، و"عمرو بن العاص اسم لا ينساه كل من عرف الطعم المر للفتنة التي بدأت بمقتل عثمان وانتهت بمقتل علي"، و"كل صحابة الرسول انغمسوا في الفتنة التي بدأت بمقتل عثمان وانتهت بمقتل الامام علي بن أبي طالب".
والحقيقة إنني لم أفاجئ بنعت الزميل كرم للحزب و الجريدة والموضوعات والعناوين وبالتالي السادة الزملاء الصحفيين بالسفالة، فهي صفة عهدنا به دائما أن يطلقها متطوعا علي كل من يعتبره من خصوم ومعارضي النظام حتي وإن لم يكن أحد في النظام نفسه يري ذلك.
إلا أن ما أدهشني حقا،أن ما ذكره من أمثلة لعناوين موضوعات شملها الملحق ، لا يبتعد كثيرا عن مسار الأحداث التاريخية في تلك الفترة العصيبة من عمر الدولة الاسلامية، هذا مع تسليمنا بعدم مراعاة الدقة قليلا فيما يتعلق ببعض هذه العناوين، بل وأستطيع أن أجزم بعد قراءتي للملحق بالكامل - بفضل عمود الزميل كرم - أن مضمون الموضوعات المنشورة لم يجاف كبد الحقيقة في شيء.
وعلي أن أؤكد أولا أنني لست بصدد الحديث في شئون الدين ،إنما في وقائع التاريخ ،وأمور السياسة.كما إنني لست - أنا أو غيري حتي ولو كان من رجال الدين - في موضع الحكم علي تقوي وصلاح أي إنسان، فما بالك بأمهات المؤمنين وكبار الصحابة.
فإذا اتفقنا علي ذلك، نمضي فنقول أن من الثابت تاريخيا أنه كانت هناك فتنة بدأت في السنوات الأخيرة لعهد ولاية عثمان بن عفان رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين، واستمرت حتي مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين، ليستقر أمر الحكم لمعاوية بن أبي سفيان أول خلفاء الدولة الأموية، بعد نحو 50 عاما من الهجرة.ولتنقسم الأمة من يومها إلي 4 فرق رئيسية السنة والشيعة و المعتزلة _وهم من اعتزلوا الفتنة - والخوارج وهم من رفضوا التحكيم بين علي ومعاوية إثر خدعة رفع المصاحف الشهيرة التي رفعها جند معاوية يإيعاز من الداهية عمرو بن العاص بعدأن أوشكوا علي تلقي الهزيمة من جيش علي في معركة صفين.
كما أنه من المعروف أيضا أن غالبية المسلمين ومنهم عدد من كبار الصحابة قد انقلبوا علي عثمان خلال فترة ولايته لعدة أسباب في مقدمتها تفضيله و إيثاره في العطاء _منح المال من بيت مال المسلمين _ والولاية-إمارة الأمصار- لأقاربه من بني أمية وآل أبي معيط علي سائر قريش والعرب والمسلمين.وكذلك عاب عليه كثيرون،تعامله مع الخلافة بمنطق الحق الالهي الذي لا يجوز لأحد من الرعية أوحتي جميعهم أن يجرده منه،فهو القائل:"لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أنزع سربالا سربلنيه الله عز وجل".وقد انعكس ذلك علي تعامله في بيت مال المسلمين من منظور أنه مال الله وليس مال المسلمين ،وبالتالي يحق له بموجب التفويض الالهي أن يتصرف فيه كما شاء ،حتي إنه قد خطب ذات مرة غاضبا بعد أن لامه بعض الناس علي ذلك قائلا:"لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف أقوام" فرد علي بن أبي طالب:"إذن تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه"،وقال عمار بن ياسر وهو واحد من كبار الصحابة:أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك "،فانفعل عثمان: أعلي يابن المتكأ تجترئ،خذوه،فأخذ،وضربه عثمان حتي أغشي عليه.
وقد تدرجت هذه المعارضة من النصح إلي الجدل إلي الاشتباك،ثم إلي الثورة علي الخليفة وولاته في الأمصار المختلفة،فرد أهل الكوفة واليه سعيد بن العاص،وطلبوا أن يولي عليهم أبو موسي الأشعري ،فاضطر عثمان أن يجيبهم إلي ذلك ،وسرعان ما خرجت وفود الثوار من مصروالبصرة والكوفة أيضا لتحتل المدينة،ونادوا بأن من لزم داره فهو آمن ومن كف عنا أذاه فهو آمن ،وليضرب الحصار بعدها علي دار عثمان،وينتهي الأمر بمقتله،رغم الدفاع البطولي عنه لعدد من بني أمية وأبناء كبار الصحابة من المهاجرين من بينهم عبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير والحسن والحسين ابنا علي ومحمد بن طلحة.
ومن الثابت تاريخيا أيضا أن علي قد قبل الامامة بعد إلحاح الثوار و عدد كبير من المهاجرين والأنصار، ،ونال مبايعة كافة الأمصار فيما عدا الشام التي كان أميرها معاوية بن أبي سفيان قد بسط سيطرته عليها، وأبي المبايعة مطالبا بالقصاص من قتلة عثمان،ورد الخلافة للشوري مابين المسلمين.
أما من رفض البيعة أو اضطر عليها ،فقد نزحوا إلي مكة ،ومنهم من قرر اعتزال الفتنة مثل عبدالله ابن عمر، كما فعل من قبل سعد بن أبي وقاص أحد المبشرين بالجنة الذي اعتزل الفتنة مبكرا وقال عبارته المشهورة:لاأقاتل حتي تأتوني بسيف يعقل ويبصر وينطق فيقول ،أصاب هذا وأخطأ ذاك.
إلاأنه كان منهم كذلك ولاة عثمان المستبعدون عبدالله بن عامر ويعلي بن أمية وعدد من بني أمية كمروان بن الحكم وسعيد بن أبي العاص ،وكان منهم أيضا الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد الله، وهما الصحابيان الوحيدان المبشران بالجنة المتبقيان علي قيد الحياة في هذا الحين بجانب علي وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نوفل.
كما قدمت إلي مكة السيدة عائشة أم المؤمنين بعد أن علمت بمبايعة علي ،وكانت قد ظنت في بداية الأمرأن المبايعة قد تمت لطلحة فسعدت لسببين أولا لانه كان مثلها من بني تميم ، وثانيا إنها كانت لا تحب عليا بعدما أشار علي رسول الله صلي الله عليه وسلم في واقعة حديث الإفك أن يطلقها ،قبل أن ينزل الله قرآنا يبرئها به.
وكانت عائشة شديدة الانتقاد لأفعال عثمان في حياته،فلما مات أنكرت مقتله بهذه الطريقة علي يد الغوغاء والأعراب والتفت الأغلبية في مكة حولها هي و الزبير وطلحة،وأجمعوا علي ضرورة القصاص للخليفة ثم رد الأمر للمسلمين ليختاروا الخليفة الجديد.وانطلق الجميع إلي البصرة في موكب يقدر بنحو ثلاثة آلاف شخص آملين في أن يستعينوا بأهلها لنصب الحرب لعلي وأصحابه.
وأكاد أدعي أنه منذ بداية هذا الفصل من الفتنة وحتي نهايتها ،أن المرء لا يستطيع أن يمنع شعورا داخله بالتعاطف تجاه علي بن أبي طالب،وهو ينتقل من نقطة إلي أخري محاولا رأب الصدع في مشاهد أزعم أن التاريخ لم ير مثلها من قبل ولا من بعد.
فها هو يلحق بالنازحين من مكة ،فيرسل لهم الرسل لمناظرتهم ،فيعودوا بخفي حنين،وهو أثناء ذلك لا يكف عن التحاور مع أصحابه من المتشككين في جيشه لطمأنتهم فكانوا يسألونه عما كان يريده بقدومه إلي البصرة؟فيرد بأنه يرغب أن يلقي بهم أخوانهم فيدعوهم إلي الصلح ويبين لهم الحق ويناظرهم فيه لعلهم يثوبوا فتلتئم وحدة الجماعة.فيسألونه:فإن لم يثوبوا إلي الحق ولم يقبلوا الصلح؟فيرد:إذا لا أبدؤهم بقتال حتي يبدأونا،فإن بدأونا نقاتلهم علي الحق حتي يرجعوا إليه.
وقد سأله واحد منهم سؤالا ربما يرتعب الكثيرون منه اليوم ويصفون من يطرحه بالهرطقة أو بالسفالة في أفضل الأحوال:أيمكن أن يجتمع الزبير وطلحة وعائشة علي باطل؟ فرد علي دون أن يتهمه أحد بالاساءة إلي أمهات المؤمنين و كبار الصحابة المبشرين بالجنة:إنك لملبوس عليك ،إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال،أعرف الحق تعرف أهله،وأعرف الباطل تعرف أهله.
واستمر علي في المناظرة بأكثر ما استمر في القتال،حتي عندما التقي الجيشان في المواجهة في معركة الجمل ،خرج علي ودعا إليه الزبير وطلحة،فخرجا إليه،فسألهما:ألم تبايعاني؟قالا:بايعناك كارهين ولست أحق بها منا.وقال للزبير:أتذكر يوم قال لك رسول الله إنك ستقاتلني ظالما لي؟فتذكروقال:لوذكرت ذلك ما خرجت والله لا أقاتلك أبدا.
وبرغم ذلك تنشب المعركة وتنتهي بمقتل الزبير وطلحة وآلاف المسلمين تراوحت التقديرات بشأن عددهم من عشرة آلاف إلي عشرين ألف قتيل.كما اختلفت الروايات بشأن مقتل الزبير وهل تم في أرض المعركة أم خارجها بعد أن قفل عائدا حافظا وعده لعلي.ويروي أن طلحة حين أصيب وأدرك دنو أجله قد قال:اللهم خذ لعثمان مني حتي يرضي.وكان من أشد المحرضين علي عثمان.
وليبدأ ابن أبي طالب مرحلة جديدة من الصراع ،كان أهمها معركة صفين ،عندما تواجه جيشه وجله من أهل العراق مع جيش معاوية من أهل الشام في معركة صفين،وكعادته دخل في مناظرات ومجادلات تخللتها بعض المناوشات لتنشب معركة كاد أن ينتصر فيها،لولا مكيدة عمرو بن العاص برفع المصاحف،التي أدت إلي الانشقاق في جيش علي ما بين مؤيد ومعارض ،وأسفرت عن الاتفاق علي عقد محكمة من حكمين أحدهما من جانب معاوية وكان بالطبع عمروبن العاص وابوموسي الأشعري عن الطرف الثاني ثم كانت الخدعة الشهيرة حين أوهم عمرو الأشعري بأنه قد اتفق معه علي خلع كل من علي و معاوية من الخلافة - لاحظ أن علي كان الخليفة بالفعل ولم يكن معاوية كذلك - فقام ابا موسي وأعلن أنهما قد اتفقا علي خلع علي ومعاوية، ورد الأمر شوري بين المسلمين، وهنا قام عمرو فقال:إن هذا قد خلع صاحبه، وأنا أخلعه مثله، ولكني أثبت صاحبي!.
واشتعلت الفتنة في معسكر علي أكثر فأكثر، لتنتهي بمقتله علي يد أحد الخوارج وهو عبد الرحمن بن ملجم ،بينما فشل صاحباه،الحجاج بن عبدالله الصريمي وعمرو بن بكر في قتل معاوية وعمرو بن العاص ،كما كان الاتفاق بينهم للقضاء علي رءوس الفتنة من وجهة نظرهم.
والسؤال هو: أين السفالة والازدراء والاساءة في ذكر كل ما سبق والذي روته كتب التاريخ، ولم يؤلفه محررو الغد من وحي خيالهم؟
وأستطيع أن أفسر-وإن كنت بالطبع لا أبرر- أن يهاجم الزميل كرم علي طول الخط حزب الغد وصحيفته وباقي الصحف والكتاب والسياسيين المعارضين والمستقلين، ولكن ما لا أفهمه، ان يقدم خدمة جليلة لقوي الاسلام السياسي، بالمزايدة علي تقديس ماض تبين لنا بوضوح - الآن - أنه لم يكن ولا يجب أن يكون كذلك،حتي لو كان دافعه لذلك،عملية القياس الواضحة في عنوان ملحق الغد الرئيسي علي العصر الحالي!
إنه لملبُوس عليه...!
حازم شريف: حتي صباح يوم الأثنين الماضي لم أكن قد اطلعت بعد علي العدد الأخير من جريدة الغد الذي أثار ضجة كبيرة في الأوساط الدينية وفي بعض دوائر الصحافة...