الأنصار العطاء والإيثـار

رجائى عطية : استقبل الأنصارى هلال بن أمية خبر نزول آيات سورة النور بالسكينة والرضا، فإنه ليعلم أنه صادق، وأن حدّه يظلم ما شاهده بعينه، وهو لم يكذب ولم يفتر...


رجائى عطية :

استقبل الأنصارى هلال بن أمية خبر نزول آيات سورة النور بالسكينة والرضا، فإنه ليعلم أنه صادق، وأن حدّه يظلم ما شاهده بعينه، وهو لم يكذب ولم يفتر كذبًا.. وها هى الآيات البينات تقيم حجة بينه وبين زوجته التى رآها تخونه.

لذلك تلقى بالترحيب استدعاء النبى ﷺ له ولزوجته، فقد طفق عليه الصلاة والسلام يتلو عليهما ما تنزل من القرآن، ويذكرهما ويخبرهما أن عذاب الآخرة لمن يحنث فى يمينه أشد من عذاب الدنيا.. فيبادر هلال قائلاً: «والله يا رسول الله لقد صدقت عليها»، بينما تصمم زوجته على أنه كذب، فيأمر النبى ﷺ صحابته أن يلاعنوا بينهما وفقًا لما بينته الآية، فيطلبون إلى هلال أن يشهد، فيشهد أربع مرات إنه لصادق، فيستمهله الصحابة ويبصرونه ويفطنونه قبل أن يشهد الخامسة، وينصحه أحدهم مستوقفًا: «يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التى توجب عليك العذاب!» فيجيبهم هلال فى ثقة واطمئنان، يقول: «والله لا يعذبنى الله عليها كما لم يجلدنى عليها» ثم يستأنف شاهدًا: «أشهد الله إنى لصادق، ولعنة الله علىّ إن كنت من الكاذبين».

بيد أن الزوجة تصمم على إنكارها، فيسألها الصحابة أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فتشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين، وبقيت الخامسة، فيلحظ الصحابة أن الزوجة تمهلت قليلاً، لا يدرون أهى تلتقط أنفاسها أم هى مترددة.. ويبصرها أحدهم ناصحًا:

«اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، إن هذه الموجبة هى التى توجب عليك العذاب».. بينما الزوجة واجمة قد إزداد ترددها، حتى ظن الحاضرون أنها ستعدل عن الخامسة، وقد بدا عليها بلبلة الخاطر كمن تدبر فى نفسها أمرًا.. ولكنها بعد برهة، خرجت من ترددها وحزمت أمرها، وقالت: «أشهد بالله أنه لمن الكاذبين وغضب الله علىّ إن كان من الصادقين».

فوجئ الحاضرون، وعلتهم الحيرة، وركبهم الصمت كأن على رؤوسهم الطير، فشق النبى ﷺ هذا الصمت ونادى فى المسلمين أن يفرقوا بينهما، فلا عادت هى له زوجة، ولا عاد هو لها زوجاً.. ثم يستأنف الرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام محذرًا: «لا يدعى ولدها لأب، ولا يُرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد».

تغشى الارتياح من حضر هذا المشهد من المسلمين، واطمأنوا بما أفاضت به السماء وعلمهم الرسول ﷺ.. وجعل الحاضر منهم يخبر الغائب بما تنزل من السماء فى شأن اللعان، ويتصل الخبر بسائل من الأنصار وبآخر يدعى «عويمر».. يشكرون الله تعالى على ما فتح به مغاليق ما كانوا فيه من حيرة وتخبط وتخليط!

***

وفى فجر أحد أيام جمادى الأولى للسنة السادسة للهجرة، تفجأ زينب بنت الرسول ﷺ، بأن زوجها أبا العاصم بن الربيع الذى فرق الإسلام بينهما، قد جاء يطرق باب البيت النبوى مع نسمات الفجر وقد قام النبى ﷺ والمسلمون للصلاة، ثم ما لبث القادم على غير موعد، أن روى لزينب، أم أولادهما، أنه كان ضمن قافلة قريش، فالتقوا بسرية بقيادة زيد بن حارثة، فتناوشا وشب بينهما قتال، ولكنه إنفلت هاربًا وجاء إلى المدينة ينشد أم أولاده: زينب، وأباها رسول الله.. فأجارته زينب، وقالت لأبيها كالمعتذرة: «يا رسول الله، إن أبا العاص إن قرب فابن عم، وإن بعد فأبو ولد.. كان من وفائه لنا ما قد علمت.. وإنى قد أجرته يا أبتاه»، فأجابها الرحمة المهداة ﷺ فى حنان الأبوة: «أى بنية، أكرمى مثواه، ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين لـه». فطمأنت زينب أباها أنها تعلم وتدرك ذلك، بيد أن أبا العاص وقد ذهب رفقة الرحمة المهداة ﷺ إلى المسجد النبوى، وَمَنَّ عليه المسلمون بإطلاق سراحه بغير فداء، وطفق وحيدًا يمشى فى الصحراء فى طريقه إلى مكة، تغشته ذكريات صدق وأمانة وإستقامة الرحمة المهداة ﷺ وأياديه عليه، وطفق يذكر كم هو صادق، وكم كان على الدوام رحيمًا به عطوفًا عليه.. وجعل أبو العاص يقول لنفسه: «ما يفعل هذا بشر..»، ثم تحدثه نفسه بأن ما يراه منه هو أخلاق النبوة، ثم يهتف به الخاطر: «فلماذا يا أبا العاص لم تسلم بأمس.. لقد عرضوا عليك بالأمس أن تسلم؟!» ولكنه يستطرد محادثًا نفسه أنه لو أسلم وهو بين ظهرانيهم لتأولت قريش إسلامه، وعنده ودائع لابد أن يردها أولاً إلى أصحابها.. ويمضى أبو العاص إلى مكة، فيرد الودائع إلى أصحابها، ويستخلص نفسه من قريش، وينوى أمره، فيشد الرحال إلى المدينة ليعلن حرًّا مختارًا، إسلامه بين يدى الرحمة المهداة ﷺ، وسط تكبيرات المسلمين بالمسجد، وغبطة البيت النبوى والمسلمين، بدخوله باحة الإسلام، وعودته إلى زوجة أم أولاده زينب بنت الرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام.

(يتبع)