الأنصار العطاء والإيثـار (77)

رجائى عطية: أتت الأخبار إلى المدينة، بأن قريشًا نقضت العهد الذى أبرمته مع المسلمين فى الحديبية، وأن أشرافًا من قريش قد أعانوا بنى نفاثة وبنى بكر بالرجال والسلاح ليغيروا على...

رجائى عطية:

أتت الأخبار إلى المدينة، بأن قريشًا نقضت العهد الذى أبرمته مع المسلمين فى الحديبية، وأن أشرافًا من قريش قد أعانوا بنى نفاثة وبنى بكر بالرجال والسلاح ليغيروا على «خزاعة»، فأغاروا عليها وأعملوا فيها القتل والسبى، حتى لام الحكماء من قريش المغيرين والمحبذين لهم على ما فعلوا مخافة رد فعل المسلمين، وقال سهيل بن عمرو وعكرمة بن أبى جهل إن هذه الإغارة نقض للعهد الذى بين قريش ومحمد، ولن تحمد عقباه!


ويقول الرواة إن النبى ﷺ استقبل الخبر بغضب شديد، وقال لمن استوضحوه إن قريشًا نقضت العهد لأمرٍ يريده الله، ثم ما لبث حين فرغ عمرو بن سالم الخزاعى من رواية ما لحق بهم من غدر قريش أن قال عليه الصلاة والسلام للخزاعى مواسيًا: «نُصرت يا عمرو بن سالم.. لا نصرنى الله إِنْ لم أنصر بنى كعب!» ونهض عليه الصلاة والسلام غاضبًا وهو يجر رداءه، وقال للمسلمين «لا نُصـرت إن لـم أنصـر بنى كعـب مما أنصر منه نفسى.. والذى نفسى بيده لأمنعهم مما أمنع منه نفسى وأهل بيتى».. ثم عاد فالتفت إلى عمرو بن سالم قائلاً: «ارجعوا يا عمرو وتفرقوا فى الأودية» فأجاب عمرو: «نفعـل إن شـاء الله حتى يقضى الله أمـره يا رسول الله» وقبل أن ينصرف النبى ﷺ إلى بيته، التفت إلى أصحابه فقال لهم: «لكأنكم بأبى سفيان قد جاء يقول: جدد العهد وزد فى الهدنة، وهو راجع بسخطة!!»

● ● ●

اضطربت قريش اضطرابًا شديدًا بعد ورطة النكوث بالعهد، واجتمع كبارها بمنتداهم يتشاورون ماذا هم فاعلون توقيًا لرد فعل المسلمين، فتحدث عبد الله بن أبى سرح بأن محمدًا لن يغزوهم حتى يعذر إليهم، واقترح أن تبادر قريش، بأن تؤدى دية قتلى خزاعة الذين بلغوا ثلاثة وعشرين قتيلاً، أو أن تعلن تبرأها من بنى نفاثة الذبن نقضوا الصلح، واقترح البعض أن تجحد قريش هذا الأمر وتؤكد أنها لم تدخل فى نقض عهد أو قطع مدته وأن من فعلوا ذلك فعلوه بغير موافقة منها أو مشورة معها.. وزاد من اضطراب وقلق قريش أن الأخبار جعلت تترى وتتجمع بأن الانتصارات تتحقق تباعًا لمحمد وللمسلمين، وأن قبائل شبه الجزيرة العربية قد باتت تتحدث عن هذه الانتصارات ولا تخفى خشيتها ممزوجة بالإعجاب بما يحققه المسلمون.

ووسط هذا الاضطراب، أتى إلى دار الندوة بظاهر الكعبة، الحارث بن هشام وعبد الله بن أبى ربيعة، فأبديا لأبى سفيان أنه لا بد من إصلاح ما وقع، وإلاَّ سوف يروعهم محمد.. ولم يخف أبو سفيان أن زوجته هند بنت عتبة قد رأت رؤيا كرهتها وأفظعتها وخافت من شرِّها، وأنه يتفق معهما فى الرأى، وأن محمدًا لا بد غازيهم إن صدقه ظنه، وأنه لا بد له أن يأتى محمدًا فيكلمه فى أن يزيد فى الهدنة ويجدد العهد.. فوافقه المجتمعون وانصرف الجمع من قريش على هذا الرأى.

● ● ●

وعلى ساحل البحر، كانت سرية للمسلمين قد خرجت بقيادة أبى عبيدة بن الجراح فى نحو ثلاثمائة من الأنصار والمهاجرين، قاصدين حىّ جهينة بالقبليّة مما يلى ساحل البحر على خمس ليالٍ من المدينة.. وتحدث الركبان بأن السرية على قدر ما واجهته من صعاب، حتى اضطرت لأكل أوراق شجر الخبط، عادت إلى المدينة سالمة موفورة واستقبلها المسلمون بالأفراح والتكبيرات، وتسامعت بذلك الأعراب.. ولم يجد أبو سفيان بعد توالى أنباء انتصارات المسلمين، وخوفه من رد فعل المسلمين على النكوث بعهد الحديبية والإغارة على خزاعة لم يجد بدَّا من أن يزمع أمره ويشد الرحال إلى المدينة ليكلم محمدًا ﷺ عسى أن ينجح فى حثه على تمديد الهدنة وتجديد العهد.

(يتبع)