تبنت التشريعات الاقتصادية الحديثة معيار المسؤول عن الإدارة الفعلية لاعتبار رؤساء الشركات مسئولين جنائيا عن الأفعال المرتكبة باسم ولحساب الشركة، وذلك بعدما عانى المجتمع الاقتصادى من خلط بين مسئولية الشركة الجنائية ومسئولية رئيس مجلس إدارتها أو مالكها أو مديرها أو رئيسها التنفيذى، فقد كان – على سبيل المثال- يقضى بحبس رئيس مجلس إدارة شركة مساهمة مالكة لفندق على ساحل البحر الأحمر لارتكاب أحد موظفى الفندق لفعل اعتبرته السلطات جريمة بيئية، أو يعاقب جنائيا الرئيس التنفيذى لإحدى الشركات الصناعية العالمية لإخلال أحد عمال المصنع – بصورة منفردة- بالمعايير البيئية أثناء التشغيل، وكان يستند ذلك القضاء لافتراض علم رئيس مجلس الإدارة أو الرئيس التنفيذى عن تلك الأفعال بصفته رئيس الجهاز التنفيذى والإدارى بشركته، إلى أن بدأت التشريعات الاقتصادية المتعددة بإدخال معيار مستحدث والنص صراحة على عقاب المسئول عن الإدارة الفعلية للشركة وليس الممثل القانونى لها، وذلك لتجنب عقاب غير المشاركين فى الجرائم لمجرد تبوئهم لمنصب رئيس مجلس الإدارة أو الرئيس التنفيذى، إلا أن ذلك المعيار المستحدث لم يكفٍ فى ذاته لتحقيق الأمان القانونى لرؤساء مجالس الإدارة والرؤساء التنفيذيين، واستمر اتهامهم وعقابهم جنائيا عن أفعال منسوبة لشركاتهم بدعوى مسئوليتهم عن الإدارة الفعلية، وافتراض علمهم بتلك الأفعال المكونة للجريمة، وموافقتهم عليها، أو - على أقل تقدير - عدم تدخلهم لمنع حدوثها، وهو ما استمر معه عدم الأمان القانونى فى المجتمع الاقتصادى، ولم يبدد مخاوف الرؤساء التنفيذيين من المسئولية الجنائية عن أفعال تتعلق بنشاط الشركة، مما استدعى تدخل المشرِّع لتعديل قانون الاستثمار القديم فى عام 2015 لتحقيق الاستقرار فى المجتمع الاقتصادى واشترط المشرِّع توافر شروطا محددة لعقاب المسئول عن الإدارة الفعلية للشركة، حيث أضاف المشرِّع أنه «لا يعاقب المسئول عن الإدارة الفعلية إلا إذا ثبت علمه بالجريمة واتجهت إرادته لارتكابها تحقيقا لمصلحة نفسه أو غيره» وذلك فى الأحوال التى ترتكب فيها الجريمة باسم ولحساب الشركة، بما يعكس تطورا جوهريا فى الفلسفة العقابية للأشخاص الاعتبارية، إذ أوضح النص أنه لا يكفى أن يكون الشخص مسئولا عن الإدارة الفعلية للقضاء بمسئوليته الجنائية وعقابه، وإنما يلزم ثبوت علمه بالجريمة، وثبوت اتجاه إرادته الصريحة لارتكاب الجريمة بهدف تحقيق مصلحة شخصية أو للغير، وبالتالى لا يكفى العلم الافتراضى للرئيس التنفيذى للأفعال المكونة للجريمة لمجرد أنها تدخل فى تشغيل الشركة أو ارتكابها من أحد موظفيها، وإنما يشترط ويلزم إثبات سلطة الاتهام علم الرئيس التنفيذى اليقينى لتلك الأفعال، وتحقيق الرئيس التنفيذى لمصلحة شخصية من وراء ارتكابها، أو تحقيق مصلحة للغير، ونتج عن هذا التدخل التشريعى المرحب به زيادة الأمان القانونى لمنصب الرئيس التنفيذى، وجعله مسئولا فقط عما يرتكب من جرائم بعلمه بهدف تحقيق مصلحة شخصية من وراء تلك الأفعال، وقد حافظ قانون الاستثمار الجديد الصادر بعام 2017 على تلك الفلسفة العقابية المستحدثة فى مادته رقم 92، بل وأضاف أنه فى حالة عدم ثبوت مسئولية الرئيس التنفيذى وفقا لتلك الشروط، تعاقب الشركة ذاتها بغرامة لا تقل عن أربعة أضعاف الغرامة المقررة للجريمة ولا تزيد على عشرة أضعاف الغرامة، ويمكن أن تصل العقوبة لإلغاء الترخيص أو لحل الشركة ذاتها، مع القضاء بنشر تلك الأحكام فى جريدتين يوميتين واسعتى الانتشار، بما يضر بسمعة الشركة التجارية والائتمانية بالإضافة لميزانيتها، وقد لاقت تلك الفلسفة العقابية المستحدثة استحساناً من المجتمع الاقتصادى لتمشيها مع أفضل الممارسات الدولية فى المسئولية الجنائية للشركات، وتوافقها مع مبادئ الحوكمة، واستقلال الشخصية القانونية للشركة عن الشخصية القانونية لرئيسها التنفيذى، إلا أن تلك الفلسفة العقابية المستحدثة تستدعى الكثير من الجهد لتطبيقها بفاعلية تضمن الأمان القانونى لمنصب الرئيس التنفيذى، والتمسك بأولية تطبيق النص الوارد بقانون الاستثمار باعتباره نصا خاصا يقيد غيره من النصوص العامة، مما يحقق استقرارا قانونيا بالمجتمع الاقتصادى، ويؤثر إيجابيا على ممارسة النشاط الاقتصادى، ويخلق بيئة قانونية متسقة مع أحكام وقواعد النشاط الاقتصادى والممارسات الدولية القانونية.
* محامٍ ومحكم