من أرشيف الذكريات (107)

رجائى عطية : عنّ للمصور، أن تسأل حافظ إسماعيل فى هذا الحوار التاريخى عن « التمزق العربى » الذى بدا أنه يمضى إلى هوة سحيقة، وهل توجد علاقة سببية بين...

رجائى عطية : عنّ للمصور، أن تسأل حافظ إسماعيل فى هذا الحوار التاريخى عن « التمزق العربى » الذى بدا أنه يمضى إلى هوة سحيقة، وهل توجد علاقة سببية بين هذا التمزق العربى، وهذا الوضع الحاصل فى الساحة العربية ؟ ■■ حافظ إسماعيل: لقد تابعت فى الفترة الأخيرة، أحاديث كثيرة للصحافة المصرية. حول التمزق العربى. والتفتت العربى والانحلال العربى.. ويبدو أن ذلك من ملامح الفترة التى نمر بها. وإذا نظرنا إلى مجموعة دول الأوبك التى لا تتفق على رأى، وإلى الدول الأفريقية. وعدم قدرتها على أن تجتمع. والدول الإسلامية التى كونت لجنة من أجل القدس. ولم تحقق شيئا. العالم العربى أيضا، غير قادر على مواجهة التحديات الضخمة. هل التمزق العربى هو السبب فى أن هذه القوى تهاجم العالم العربى. ؟ لا أظن أن هناك تمزقًا، فالعالم العربى يعانى دائمًا من التفاوت والتباين ما بين درجات تطوره السياسى والاجتماعى والاقتصادى وهذا التفاوت يخلق اختلافات. ويذكرنى ذلك بصورة معلقة على سلم سفارتنا فى لندن. المؤدى إلى الدور الأول. والصورة لبعض العرب يصلون. كلهم متجهون للقبلة. ولكن كل واحد منهم فى مرحلة مختلفة من الصلاة. واحد يكبر والآخر يركع. والثالث يختم الصلاة. نحن فى العالم العربى نعكس هذه الصورة. لنا كلنا هدف واحد.ولكن كل واحد منا فى مرحلة مختلفة. ■ المصور: يفرض السؤال نفسه من جديد: هل هناك توافق وتخطيط فيما يحدث ؟ ■■ حافظ إسماعيل: أنا أشك أن يكون هناك تخطيط. نجد مثلا أن إسرائيل مرتبطة بالولايات المتحدة وأثيوبيا بالكتلة الاشتراكية وإيران ليست تابعًا للدول الاشتراكية أو الرأسمالية.. أشك أن يكون هناك عقل واحد وراء عمليات بهذه الصورة. ولكنه توافق الظروف. التى نشأت عن غيبة مصر عن المشرق العربى والجزيرة العربية. خلال السنوات الخمس الماضية. هذه الغيبة كان لها رد فعل. وكانت مشجعة لهذه القوى أن تستأثر سعيًا إلى شغل الفراغ. ■ وعن العرب، وكيف يواجهون هذا الوضع، وكيف يتعاملون معه، وما هو الأسلوب لمواجهة ما يدور حولنا. ■■ قال حافظ إسماعيل: أعتقد أن هناك ثلاث نقاط جوهرية لمواجهة الموقف. أولا عودة مصر. لأن الثقل المصرى فى المنطقة مسألة مؤكدة، حاليا توجد فجوة الغياب المصرى لخمس سنوات.. ويمكن أن تحدث مصالحة. نستطيع أن ندرسها. كيف تحدث، ومتى، ومع من ؟ عودة مصر إلى الصف العربى ليست مسألة مستعصية لا أريد أن نكرر الأسئلة التى تبدو بلا معنى الآن ؟ هل يعود العرب إلى مصر. أم تعود مصر إلى العرب ؟ ومن يرجع لمن ؟ لابد وأن نترك هذه السفسطة. المهم. أن العالم العربى يحتاج إلى مصر. وإلى ثقل مصر ووزن مصر وفعالية مصر. ومصر تحتاج إلى عمقها العربى والسؤال: كيف نفعل هذا ؟ علينا مسئولية تاريخية. وسوف نحاسب إذا لم نأخذ هذه الخطوة. علينا أن نحدد مع من وكيف، لقد سعدت بتوقف الحملات ما بين مصر والعالم العربى ولكننى أسأل لماذا لم تتوقف الحملات الدعائية بين مصر وسوريا لابد أن ندرك ظروف سوريا، ولا يكلف الله نفسا إلاّ وسعها. نحن نحمل فى بعض من صحفنا سوريا عبء ومسئولية كل ما حدث فى لبنان وكل ما سوف يحدث. ■ المصور: بالنسبة للحديث عن سوريا، لقد سعينا فى مصر تحت شعار التضامن. وتحت الإلحاح المتزايد على ضرورة أن يكون هناك مناخ عربى جديد، أن نخاصم كل هذه الأساليب. التزمت مصر بعدم الهجوم على سوريا وعدم الهجوم على أى بلد عربى وحافظنا على هذا الموقف محافظة شديدة.. ولكن على الجانب الآخر. كانت دمشق تفعل كل ما فى وسعها لتمنع هذا المناخ الجديد.. كان السوريون حريصين دائما على غياب مصر عن الساحة وفعلوا الكثير فى إطار القوى التى تريد عزل مصر. قرارات مؤتمر بغداد. التى حملت شعار مقاطعة مصر، اليوم.. بغداد تكاد تتخلى عنها. لكن سوريا هى التى تحاول قيادة القوى الأخرى. نحن ندرك الأهمية الفائقة لوضع سوريا الجغرافى وندرك عوامل القوة والضعف هناك وندرك ضرورة وجود سوريا فى التضامن العربى. وندرك أن أية دعوة لقمة عربية. وللتضامن تستثنى سوريا ستكون دعوة ناقصة. لكن الجانب الأكبر من المسئولية يتحمله حكام دمشق. ■■ حافظ إسماعيل: الدبلوماسية لا تعجز أمام شىء. من الممكن بالصبر.وطالما هناك إصرار على أن نعيد سوريا. قد نأخذ وقتًا. ولكن لو درسنا ظروف سوريا موضوعيًّا. سنصل إلى شىء. ■ المصور: تحدثت عن أسس ثلاثة لمواجهة الوضع الراهن.. ما هو الأساس الثانى ؟ ■■ حافظ إسماعيل: لابد من مواجهة القوى الثورية فى المنطقة. بموقف ثورى أيضًا. المقصود. بالفكر الثورى، إجراءات غير طبيعية غير تقليدية لأننا إذا واجهنا الموقف بالأساليب التقليدية العادية فلا نستطيع.. وأهم من هذا لابد من تحديد أولويات.. أين التحدى ؟ وأين التناقض الأكثر حدة والأكثر خطرًا ؟ فى اعتقادى أن التحدى الإسرائيلى.. ورغبة الإسرائيليين فى فرض إرادتهم الكاملة على المنطقة لا يزال الخطر الأول، إذن علينا أن نسوى المواقف فى إيران وفى الحبشة بطريق أو آخر، ولا يستعصى على الفكر المستنير الموضوعى البناء أن يجد طريقة ما يتوصل بها إلى وقف الصدام القائم فى القرن الأفريقى وفى الخليج العربى وبالتالى تتجه الجهود وتتركز على معركة بيروت بمفهومها الواسع الذى يشمل الأزمة اللبنانية والمشكلة الفلسطينية ولو أن هذه المعركة إيقاعها أسرع من المحاولات التى نبذلها.. ولهذا فأنا أتكلم عن الفكر والتخطيط والإجراءات الثورية لأن الوضع لا يتحمل. ■ المصور: كيف ترى الوضع فى لبنان الآن، وماذا تقترح ؟ ■■ حافظ إسماعيل: كل ما أخشاه، أن يترك العرب الموقف دون إلحاح على إجراء حاسم وبذلك فنحن تاركون المنظمة لكى تتفكك يومًا بعد يوم وساعة بعد ساعة , وهذا هو الإجراء الإسرائيلى.. لأن إسرائيل تريد أن تتفادى معركة داخل بيروت إسرائيل لا تريد أن تحارب داخل بيروت ولا أمريكا تريد من إسرائيل أن تحارب داخل بيروت. المقاومة كل يوم يزداد تآكلها.. الأدوية تقل والذخيرة والطعام والمياه تقل الروح المعنوية للمقاومة والـ500 ألف لبنانى الذين يعيشون داخل بيروت الغربية منذ شهر هل سيجدون المياه.. الكهرباء والخبز. وفى كل يوم نسمع عن خطط لإخراج رجال المقاومة وتوزيعهم على الدول العربية.. تمامًا مثل طقوس الموت فى الهند، عندما يموت الزعيم يحرقونه ثم ينثرون رماده، نحن ننثر رماد الثورة الفلسطينية، إن الثورة الفلسطينية عليها أن تواجه الموقف بمفهوم ثورى.. الرئيس « جمال عبد الناصر » سنة 65.. طلب منى أن أرسل رؤيتى للعلاقات المصرية البريطانية فى ظل الثورة التى كانت قد نشبت فى عدن وكانت فى ذلك الوقت أزمة اليمن والمواجهة بين مصر وانجلترا على حدود اليمن الشمالية والجنوبية حادة، أرسل لى الرئيس جمال يقول تعليقًا على تقرير بعثته: « إذا نشبت الثورة فسيصعب إخمادها، وإذا أخمدت فلن تقوم لها قائمة » وإذا أخمدت الثورة الفلسطينية فلن تقوم لها قائمة وبالتالى لن تكون هناك قضية، نحن نحارب اليوم من أجل القضية الفلسطينية وليس من أجل إنقاذ عشرة أو عشرين قائدًا فلسطينيا، وعشرة ألاف محارب. ■ المصور: من الواضح حتى الآن أن إمكانيات كسب هذا الهدف عن طريق الحرب تكاد تكون شبة منعدمة أو مستحيلة.. نحن نعرف التآكل الذى أصاب الدول العربية وربما تكون إمكانيات كسب هذه المعركة عن طريق التفاوض السياسى والقوى السياسية أكبر. ■■ حافظ إسماعيل: أنا لا أطلب غير هذا. فأنا لا أتكلم عن إرسال قوات مصرية أو سعودية، أو سورية. وإنما أتكلم عن الثقل العربى.. المشكلة أننا نتكلم بمفردنا والسعودية تتصل بمفردها. وسوريا سواء قبلت أم رفضت فهى تفعل ذلك بمفردها. توجد حالة من التفتت فى الجهد العربى. المبذول. عبر قنوات مختلفة. وكان من الممكن تنسيق المواقف. (يتبع)