لمن يسعى لحكم القاهرة

ليلى حافظ : ونحن على أبواب مرحلة أخرى من الانتخابات الرئاسية، وتولى رئيس جديد حكم البلاد، أتمنى أن يقرأ كل مرشح للرئاسة فى مصر كتاب الأديب محمد المنسى قنديل بعنوان...


ليلى حافظ :

ونحن على أبواب مرحلة أخرى من الانتخابات الرئاسية، وتولى رئيس جديد حكم البلاد، أتمنى أن يقرأ كل مرشح للرئاسة فى مصر كتاب الأديب محمد المنسى قنديل بعنوان «لحظة تاريخ» التى يحكى فيها 30 قصة من تاريخ العرب.

إنها ليست قصص حروب وانتصارات، ولكن مؤامرات ودسائس؛ وليست قصص نهضة وحضارة، ولكن عنف ودماء؛ الأخ يقتل أخاه والصديق ينتقم من أقرب الأصدقاء، والزوجة تخون والعشيق يقتلها، والابن يبعد أباه عن الحكم، وكل ذلك من اجل السلطة والحكم. وان دامت لأحد منهم، لدامت لكل من سوف يأتى من بعده.

فى إحدى القصص وقف السلطان صلاح الدين فوق أعلى مكان من قمة قلعته ينظر الى القاهرة من تحته، وكتب المنسى قنديل يقول: «وللمرة الأولى رأى السلطان المدينة التى يحكمها فى كتلة واحدة، نائمة تحت غلالة من الضباب، تحلم حلما غامضا، ترتفع المآذن مثل أذرع لا تكف عن التوسل، فى الغرب ينساب نهر النيل ساجيا، يخفى فى داخله كل غموض السنين، كل الذين عبروا وحكموا، وفى الشرق ترتفع هامات النخيل وتربض الاهرامات، يمتد الزمن بلا نهاية بعمق السكون الغريب الذى يحيط بهما».

ثم ينظر السلطان الذى هزم الفرنجة فى حطين، إلى القاهرة ويمضى المنسى قنديل فى سرده يقول: «أحس السلطان بالأسى، أدرك فجأة أن مدة حكمه وجيزة إزاء هذا الزمان السرمدى، كان يظن انه امتلك المدينة حقا، ولكنها بدت فى تلك اللحظة أشبه بحيوان خرافى بالغ المهابة والجلال، عن له ان يرتاح قليلا ويخفى داخله كل نزوات المدن واسرارها وخطاياها الصغيرة ومصادر قوتها ونقاط ضعفها». واحس السلطان صلاح الدين «انه مهما امتلك، فلن يمتلك مثل هذا البلد القديم المترب المتوهج، الملىء بالمقابر وبشائر البعث، هذا إذا امتلكه حقا».

فعلى كل من يسعى لأن يحكم هذه البلاد ان يدرك تماما انه لن يمتلكها، ولن يطول حكمه فيها بالمقارنة بتاريخها المديد؛ ولكنه ان احبها وحافظ على كيانها فلن تنساه أبدا، لان شعبها، كما يقول المنسى قنديل: «وتساءل صلاح الدين فى حيرة عن أناس هذه المدينة الذين يحاربون فى ضراوة ويستكينون فى ضعة، ويعشقون فى وله ويضحكون حتى البكاء».

هؤلاء هم أناس القاهرة، فيجب ألا يغفل عنهم احد، ولا يقلل من قيمتهم ويتصور ان استكانتهم مستمرة وان عشقهم أعمى، أو أن يتصور انهم يحاربون من اجل الحرب، بل هم يحاربون من اجل كرامتهم وعزتهم وامن أولادهم.

فلابد ان يتذكر كل مرشح للرئاسة ان مصر خالدة، ولكن فترة حكمه وجيزة.