ما يراه «الناس» وما يراه «الإخوان»!

محمود كامل : فى مصر، أو فى أى بلد آخر، لا يمكن أن يكون أحد فصائل المجتمع أقوى من الدولة مهما كان عدد أتباعه، ومهما كان عدد المريدين أو المتعاطفين،...


محمود كامل :

فى مصر، أو فى أى بلد آخر، لا يمكن أن يكون أحد فصائل المجتمع أقوى من الدولة مهما كان عدد أتباعه، ومهما كان عدد المريدين أو المتعاطفين، خاصة إذا كان هذا الفصيل من بين جدول أعماله هدم الدولة التى ينتمى إليها عشرات الملايين من البنائين، بينما لا تزيد «أعداد العصاة» على بضعة آلاف أو بضعة ملايين على أسوأ تقدير من المنتمين إلى تيار يتمتع بكراهية شعبية هائلة، تبدو بجلاء فى تصدى جحافل من هذا الشعب - فى كل مدينة وحى أو حارة إلى «فصائله العاصية» فور أن تبدى ملامح ذلك العصيان لأى سبب، وفى أغلب الأحيان.. بلا سبب!

ومن المنطقى ألا يكون الفرع بأى شجرة أقوى من الشجرة الأم نفسها، التى لولا وجودها ما كانت هناك أفرع.. ولا حتى أوراق للشجر، حيث يصبح كل الموضوع أوهامًا.. فى أوهام.

ويعيش إخوان السوء فى مصر داخل أوهامهم القديمة منذ أيام «حسن البنا» بأنهم إنما جاءوا مصر من رحم المجهول الإرهابى لهداية أمة علمت أقطار الأرض - حتى من قبل ظهور الأديان - معنى الإيمان بالله الواحد بداية بالفرعون المصرى «اخناتون» الذى رد المصريين عن «عبادة الشمس» إلى عبادة «الواحد الديان» ضمن مقدمة مبهرة سبقت كل الأنبياء والرسل ومهدت لهم قبلها بسنوات طويلة بتجهيز الأرض المصرية التى كان أهلها يتوقون إلى الوحدانية بإيمان ولدوا به لا يقبل أصنامًا ولا أوثانًا، مهما بالغ الكهنة فى فرض تصوراتهم النفعية والبلهاء على التابعين بتقديم «القرابين» إلى هؤلاء الكهنة نيابة عن آلهة المجهول الذى يدعون إليه بأسماء عدة استفادة بعوائد تجارة تلك القرابين، ليصبح بها هؤلاء الكهنة هم أكثر الناس ثراء وسط شعب فقير، ولكنه مؤمن بإله واحد لم يهتدوا إليه طوال وجود هؤلاء الكهنة النصابين على سطح حياة «الإيمان البدائى» فى مصر المحروسة!

ورغم كل الخداع الكهنوتى فإن المصريين - أيامهم - لم تكن نفوسهم مرتاحة لما يدعوهم إليه هؤلاء الكهنة مهما زينوا معابدهم بكل ما يجذب إليها جموع المصريين الباحثين عن الإيمان والمشتاقين إليه، وهو ما أصاب الكهنة بإحباط كبير بسبب قلة إيرادات تلك المعابد عما كان ينتظره منها هؤلاء الكهنة المضللون والذين كان أغلبهم يموت «من التخمة» بينما يموت أتباعهم من المصريين من الجوع، حيث خصصوا كل موارد حياتهم لإرضاء الكهنة بحثًا عن «صكوك الغفران» التى تضمن لهم - وهما - حياة أبدية فى الجنان بعيدًا عن الكفار الذين منعهم الفقر من شراء تلك الصكوك، ولو عاد أى من هؤلاء الذين اشتروا تلك الصكوك إلى الحياة من جديد لقالوا لنا إن الجنة مملوءة بكل الذين لم تكن فى طاقتهم المادية القدرة على شراء الغفران، ذلك أن الله هو «الغفور ذو الرحمة» الذى لا يقبل أبدًا أن تدنس جناته أقدام «المتاجرين» بآلام الناس.. وبفقرهم!

نعود مرة أخرى إلى حديث الدولة.. والفصائل لنناقش «الضلال» المطروح الآن على الساحة المصرية بوجوب التصالح بين العصاة والدولة، فى تصور شرير بإمكان حدوث ما يدعون إليه، ناسين أن الدولة.. دولة، وأن كل ما عداها مواطنون تابعون، وأن هناك فارقًا هائلاً بين حجم الدولة، وحجم الأفراد، وهو ما يمنع، بل يحرم أن تجلس الدولة مع أحد على مائدة واحدة لبحث أوجه الخلاف، ففى ذلك الجلوس إيهام بتساوى قيمة الطرفين، المناقِش بكسر القاف، الذى هو المواطن، والمناقَش بفتح القاف الذى هو الوطن الذى من حقه وحده أن يتخذ من القرارات ما يرى فيه صالح المواطنين، وإن تصور أحدهم أو أفراد منهم أن من حقه أن يفرض على الدولة رؤيته الضيقة المرتبطة بمصالح شخصية بما يمثل جرأة على الدولة تهدر قيمتها وسيطرتها على الجماهير، وتحولها إلى كيان هلامى لا يستحق الاحترام، فى تهديد خطير لوجود الدولة التى تقع عليها وحدها مسئولية حماية جموع المواطنين من «قلة فاسدة» تسعى - دون أى نجاح - بأن تفرض - حتى ببلطجة الشوارع - ما تراه لصالحها على جموع غفيرة ترى أن كل ما تراه تلك الفئة الضالة يهدد الوجود المصرى نفسه!