من أرشيف الذكريات (103)

رجائى عطية: لم يكن فى تقديرى حين رويت زيارة حافظ إسماعيل لمكتبى فى 29 نوفمبر 1987 وتركه كتابه الرائع: «أمن مصر القومى فى عصر التحديات»، أن أستطرد كل هذا الاستطراد...

رجائى عطية: لم يكن فى تقديرى حين رويت زيارة حافظ إسماعيل لمكتبى فى 29 نوفمبر 1987 وتركه كتابه الرائع: «أمن مصر القومى فى عصر التحديات»، أن أستطرد كل هذا الاستطراد فى حديثى عنه وعن هذا الكتاب الذى أمتعنى أن أقرأه للمرة الثالثة حينما تجددت الذكريات وأردت الحديث عنه. وربما بدا للقارئ أننى أسرفت وأطلت الاستطراد، فى بعض سيرة هذا العظيم، وعمق كتابه الذى عرضته، ولكن ما أكتبه ليس سيرة ذاتية خرجت عن إطارها، وإنما هى ذكريات بين العام والخاص لشريط طويل شاهدته وعايشته، وبدا لى أن فصوله متوازية مع ما عرضه حافظ إسماعيل فى كتابه، بأمانة ومصداقية، وكفاءة وموضوعية واقتدار، عن حقبة بالغة الأهمية فى حياة الوطن وحياتنا معه.. فأضفى تعمقه قيمة مضافة على حصاد ذكرياتى الشخصية، دون أن أخرج عن سياق أرشيف هذه الذكريات فى جانبها العام.. فقد كانت فصول وتضاعيف هذه الأحداث حاضرة ماثلة فى صفحة وجدان جيلنا، وفى مشاعرنا، وفى مواقفنا وحركتنا، ولم تكن الاحتقانات المتتالية التى مرت بالوطن وبنا، سوى صدى لآمال تصاعدت مع حرب أكتوبر ونتائجها الأولى، ومرارات تسربت حول نتائج كان الظن أننا أجدر بتحقيق ما هو أفضل منها! توقفت طويلاً عند خاتمة كتاب حافظ إسـماعيل فى قراءتى الثالثـة عند كتابتى هذه السطور، أكثر كثيرًا مما توقفت لدى قراءة المسودة ثم مطبوعة الكتاب فى الثمانينات. مرجع وقفتى الطويلة الآن، أننى وجدت كثيرًا مما تنبأ به حافظ إسماعيل فى الثمانينات ولم يستوقفنى كثيرًا وقتها، يتحقق الآن تحققًا ينبئ عن ثاقب نظره وعريض خبرته وصدق حدسه.. فى الخاتمة أورد حافظ إسماعيل أن الليل بعد ما كان، كان طويلاً.. طويلاً! فقد سارت مصر وحدها منذ وقعت بمفردها اتفاقية السلام مع إسرائيل.. بعد أن تراخت قوة الدفع العربية من ورائها، فتعثرت جهودها للربط بين سلامها وتحقيق حكم ذاتى حتى وإن كان محدودًا حسبما نصت عليه اتفاقية الإطار العام للسلام، ومضت الأعوام الانتقالية الخمسة التى يتقرر فى نهايتها مصير الأراضى العربية، دون أن يتحقق شىء.. ثم سقط الرئيس السادات صريعًا برصاص معارضيه فوق منصته العرض العسكرى فى 6 أكتوبر 1981.. ومع أن القوات الإسرائيلية انسحبت فى 25 ابريل 1982 من شبه جزيرة سيناء تقريبًا، إلاَّ أنها تشبثت بمنطقة طابا، أملاً أو عنادًا، حتى قضى فى التحكيم الدولى لصالح مصر. ولم تُسْتَأنف الجهود للتوصل إلى تسوية على الجبهة الفلسطينية حتى بداية عام 1985.. ولكن ما إن بدأت هذه الجهود، حتى سرعان ما تعثرت، وبذلك صدق ما قاله عبد الناصر منذ ربع قرن سالف من أنه «لابد أن نتحد ولابد أن ننبذ الخلاف، لأن أمامنا قضية من أصعب القضايا». منذ منتصف الثمانينات، وضح بجلاء أننا لا ننطلق من قاعدة عمل صلبة، على المستويين العربى والفلسطينى، وخلال السنوات الخمس الأخيرة بعد 1982، بدا أن عالمنا العربى يغوص تدريجيًا فى بحر الرمال الناعمة.. ويبدد قواه فى الحرب الأهلية فى لبنان، وفى معارك العراق وإيران، ويواجه صورًا عديدة من أعمال الإرهاب. لم يكن الإرهاب آنذاك كما الإرهاب الذى نراه اليوم فى القرن الواحد والعشرين، ومع ذلك تنبأ حافظ إسماعيل بتداعيات هذا الإرهاب التى بدأت تطل، لمن يتأمل ويحلل، فضلاً عن تآكل القدرات الاقتصادية وتصدع الجبهات الداخلية للبلدان العربية. فى ساحة العمل الفلسطينى، كانت القيادة الفلسطينية تتقاسمها تيارات متنوعة، وتنبئ عن صور متعددة لحركتها.. بينما الشعب الفلسطينى مشتت وعناصره موزعة.. وها هى الأمـور قـد تفاقمت اليوم حتى بتنا نرى حماس الفلسطينية تضرب فى مصر الدولة وفى مصر الوطـن وفى مصر الشعب. وإزاء هذا التشتت الفلسطينى والصراعات الداخلية، كانت إسرائيل تتمتع بحرية الحركة وتتابع معركتها بعون الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها التى لم تتحول عنها أبدًا، يعزز مركزها تفوقها الذى يضمنه اتفاقها الاستراتيجى مع الولايات المتحدة، وقدراتها النووية، فى الوقت الذى تمارس فيه الضغوط والعرب مشتتون بعد عزل مصر لتخفيف القيود بل وإطلاق الهجرة اليهودية من شرق أوروبا إلى إسرائيل. يومها، وقبل أن تنجلى الصورة على ما نراه الآن، قال حافظ إسماعيل إن دعوة إسرائيل للتفاوض والتسوية، هى فى الحقيقة دعوة للتسليم، كيما تحصل إسرائيل على الاعتراف العربى بما حققته من أحلام الصهيونية بابتلاعها الأراضى العربية المحتلة، ودون أن تعطى فى المقابل شيئًا، ومن خلال مماطلات متعددة الصور، وسوف تتعدد، تروج لمقولات من وراء بل وأمام الكواليس بأنها لم تطأ أرضًا أجنبية، وإنما عادت إلى وطنها!!! لقد تحملت مصر كما تحملت دائمًا، مسئولية خاصة تجاه «المعركة» لتسوية وتأمين حقوق الشعب الفلسطينى، وإزاء العالم العربى، وما لم تكن مصر فى القلب قادرة على أن تلعب فيما قال الرجل دورًا مؤثرًا وفعالاً، فإن الدور المصرى يفقد قدرته الفاعلة المجدية، وقد للأسف كان، وفقدت مصر دورها المؤثر الفاعل فى قلب الوطن العربى، وتجرأت عليها وعلى حياة شعبها فصائل فلسطينية ضحت مصر من أجلها بالكثير من الدماء والأموال! يتوقف حافظ إسماعيل ليقول إن تجربتنا المتميزة علمتنا أن عناصر النجاح تكمن فى طبيعة القيادة التى تدير الصراع، وقدرتها على تحديد الأهداف والأسبقيات بوضوح، ثم بتصميمها وإصرارها على متابعتها دون أن تتخاطفها المعارك الهامشية، وبحشدها لعناصر القوة لدعم العمل الوطنى، وأخيرًا بتوفير جهاز مُحكم وكفء قادر على تلبية احتياجات المعركة وإدارتها.. فهل وفرنا ذلك؟!. يعقب حافظ متنبئًا بأن الأحداث 1987/1986 تتوالى فى منطقتنا بإيقاع عال حتى تكاد تصعب متابعتنا لها، وحتى يكاد يتحدى تطورها المفاجئ منطق التحليل وموضوعية التقييم.. وقـد للأسف كان، مما جعلنا أسرى فى عالمنا العربى لرد الفعل، على ما يدور حولنا، دون أن نملك إرادة وقدرة الفعل وتحريك الأمور فى الاتجاه الذى يحقق مصالحنا. قد كان يمكن للتعدد والتباين أن يصير فيما يقول من أسـباب القوة العربيـة لا ضعفها، لو أننا طوعنا هذا التنوع لخدمة أهدافنا، وأحسنّا تنسيق حركتنا جميعًا على كل طرق الاقتراب من مشاكلنا، ولكننا للأسف لم نفعل، ولم نلتقط الإشارة، ومضى بنا الشتات حتى الثمالة، فتفرقت الأمة العربية شيعًا متناثرة مبعثرة لا قوة لها ولا قدرة على الفعل. وبدا أن الرجل فى آخر كلمات الكتاب قد فقد الأمل فى الحكام والقادة، فطفق يومئ إلى واجب شعوبنا فى التقدم لحمل الأمانة، والتصدى لصور القهر، بكفاح مستمر، ونضال مرير، حتى تحقق أهدافها فى الحرية، والسلام ، والرخاء. (يتبع)