معاملة الحكومة (دهشور)

نجوى صالح : يا سيدى، إمبارح كان البساط أحمدى، جلسة اجتماعية دعينا إليها فى قرية دهشور منبع الكوارث الأخيرة .. صاحب الدعوة مصرى يعيش فى فرنسا، يهتم بالآثار بشكل عام،...


نجوى صالح :

يا سيدى، إمبارح كان البساط أحمدى، جلسة اجتماعية دعينا إليها فى قرية دهشور منبع الكوارث الأخيرة .. صاحب الدعوة مصرى يعيش فى فرنسا، يهتم بالآثار بشكل عام، إذ كان يشغل منصب الرجل الثانى فى مؤسسة كريم أغاخان العالمية، لإعادة ترميم التراث الشرقى فى العالم العربى .

يأتى إلى مصر فى فصل الشتاء، اختار بقعة من أجمل بقاع مصر وهى ضاحية دهشور المكتظة بالنخيل على مدى البصر، ولكن هناك فى الأفق البعيد بدأ الزحف العمرانى .

وكأنما ليست هناك حكومة «تحدب » على الثروة القومية - النخلة تستغرق 25 عاماً حتى تعطى ثماراً - المهم هذه الجلسة كانت تضم سيدة مصرية وزوجها بيتهما يتشارك فى الحديقة نفسها مع الداعى وبيت ثالث يشغله أحد المحكمين الدوليين (محام ).

وفى جزء فضاء من الأرض تشاركوا فى حوالى مساحة قيراطين لزراعة الخضراوات الموسمية من دون كيماويات .. كل هذا على مساحة كلية لعشرة قراريط .

(ليت الشباب المصرى يبدأ فى هضم وأهمية قيمة التعاون فى الحياة ). هذه الأرض تطل مباشرة على أهرامات سنفرو والد «خوفو » صاحب الهرم الأكبر، وتتكون من هرم سنفرو، والهرم الأحدب، وهرم الطين الذى تهدم منه جزء كبير .

شاركنا فى هذه الجلسة أربعة من أهالى القرية أحد السماسرة - عم على - وهو الذى باعهم الأرض، وشيخ التراجمة - عم جرجس - ويلجأ إليه أهل القرية، مسلمين وأقباطاً، لاستشارته فى مشاكلهم، واثنان من الخفراء من الشباب المتعلمين، صالح، وعبدالباسط .

تدور الحكاوى الحزينة مع أكواب الشاى بالنعناع الطازج .

الموضوعات السياسية هى محور الجلسة .. تلك الحوادث المتتالية الفاجعة التى أصابت أهل دهشور على وجه الخصوص بألم لا يبرح يتجدد فى الأحشاء فى صمت .. البوح هنا .. فى اللا جدوى .

فى زمن مرسى، حادثة القطار الأول، كان يحمل جنود معسكر الجيش فى دهشور وانقلب بهم عند المزلقان، والذى يليه مباشرة ترعة المريوطية، وكانت كارثة وقف فيها الإسلاميون للفرجة .. ؟ !

ثم كارثة القطار الثانى منذ عدة أيام، انقلب عند المزلقان نفسه .. وراح ضحيته 27 قبطيا من أسرة واحدة كانوا عائدين إلى دهشور من أحد الأفراح، ويعيد «عم على » قول أحد الناجين والذى يعرفه بشكل شخصى، اسمه «مراد يوسف » وهو يقول بعد فقد أفراد عائلتى، الأب، والأم، والأخت، والزوجة، والأولاد الثلاثة، ياريتنى مت عشان مشوفش اليوم ده، والأنكى حعيش إزاى .. ؟

وشرح «عم جرجس » متناوباً مع «عم على » وباهتزاز رؤوس الخفيرين بالموافقة، التحول التدريجى الذى حدث فى دهشور منذ 15 سنة، إذ كانت متأخرة بسنوات عن القرى المجاورة، البدرشين ومزغونة اللتين كانتا تكتظان بالإخوان والسلفيين .

هذه البلدة متقدمة حضارياً، كانت أكثر نظافة من مثيلاتها .. تحولت إلى مزبلة .. هى بداية خط الصعيد، على حدود الصحراء والآثار، يتعامل أهل البلد إما فى الزراعة وإما فى السياحة، متعاونين مع البعثات الأجنبية المتعاونة مع مصلحة الآثار للتنقيب فى هذه المنطقة البكر التى ما زالت غير مدرجة على الخريطة السياحية فى مصر .. إذ يأتى إليها السائح المثقف أثرياً .

وتتالت الكوارث على هذه القرية بالتدريج .. بدأ كثير من الغرباء يستوطنون دهشور، إخواناً أو سلفيين فى هجمة مفاجئة .. وقد أفسح لهم الأهالى من دون «خوانة » ، وكانت الحادثة الطائفية فى 2012 إبان حكم مرسى، والتى أحرق فيها السلفيون والإخوان منازل المسيحيين وقد استضافتهم الأسر المسلمة الأُصلاء فى القرية وليسوا النازحين .

وألفت النظر إلى أن المرأة فى دهشور غير متشددة فى ملبسها تعمل بجانب الرجل ورفضت فى وقت مرسى أخذ رشاوى الزيت والسكر .. وانتخبت عمرو موسى .

ومنذ عهد مرسى أغار عليها السلفيون من البلاد المجاورة واستوطنوا سفح الأهرامات وأشاعوا أنهم يبتغون قبوراً واتضح أنها أسوار لستر التنقيب عن الآثار يبيعونها لمصريين وأجانب، يعنى حرامية بلا خجل .. وأين الحكومة .. ؟ قصر الكلام .. الحكومة تتعامل معنا - فى تكرار الكوارث - مثلما يمرنون فى البيوت الحيوان الأليف، قطة أو كلباً، على القيام بحاجتها فى المكان السابق نفسه .