رجائى عطية :
سعى المصور لاستخراج مكنون ذكريات حافظ إسماعيل عن إبرام أول اتفاقية مع الاتحاد السوفييتى ـ آنذاك ـ لتسليح مصر، والتى نهض بدور بارز فى تحديد أسلحتها، وفى إبرامها.. ولكن الرجل كدأبه، لم يتحدث إلاَّ بالقدر الضرورى اللازم للتعريف بهذه الاتفاقية التى كانت خطوة مهمة ومحورية فى علاقة مصر بالقوتين الأعظم فى ذلك الوقت.
●● قال حافظ إسماعيل : اتفاقية التسليح التى أبرمت فى نهاية 55 وبداية 56 حصلت فيها مصر على قدر كاف من الأسلحة يمكنها من إعادة تنظيم الجيش تنفيذًا لهدف إنشاء جيش وطنى كأحد أهداف الثورة الستة. وقد تميزت الاتفاقيات الأولى مع الاتحاد السوفييتى بأنها تضمنت 3 أسلحة جديدة على مصر : سلاح الغواصات بالنسبة للقوات البحرية، سلاح قاذفات القنابل الخفيفة بالنسبة للقوات الجوية ومدافع الاقتحام فى الجيش، كانت أسلحة جديدة بالنسبة لنا، كنا نحصل عليها بشروط ميسرة وكانت الأسعار عادية، عندما نقارنها بأسعار الدول الغربية.. أخذنا وقتها الدبابة ت 34 والطائرة الميج 15 والتى تمثل الفريق الذى خاض معارك كوريا، ثم ارتقى مستوى التسليح فى أبريل56، ثم جاءت المرحلة الثانية فى التسليح من خلال الاتفاق الذى أبرمه المشير عبد الحكيم عامر فى نوفمبر 1957 ودخلت القوات المسلحة منذ 57، وحتى 60 فى مرحلة إعادة تنظيم وتسليح واسعة النطاق وجذرية أستطيع أن أسميها مرحلة البعث الثانية للقوات المسلحة من حيث إنشائها وتدريبها. وربما كان أخطر ما حققناه إنشاء القيادة العامة للقوات المسلحة الذى نراه اليوم.
● المصور : ما هو دور السوفييت فى 67. ابتداء من الهزيمة. وحتى ما بعد الهزيمة ؟
●● حافظ إسماعيل : ليس دفاعًا عن الاتحاد السوفييتى ولكن إقرارًا لمواقف موضوعية، ماذا كان على الاتحاد السوفييتى أن يعمل فى 67 ؟. أولا أن يعوض عن خسائر القوات المسلحة، وثانيا أن يرفع مستوى القوات المصرية إلى مستوى التكافؤ والتعادل مع إسرائيل، ثالثا أن يحقق التفوق الذى يسمح ببدء تحرير الأراضى، إذا تصورنا هذا الحجم من العبء يمكن أن نلتمس العذر للسوفييت الذين يواجهون مشاكل تخلف فى بعض قطاعات الحياة لكى يركزوا جهودهم فى قطاعات معينة على حساب أخرى ، الاتحاد السوفييتى يقتطع من رجل الشارع لحساب تطوير قواته ومعداته العسكرية.
● المصور : البعض يتساءل : لماذا تلكأ السوفييت فى إعطائنا السلاح. ولماذا رفضوا فى بعض الأحيان ؟
●● حافظ إسماعيل : يجب أن ندرك أن كل قوة تنشئ السلاح الذى يتناسب مع استراتيجيتها وتكتيكاتها ومسارح عملياتها وطبيعة الجندى والقائد لديها. فالسلاح ليس كأى سلعة استهلاكية ولكنه كالبدلة المفصلة على جسم لا يستطيع أن يرتديها شخص آخر، ولهذا لم نكن نجد بسهولة ما نريده من تسليح.. مثل الطائرة القاذفة المقاتلة أو المدفع ذاتى الحركة. ومع ذلك فقد حصلنا على الدبابات ت 62 والقاذفة تى يو 16 ثم تى يو 22 التى تحمل صاروخًا يطلق من مسافة 150 كيلو مترًا على أهدافه.
وأذكر عندما طلبنا الميج 23 بإلحاح أن كاد يقسم المسئولون أن الطائرة لم تتجاوز مرحلة البحث والتطوير ولم تدخل مرحلة الإنتاج النمطى. وفى النهاية فقد حصلنا عليها. ولعلنا نذكر الصاروخ أرض ـ أرض الذى استخدمناه ضد الثغرة فى أكتوبر 1973 ـ وكان أصلا مخصصًا لحمل رأس ذرية وقام العلماء السوفييت بتحويله لصاروخ يحمل رأسًا تقليدية من أجل أن نسلح به..
● المصور : ولكن السلاح ليس هو العامل الوحيد فى المعارك.
●● حافظ إسماعيل : هناك الإنسان أيضًا. والإنجليز يقولون : الرجل وراء السلاح. هو المهم. وأمامنا فيتنام قاتلت 500 ألف عسكرى أمريكى.
● المصور: طبيعة الحرب فى فيتنام كانت مختلفة من حيث مسرح العمليات والمقاتلين. والأطراف المشاركة فى هذه الفترة عاصرت حدثين مهمين. طرد الخبراء السوفييت وبدء حرب 73 والرئيس السادات كان يقول إن مواقعه عند بدء المعركة لم يكن وراءها أى خطوط إمداد حقيقية وأنه بدأ الحرب بمسافة ضخمة بين وضع القوات المسلحة المصرية والقوات الإسرائيلية. ولكن على أى حال بدأت الحرب فى غير وجود الخبراء السوفييت. ما هو تقييمك لخروج الخبراء السوفييت خاصة وأنك أول من تلقى هذا الخبر وأذكر أن الرئيس السادات قال إن دهشتك كانت كبيرة ومستمرة ؟
●● حافظ إسماعيل : قصة إخراج الخبراء السوفييت بدات قبل يولية 72.. ففى فبراير 72 كان مقررا أن يلتقى الرئيس السادات بالزعماء السوفييت، وقبل السفر استدعى الرئيس السادات الدكتور عزيز صدقى وطلب منه أن يحضر السفير السوفييتى ويبلغه أننا نريد الطائرة القاذفة المقاتلة والدبابة ت 62.. كنا نريد 200 دبابة منها ونحن على استعداد أن ندفع ثمنها بالعملة الحرة، والدكتور عزيز عندما أبلغ السفير السوفييتى استغرب وقال لماذا بالعملة الحرة هذه المرة ؟ ولماذا لا نتعامل من خلال اتفاقيات الدفع بالجنيه المصرى.. فقال له لكى نؤكد مدى احتياجنا وإصرارنا على الحصول على هذه الأسلحة وبالفعل تقرر فى الزيارة إمدادنا بما طلبنا، وتلا ذلك سفر الوفود الفنية لإبرام العقود التفصيلية لتحدد قطع الغيار وكميات الذخيرة ومواعيد التسليم والأثمان وغيرها.. وأثناء تحديد الاتفاق قال رئيس الوفد الروسى ما معناه إن الدفع بالإسترلينى فتساءل رئيس الوفد المصرى : بالإسترلينى لماذا ؟ فقال رئيس الوفد الروسى : إن ذلك بناء على طلبكم. فقال رئيس الوفد المصرى : نحن ندفع دائمًا بالجنيه المصرى، فقال له الأول. أنتم الذين طلبتم أن تدفعوا بالإسترلينى . تطور الوضع وعاد الوفد المصرى دون توقيع الاتفاق.. واستدعى الفريق صادق كبير الخبراء السوفييت فى مصر. قال له ما هى الحكاية، لماذا الإسترلينى ؟ فرد عليه بأن ذلك بناء على طلب رئيس الوزراء المصرى... فقال له الفريق صادق أن خبراءكم الموجودين فى وحدات الدفاع الجوى يتقاضون أجورهم بالإسترلينى... ولكن نوفر الإسترلينى الذى تطلبونه عليكم بالخروج..
كانت هذه أول الإشارات وكان وقتها الرئيس السادات فى زيارة لليبيا. هذه هى البداية. إلاّ أن الأمور تطورت نتيجة قراءة الرئيس السادات للبيان المشترك الروسى ـ الأمريكى وما قدره من اتجاه القوتين إلى فرض وضع « استرخاء عسكرى فى المنطقة » ـ وقرن ذلك بما قدره من تأخير فى توريد المعدات المتفق عليها فى أبريل 72، واستخلص أن السوفييت يسعون لاستمرار حالة اللاسلم واللاحرب باعتبارها فى مصلحتهم .
وهذه من المسلمات التى لابد أن تعيد فيها النظر، وعندما تقرأ مذكرات د. كيسنجر سوف تجد أن البيت الأبيض هو الذى فرض عدم التوصل إلى تسوية، وهو الذى كان يعرقل مجهودات الخارجية الأمريكية عندما كانت تتقدم بمبادرات للتسوية.. وكتب كيسنجر ذلك وقال : كان من سياستى أن الاستراتيجية التى أريد أن تطبق هى أن تدفع الدول العربية لموقف اليأس من الاتحاد السوفييتى ونقنعها بأنه لا يستطيع أن يقدم لها شيئًا فتدير ظهرها له عندئذ نعطيها نحن التسوية.
( يتبع )
من أرشيف الذكريات ( 109 )
رجائى عطية : سعى المصور لاستخراج مكنون ذكريات حافظ إسماعيل عن إبرام أول اتفاقية مع الاتحاد السوفييتى ـ آنذاك ـ لتسليح مصر، والتى نهض بدور بارز فى تحديد أسلحتها، وفى...