أما حرب الاقتصاد؛ فأحد أدوات النزاع بين الدول، التى تتجاوز القوات المسلحة للدولة لاستهدافٍ كاملٍ لاقتصادها، فيكون الإضرار به إضرارا مباشرا بقدرتها على خوض الحرب. وأما اقتصاد الوز؛ فأقصد به اقتصاد الظل أو الاقتصاد غير الرسمى، أو الاقتصاد غير المنظم وبه فئات عديدة غير مقننة أو مهيكلة مثل؛ العمال والصناع والحرفيين والتجار الصغار والباعة المتجولين والمدرسين الخصوصيين وسواقى الأجرة والتوكتوك وخدم المنازل والمصانع والورش غير المرخصة وأضيف لهم أصحاب المهرجانات وغيرهم كثير. يتميز اقتصاد الوز بعدم خضوعه للنظم أو الرقابة أو التشريعات الحكومية، فتخرج مدخلاته ومخرجاته من الحسابات القومية، كذلك فهو متهرب من كل الاستحقاقات المفروضة عليه تجاه الدولة كالرسوم والضرائب وتقديم البيانات والخضوع للضوابط والتنظيم إلخ، بل ويستفيد من كل الخدمات الشرعية المقدمة لغيره من القطاعات بلا مقابل!
لإدراك خطورة حجم اقتصاد الظل من الاقتصاد المصرى، فهو يمثل من ٣٥٪ - ٤٠٪ من الناتج المحلى و٥٣٪ من القطاع الخاص، باستيعاب ٨ ملايين مستفيد تقريبا. يتراوح اقتصاد الوز أو الظل من (الاقتصاد الأسود) عندما يتعامل بمنتجات محرمة مثل المخدرات والأسلحة والإتجار بالبشر إلخ، إلى الاقتصاد غير الرسمى عندما يكون تعامله ممنوعا ويستخدم منتجات أو خدمات مسموحة، مثل الدروس الخصوصية والورش غير المسجلة وعقود الباطن غير الموثقة وغيرها.
ورغم عدم تحميل اقتصاد الظل موازنة الدولة إرهاقا مضاعفا، بعدم انتفاع مستفيديه بالخدمات الصحية والتأمينات والتعليم، وتمويل ذاته بذاته، فإن استمرار غياب الرقابة والضبط لهذا الاقتصاد الموازى، يثمر مزيدا من العشوائية بالاقتصاد المحلى، بما يؤثر على المراجعة الصحيحة للواقع الاقتصادى والاجتماعى وضبط معايير الجودة والأسعار والأمن والسلامة إلخ.
أما ربطى اقتصاد الظل باقتصاد الوز، فسببه انتشار (مهرجان شيماء) الذى حقق ١٦ مليون مشاهدة بفترة وجيزة، وفرض على العامة تقديم تجربة مؤديه المنتمى لعالم الظل، بكل مميزاته وعيوبه! مهرجان الوزة البيضاء تعبير صارخ عن تحدى اقتصاد الظل للاقتصاد المحلى، المتمرد على النظم والقواعد والتشريعات والضوابط، لتكون محصلته كسبا ماديا وهوجة إعلامية وتشجيعا شعبيا لمهرجة باقى الطيور والحيوانات، بالتوازى مع كفاح الجهاز المعنى بمحاولات ضبط السوق واستعادة وعى المجتمع. العديد يعتبرون الاقتصاد الأسود قاصرا على منتجات الجرائم المادية كالأسلحة والمخدرات والإتجار بالبشر، ومع ذلك فهوجة المهرجانات لا تقل سوادا عن منتجات المخدرات والإتجار بالبشر، طالما تطول وعيه وفكره وتسطيحه!
خطورة اقتصاد الوز أنه ضرب مباشر لأصحاب الاقتصاد الفنى الحقيقى، من المواهب وجودة الكلمة واللحن والصوت، وأغراض العمل الفنى ورسالته للمجتمع. لن يحل اقتصاد الوز بتحصيل الدولة لضرائبه ورسومه، لأن حرب الاقتصاد الشاملة الحالية امتدت للأصول الفكرية للاقتصاد المصري! الوعى الجمعى لأهل مجتمعه، وضبط سلوكه وقيمه الاجتماعية والعملية وطبقات إدراكه وتكوين ذوقه العام. بدون هجوم أو تحيز فالآثار الناتجة عن مهرجانات الوز لا تقل عن آثار المخدرات، التى لا تحتاج لمؤهلات أو معايير جودة أو منهجية إنتاج مُراقب، ومحصلتها ملايين فى جيوب التجار والموزعين، وإنشاء طبقات اجتماعية تفرض سلوكها ولغتها ومفاهيمها، على قطيع المدمنين لمتعة فصلهم عن الواقع.
سواء الاقتصاد الأسود أو غير الرسمى، نجحا فى انتزاع مصطلح الاقتصاد الموازى، وأصبحا أمرا واقعا، يعين الملايين على استمرار البقاء فى ظروف حرجة، يوجد فيها الكثيرون جدا المستفيدون من وجودهما! إلا أنه بعيدا عن الاقتصاد الأسود، فالاقتصاد غير الرسمى بتمرده على التنظيم والهيكلة والتقنين والرقابة، يسمح بفرض استخدام عشوائية منتجاته فى الاقتصاد الرسمي! والنتيجة منتجات ضبابية غير منضبطة أو مراقبة، يزج بها مستخدموها فى الحياة المنظمة! فمنتجات مهرجانات الوز، أطعمت جيلا بمفردات وصور ولغة وسلوكيات، زادت فى عشوائيته وجرأته وتواكله وتمرده على القوالب الاجتماعية والأخلاقية، وأطعمت الوزازين ملايينا سوداء من جيوب مدمنى السطحية ونجاح الصدفة!
اقتصاد الوز بتحرره من الرقابة والقواعد والقيم والتنظيم والجودة، صدّر منتجاته لباقى أبطال اقتصاد الظل، يترنمون بها ويستلهمون نجاحاته المالية ويتشربون صور وزازيه سلوكا وهجوما ومنطقا! اقتصاد ظل الوز هو الوريث المتطور لاستبدال أوبرا القاهرة بجراج الأوبرا ١٩٧١، وأفلام المقاولات خلفا لشركات الدولة فى إنتاج السينما والدراما، وإغلاق المجلات الثقافية ومحاصرة الثقافة الجماهيرية، ومنع حصص الموسيقى والمكتبة والزراعة والأشغال من المدارس، وحظر مجلات الحائط بالجامعات وفتحها للتيارات المختلفة ثم محاصرتهم جميعا، وصناعة التحليل والتحريم، بل هذا الاقتصاد تطورا طبيعيا لعبقرية زعم أرباح مصانع الشيبسى واللبان والملابس أسرع وأكبر عن مصانع السيارات والحديد والصلب والنسيج والطاقة الخ، لينطلق اقتصاد الشطارة والفهلوة والصدفة، كتفا بكتف مع اقتصاد التنمية بزمن يقارب المستحيل.
الحرب على اقتصاد الظل ووزه، لا تستهدف رموزا او أسماء أو مجالات بعينها، ولا تستهدف زيادة حصيلة الدولة من الضرائب والرسوم على حساب الجودة والقيم! ولكن هدفها الوعى بان الاقتصاد المصرى برمته مستهدف لاختراق متكامل فى موارده وخدماته ومنتجاته على مستوى الجودة والقيم ومفهوم الربحية والقيمة المضافة التى يقدمها للمجتمع. لأن قدرة الدولة على خوض حرب حقيقية (تقليدية أو تنمية) ترتبط مباشرة بالمواطن، كعنصر بشرى يستوعب المسؤولية ويقدر الخطر ويُستفز لحماية مصلحته أولا، فمصلحة مجتمعه وبلده. أما وأن يكون اقتصاد الظل ووزه محلا لمهادنة أو تبرير أو مسايرة أو اشتراك فى المنفعة، فلا يتوقع أن يكون فى عطاء وفهم وعمل وقيم المواطن، ما سيساعده على خوض هذه الحرب! فيبقى أسيرا لمنتجات الاقتصاد الأسود ووزه البرى، الذى سيستمر يزيّط فى غير وقت سماع!
إعلان الحرب على اقتصاد الظل ووزه، فى حقيقته تصدى لمنظومة إفساد الوعى الجمعى، وتصحيح لأوضاع ضريبية وتشريعية وإجرائية وعملية، وعودة تدريجية للأبحاث الاجتماعية حول حدود حرية الرأى والكلمة والتعبير والرقابة الفنية واستعادة المشاريع الثقافية الحقيقية، والنزول بها للواقع بعيدا عن أضواء المدينة والسجادة الحمراء وذوى الياقات البيضاء. تطعيم الاقتصاد المحلى التقليدى، بمنتجات رأس المال الاجتماعى والفكرى، سيجعل للمنظومة إطارا ومضمونا يمكن استيفاؤه فى مشروع متكامل ننقذ به أجيال المصريين الحالية والقادمة.. وإلا فأحفاد اقتصاد الوز سيجعلونها تقفيصة طيور!
* محامى وكاتب مصرى