من أرشيف الذكريات (111)

رجائى عطية : تابعت المصور استطلاع خبايا ما دار بين حافظ إسماعيل وبريجنيف، فى ذلك اللقاء، فسألته عن تفصيلات ما دار فيه، وماذا قال بريجنيف بالضبط، والإطار العام الذى سار...

رجائى عطية : تابعت المصور استطلاع خبايا ما دار بين حافظ إسماعيل وبريجنيف، فى ذلك اللقاء، فسألته عن تفصيلات ما دار فيه، وماذا قال بريجنيف بالضبط، والإطار العام الذى سار فيه الحوار، وآثاره.. أجاب حافظ: ●● حافظ إسماعيل: لقد كان الاتحاد السوفييتى يتصور أن الموقف الأمريكى لم يتغير بالقدر الكافى الذى يسمح بتحقيق تسوية سياسية شاملة. وبالتالى لم يكن متحمسا لهذا اللقاء.. وإذا أردتم أن تسمّوا هذا التقييم لموقف الاتحاد السوفييتى محاولة لعرقلة الاتصالات المصرية الأمريكية، فهذا شىء قد يجوز، لأنها قابلة للقراءة على جميع المستويات، ولكننا حقيقة قررنا أن نستمر على الخط الذى سرنا عليه بصرف النظر عن التقييم السوفييتى. ● المصور: قبل السفر، أسألكم هنا تفصيلا، ما هى وجهة النظر المصرية التى تبلورت قبل سفرك إلى لقاء الدكتور كيسنجر؟ ●● حافظ إسماعيل: لم تختلف عن وجهة النظر السائدة فى هذا الوقت، وهى ضرورة أن تكون هناك تسوية شاملة لكل أبعاد الأزمة على أساس انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967.. وربما كان الأمر الجديد هو الإصرار المصرى على التسوية الشاملة بديلا عن التسوية الجزئية التى كانت وزارة الخارجية الأمريكية تسعى دائما إلى تبنيها ودفعها واعتبارها هدف الجهد الأمريكى المباشر.. هذه التسوية الجزئية التى ارتبطت فى أذهان الإدارة الأمريكية بمبادرة الرئيس السادات فى 4 فبراير 1971، والتى كانت تنص على انسحاب الإسرائيليين إلى مسافة داخل سيناء وإعادة فتح القناة وبداية مؤتمر لإجراء التسوية على أساس القرار 242، وقد تشبثت وزارة الخارجية الأمريكية بمبادرة الرئيس السادات بهذا الحجم لأنها تريد أن تحقق شيئًا.. خصوصًا وأن كيسنجر كان قد سحب دور الخارجية الأمريكية من معظم المشاكل الساخنة فى العالم ولم يبق لها إلاّ مشكلة الشرق الأوسط. وكان موقفنا الذى بنيناه فيما بعد هو ضرورة إصرار مصر على التسوية الشاملة ورفض التسوية الجزئية.. وكان هذا هو الموقف الأساسى أو الفلسفة الأساسية فى الاتصال مع الدكتور كيسنجر. ● المصور: أين تمت مقابلتك مع الدكتور كيسنجر؟ ●● حافظ إسماعيل: خارج نيويورك فى فيللا خارج نيويورك ببضعة كيلو مترات، وربما كانت هى فيللا رئيس شركة البيبسى كولا، استضافتنا أسرة أمريكية، دبلوماسى من السفارة فى القاهرة وزوجته قاما بضيافة الوفد المصرى الذى كان صغير العدد، وقد كان يضم سواى الدكتور حافظ غانم رحمه الله وسفيرنا فى لشبونة. واستمر اللقاء لمدة يومين. ولم يكن ما عرضته مصر على الولايات المتحدة كأساس لموقف مصرى فى تسوية شاملة كافيا من وجهة نظر كيسنجر، وكانت وجهة نظر كيسنجر أن «على مصر أن تتقدم بموقف مختلف». وللأسف فقد قرأ كل منا هذه العبارة فى حدوده. وربما كانت هذه العبارة تعنى أكثر بكثير جدا مما تصورنا فى هذا الوقت، وكان تفسيرى لكلمة «موقف مختلف» أن أمريكا لا تطلب فقط إنهاء حالة الحرب والتى كنا نعرضها فى مقابل التسوية الشاملة بل أيضًا الاعتراف بإسرائيل وإنشاء علاقات ديبلوماسية وتطبيع العلاقات بيننا، ولم يكن هذا الأمر واردًا.. خاصة وأننا لم نتوقع أن نتوصل إلى نتائج من أول لقاء، خصوصًا بعد فترة قطيعة استمرت منذ أكتوبر 1971. ● المصور: هل كانت هناك علاقة بين هذا الاتصال والاتصال الذى تم فى أكتوبر عام 1971؟ ●● حافظ إسماعيل: لا.. كان اتصال أكتوبر يهدف مناقشة فكرة المفاوضات عن قرب، تلك المفاوضات التى تعنى أن يذهب وفد مصرى إلى الدور العاشر مثلا فى فندق ما. بينما يقيم وفد إسرائيل فى الدور التاسع، ويتولى الجانب الأمريكى المقيم معهما نقل وجهات النظر بين الجانبين دون الجلوس على مائدة التفاوض المباشر، وكان هذا الاتصال استكمالا للمباحثات التى كان بدأها روجرز عندما جاء إلى القاهرة فى الفترة من 2 إلى 4 مايو لإجراء مباحثات مع مصر حول مبادرة الرئيس السادات، وبعد ذلك عندما حدثت أزمة 15 مايو 1971 وحضر بدجورنى إلى القاهرة ووقعنا على معاهدة الصداقة والتعاون.. انتظرت الولايات المتحدة وبدأت فى استكشاف الموقف المصرى، واستمر ذلك حتى شهر أكتوبر، ويبدو أنهم عندما علموا بأن الرئيس السادات سيزور الاتحاد السوفييتى رغبوا فى إظهار اهتمامهم بالتسوية، فأرسلوا رئيس قسم رعاية المصالح الأمركية بالقاهرة «المستر بيرجس» بعرض أمريكى بإجراء مباحثات عن قرب يشترك فيها مفاوضون مصريون ومفاوضون إسرائيليون، على أن يكون جوزيف سيسكو هو الوسيط بين الطرفين طالما أن مصر ترفض التفاوض المباشر. ● المصور: نعود إلى جلسة مباحثات مع الدكتور كيسنجر. ما هى وجهة نظر كيسنجر إزاء العرض المصرى، ماذا قدمنا، وماذا كان كيسنجر يريد بالضبط؟ ●● حافظ إسماعيل: كان يريد أن تتقدم مصر بموقف آخر يستطيع أن يقنع به الكونجرس والرأى العام الأمريكى وإسرائيل.. كان يريد تنازلات مصرية أكثر مما كنا نعرضه فى ذلك الوقت. ● المصور: ما هى حدود التنازلات التى كنا نعرضها فى هذا الوقت؟ ●● حافظ إسماعيل: هى الحدود التقليدية المصرية التى كنا باستمرار نقوم بإبلاغها عن المواقف المصرية.. وهى إنهاء حالة الحرب والانسحاب إلى خطوط 1967 والقبول بالمرور فى الممرات المائية ومنها قناة السويس.. أى تطبيق القرار 242. وأنا لا أستطيع أن أقول ما كان يدور فى ذهن الدكتور كيسنجر.. ولكن من قراءتى بعد عشر سنوات ومثلى فى ذلك مثل أى شخص آخر يقرأ ويستنتج يمكن تقدير أيضًا التغيير الذى كان يدور فى ذهن د. كيسنجر. ● المصور: يحاول كيسنجر أن يوحى إلينا بأنه فى اجتماعه معك حاول أن يؤكد أن الموقف فى حاجة إلى تسخين.. وأنه لا يستطيع أن يقترب من مشكلة ما إلاّ وهى على الأقل ساخنة أو متصاعدة.. وثمة من سمحوا لأنفسهم أن يستنتجوا من ذلك أن حرب أكتوبر 1973 كانت بشكل ما مخططه أو متفقا عليها مع الجانب الأمريكى؟ ●● حافظ إسماعيل: هذه هى النقطة التى تستثيرنى لكى أحدد موقفى تحديدا قاطعا، ومبررى فى إعلان وجهة نظرى هذه هو أننى الشخص الذى قام بالاتصال والتفاوض مع أمريكا. وأريد أن أقول هنا إنه من أخطر الأمور أن يتفق إنسان مع غير حليفة على حرب.. ومن يفعل ذلك يصل إلى قمة السخف والغباء.. إذ يدخل إلى مصيدة أعدت سلفا له، وأنا لم أكن على استعداد للدخول فى مثل هذه اللعبة لو أنها كانت لعبت بالفعل.. وهذا لم يحدث إطلاقا فى علمى وعلمى فى هذا الأمر أوسع مما أقول لأننى كنت على اتصال بالرئيس السادات وكنت على اتصال بالمشير أحمد إسماعيل وأعرف ما يدور فى أروقة القوات المسلحة.. ولا يمكن أن نخضع مصير نصف مليون جندى لاتفاق مع دولة ما. ● المصور: لقد قال الدكتور كيسنجر ما معناه إن هناك قوتين تنهك كل منهما الأخرى إلى الدرجة التى يتقبلان بعدها السلام ويجلسان مباشرة على مائدة السلام ليتفاوضا مفاوضات مباشرة، وكان كيسنجر يحاول إقناع الكونجرس بأن عام 1973 هو عام أوروبا.. وكان يقول إن الكونجرس على استعداد لترك مشكلة الشرق الأوسط لفترة طويلة. ●● حافظ إسماعيل: لقد كنا نقول دائما إنه إذا لم تتم تسوية سلمية فسوف ندخل الحرب ولم يكن هناك خطاب للرئيس السادات يخلو من هذا المضمون. وإذن مسألة دخول قواتنا فى الحرب لم يكن موضع جدل بين الدخول وعدم الدخول.. لأنه ما لم تتحقق تسوية سلمية فلا بديل للعمل الدبلوماسى إلا بدخول معركة عسكرية.. أما مسألة اتفاقنا مع أمريكا على تمثيل دور فى معركة فأمر لا يمكن قبوله. (يتبع)