من أرشيف الذكريات ( 97 )

رجائي عطية : مكث حافظ إسماعيل بديوان عام وزارة الخارجية، منذ عودته من موسكو فى مارس 1976 بناء على طلبه إعفائه من منصبه هناك حين بدا أنه لا عمل له...


رجائي عطية :

مكث حافظ إسماعيل بديوان عام وزارة الخارجية، منذ عودته من موسكو فى مارس 1976 بناء على طلبه إعفائه من منصبه هناك حين بدا أنه لا عمل له هناك للبناء، واستمر الرجل لنحو عام بديوان الوزارة، قبل أن يتخذ الرئيس السادات قراره بتعيينه سفيرًا لمصر فى باريس، وكان قد شغل هذا المنصب من تسع سنوات سفيرًا للرئيس جمال عبد الناصر بالعاصمة الفرنسية .

وحين استقبله الرئيس السادات فى منتصف ابريل 1977 قبل سفره إلى باريس لاستلام مهام منصبه الجديد، كان الرئيس السادات عائدًا من أيام قليلة من رحلة للولايات المتحدة وأوروبا، توقف خلالها فى باريس حيث اجتمع بصديقه الرئيس جيسكار ديستان، وكانت هذه رابع زيارة له فى باريس خلال العامين الأخيرين .

فمنذ منتصف 1974، أخذت باريس تستعيد ثقلها فى علاقات مصر الخارجية، وصارت القاهرة تحتل مكانة هامة فى سياسة فرنسا الخارجية، وربما جاء ذلك- فيما يسوق حافظ- انعكاسًا لحديث جرى بالقاهرة فى نوفمبر 1973 بينه وبين السفير الفرنسى دولوس ذكر له فيه حافظ ردًّا على إبدائه اهتمام فرنسا بالمشاركة فى المفاوضات التى ستجرى لتسوية النزاع العربى الإسرائيلى بأن فرنسا يمكنها دائمًا تعزيز وجودها السياسى لو عنيت بتطوير التعاون الثنائى، ويبدو أن فرنسا لم تتجاهل هذا الرأى، فقد بدأت العلاقات الثنائية فى التطور، وساهم فى تطورها الصداقة التى تمت بين الرئيسين المصرى والفرنسى .

وفى لقائه بحافظ إسماعيل، تحدث إليه الرئيس السادات عن علاقته بالرئيس ديستان، فوصفها بأنها صارت صداقة وطيدة وخاصة وعائلية وممتازة .. والواقع أن هذه الصداقة صارت قوة دافعة وراء تنمية التعاون بين البلدين، وخلال بضعة أعوام نسجت من حول علاقات الرئيسين دائرة واسعة من الارتباطات بين البلدين فى جميع مجالات النشاط السياسى والعسكرى والاقتصادى والثقافى، بينما ارتفع إلى مستوى العلاقات « الخاصة » تعاونهما فى منطقة الشرق الأوسط وفى إفريقيا لتحقيق أهداف الأمن القومى للبلدين .

وعلى طريق تخلى مصر عن علاقاتها التقليدية بالاتحاد السوفييتى، توقفت بطبيعة الأمور عند باريس .. ففرنسا قوة سياسية واقتصادية لا يُستهان بها وإن لم تبلغ قدر القوتين الأعظم، ورشحها إستقلال سياستها لأن تتوقف مصر عندها فى طريقها إلى العالم الغربى، عزز ذلك مواقفها المتقدمة بالنسبة للصراع العربى الإسرائيلى، واستعدادها للقيام بمبادرات داخل المجتمع الأوروبى .

ولا شك أنه كان إلى جانب التزام فرنسا بهذه المبادئ، عواطفها تجاه بعض الشعوب العربية، إلى جوار مصالحها الخاصة التى تتجاوز ضمان الرفاهية إلى تحقيق أمنها القومى، وعلى هذا أصبح انفتاح فرنسا على العالم العربى أحد الخطوط الرئيسية لسياستها عندما بدأت مهمة حافظ إسماعيل لديها منتصف عام 1977.

ومن ناحية أخرى، فإن واردات فرنسا من بترول الخليج العربى، كانت تمثل آنذاك %80 من استهلاكها، واستلزم ذلك أن تترجم علاقاتها العربية إلى تصدير للأسواق العربية خاصة من الأسلحة لتحقيق التوازن لميزان مدفوعاتها، وهكذا وجدت فرنسا فى مصر « حليفًا » يتربع فى قلب العالم العربى، ولديه الإستعداد، والقدرة، على التحرك إلى قلب الشرق الأوسط، وإلى قلب إفريقيا .

وكان الرئيسان، المصرى والفرنسى، قد أصدرا خلال زيارة ديستان الرسمية للقاهرة فى ديسمبر -1975 أصدرا «إعلانًا عن الصداقة والتعاون »، وفى نهاية 1976 صرح دى جيرينجو وزير الخارجية الفرنسى بأن هناك فرصًا جيدة للدعوة لمؤتمر جنيف، وأن الفرصة قائمة فى إطار هذا المؤتمر لوضع تسوية تراعى وجود إسرائيل وحقوق الفلسطينيين المشروعة والإعتراف لهم بالتالى بأساس إقليمى لدولة، وضمان حدود آمنة لجميع دول المنطقة .

بيد أن فرنسا صارت بهذا هدفًا لضغوط، أمريكية فى الأساس، للحد من تطرفها فى هذا الاتجاه، فى الوقت الذى فرضت عليها أزمتها الاقتصادية والاجتماعية ضرورة التعاون مع الولايات المتحدة . وفى يناير 1977، أثار نائب الرئيس الأمريكى فى لقائه بالمسئولين الفرنسيين موضوع مبيعات الأسلحة الفرنسية للدول العربية، ومطالبًا فرنسا بعدم اتخاذ مواقف مستقلة فى قضية الشرق الأوسط.

وللأسف، بدأت فرنسا تنزلق تدريجيًا للاستجابة للقوى الضاغطة عليها، وفى يناير 1977، تلاحظ أن بيان الرئيس ديستان فى نهاية زيارته للسعودية قد اقتصر على تأكيد المبادئ العامة للتسوية، بينما أغفل مسألتى القدس والاساس الإقليمى والشكل القانونى للوطن الفلسطينى .

وفى رحلة وزير الخارجية الفرنسى لبعض الدول العربية فى فبراير 1977، اكتفى بأن يكون مستمعًا أكثر منه متحدثًا، وخلال زيارته للقدس، امتنع عن ذكر « الدولة الفلسطينية »، بينما سلم لإسرائيل بإمكان إجراء ما أسماه « تصحيحات صغيرة » على حدود 1967 .

ومع ذلك وجدت العلاقات المصرية الفرنسية مجالاً آخر للازدهار، ففى مطلع ابريل 1977 احتلت مشكلات إفريقيا مكان الصدارة فى اجتماع السادات وديستان فى باريس، كما أصبحت موضوع نقاش الرئيس السادات فى زيارته للولايات المتحدة .. فمنذ عام 1974، اعتبرت فرنسا نفسها مسئولة عن التصدى لاختراق الاتحاد السوفييتى لأفريقيا، والعناية بأمن القارة، وفى ربيع 1977، كانت أكثر المشكلات إلحاحًا هى غزو منطقة « شابا » فى جنوب زائير، واستيلاء الثوار على مدينة « كولويزى » حيث أغنى أقاليم النحاس فى العالم، وبناء على اعتبار ديستان أن الولايات المتحدة لا يمكنها التصدى لهذا الغزو- فقد اقترح أن تبعث زائير إلى المغرب ومصر لنجدتها . وقد أيد الرئيس السادات قرار المغرب بدعم قوات زائير، ووعد بإرسال مجموعة عمليات مصرية لدراسة الموقف واقتراح مجالات التعاون، فى إطار اعتباره أن غزو زائير من قواعد أنجولا بدعم من الاتحاد السوفييتى يعد تهديدًا مباشرًا للسودان، ومن هنا بدأت علاقات مصر وفرنسا على المستوى الاستراتيجى.

***

كان هذا هو مجمل الموقف الذى حلله ورصده حافظ إسماعيل وهو يتأهب لبدء مهمته للمرة الثانية بالعاصمة الفرنسية، ولكنه هذه المرة قد صار- فيما يقول- أكثر معرفة ونضجًا وحكمة وثقة بحصاد السنوات التسع التى مرت، يغذيها أن علاقات البلدين تشهد فترة إزدهار يغذيها توافق الرئيسين وعلاقاتهما الشخصية، دون أن يفوته ما بدأ يتسلل من احتمالات تغيير السياسة الفرنسية، لتصبح أقل انحيازًا لنا، وان كان الرئيس السادات يعتقد أن التقارب الفرنسى الإسرائيلى يمكن أن يصب لصالحنا من خلال قدرة فرنسا على التأثير فى المواقف الإسرائيلية.

يروى حافظ إسماعيل، أن الرئيس ديستان استقبله فى قصر الاليزيه فى 28 ابريل 1977 ليقدم أوراق اعتماده، وانه قد آثر أن يستمع منه الرئيس الفرنسى إلى بعض الملاحظات حول علاقات البلدين، فأبدى له :

● حاجتنا إلى الدعم الاقتصادى لتجاوز أزمة مؤقتة تمر بنا، وأننا لذلك نتطلع إلى إسهام فرنسى طويل المدى .

● أنه مع تقديرنا لدعمهم لنا فى مجال التسليح، فإننا نرى ألا يكون العامل التجارى هو أساس التعامل الذى نأمل أن يكون فعالاً ومستمرًا .

● اتفاقنا على إخراج أفريقيا من دائرة الصراع العالمى، وتقديرنا لاقتراحه بالتعاون الأفريقى الأوربى، وتطلعنا لامتداده إلى منطقة الشرق الأوسط .

وخلال الأسابيع التالية، طفق حافظ إسماعيل يوسع دائرة اتصالاته داخل « الكاى دور ساى » ووزارات الدولة الفرنسية المعنية بمختلف جوانب العلاقات الفرنسية المصرية، وأيضًا مع قطاعات الأحزاب الفرنسية فى المجلس الوطنى، وعقد عدة لقاءات بالشخصيات الفرنسية التى كانت تحتل مركزًا مرموقًا أيام ديجول وبومبيدو .

ولكن سرعان ما داهمت الأحداث خلال الشهور السبعة التالية، فبينما سلمت فرنسا بالمبادرة للولايات المتحدة، وتراجع دورها فى الشرق الأوسط جاءت إلى الحكم فى إسرائيل وزارة تنتمى لليمين المتطرف، وتحركت مصر على طريق التسوية السياسية . وكان ذلك بداية إفتراق طريقى مصر وفرنسا .

(يتبع)