رجائى عطية :
بينما كانت مسيرة المسلمين تيمم شطر حمراء الأسد، يصل العلم بها إلى أخوين جريحين بجراح بالغة من بنى عبدالأشهل : الأنصاريين عبدالله بن سهل ورافع بن سهل، وعبد الله أكثرهما جراحًا .. ما إن يصلهما نبأ الخروج حتى ينهضان يريدان اللحاق برسول الله ﷺ، فلا يجدان دابة يركبانها، ولكنهما لا يستسلمان، ويتحايلان على إصاباتهما، وعدم وجود دابة، بأن يتزاحفا وراء مسيرة المسلمين متساندين .. يسند كل منهما صاحبه، ويحتمل كل منهما مرحلة فى هذا التزاحف الذى يجل عن أى وصف .. لا يثنيهما أنهما لم يلحقا بالركب عند المسجد النبوى .. فينطلقان فى أثره يقتفيان فى مشقة بالغة أثر خُطى الرحمة المهداة والذين معه .. يضربان فى الصحراء فى بهيم الليل، حتى يلمحا نيران المسلمين موقدة على البعد، فيغذان المسير أو التزاحف، حتى يلحقا برسول الله ﷺ، ويعتذرا إليه عن تأخرهما أن جراحهما قد حبستهما ولم يجدا مطيّة تنقلهما فتزاحفا حتى لحقا بالمسلمين .
وعند حمراء الأسد، وهو موضع بالصحراء على ثمانية أميال من المدينة، يعثر المسلمون على جثمانى الشقيقين الموفدين للاستطلاع : سليط ونعمان ابنى سفيان بن طلق بن عوف بن دارم، قد وقعت عليهما قريش فصرعتهما، وتركت جثمانيهما بالعراء بالصحراء نهبًا للضوارى وجوارح الطير .. فيصلى عليهما رسول الله ﷺ والمسلمون، ويوارونهما فى قبر واحد، ثم يتفقدون المكان ليختاروا موضعًا يضربون فيه مضاربهم ويحطون رواحلهم .
وإن المسلمين لفى مضاربهم يرصدون ويرقبون ماذا سوف تفعل قريش وأحلافها، ولا زاد معهم سوى الماء والتمر، إذ بالأنصارى سعد بن معاذ قد أتى بثلاثين بعيرًا محملة بالمؤن والطعام، وافى بها حمراء الأسد، وقد ساق معها جٌُزرًا لتُنْحر ويطعم المسلمون ..
ومع زحف المساء التالى، يدعو النبى عليه السلام المسلمين أن يجمعوا الكثير من الحطب والهشيم، حتى إذا ما جنّ الليل، وأظلمت الصحراء، يأمر النبى ﷺ المسلمين بإشعال النيران وبالإكثار من مواقد النار ما وسعهم الإكثار .. فيستجيب المسلمون لأوامر نبيهم دون أن يعرفوا مراده، حتى إذا بلغت المواقد نحو خمسمائة نار، وأحالت ظلام الصحراء إلى نور، أدركوا مراده عليه الصلاة السلام .. فقد صار ضياء المواقد المنيرة فى الصحراء فى بهيم الليل يوحى للمراقب من بعيد أن المسلمين جاء فى عدد كثير وعدة ضخمة، وأنهم حشدوا حشودًا تدل عليها هذه النيران العريضة .. وتورى بهذا التعداد الضخم كثرة هذه المشاعل وأضواء النيران التى تملأ الأرجاء .
وإن المسلمين لفى مضاربهم، يمر بالمكان معبد بن أبى معبد الخزاعى فى نفر من قومه، وكان لا يزال على الشرك، ولكنه رجل مروءة ونجدة، فيتلمس النبى ﷺ حتى يلقاه، فيقول له مواسيًا : «يا محمد، أما والله فقد عَزّ علينا ما أصابك فى نفسك وما أصابك فى أصحابك، ولوددنا ان الله عافاك فيهم !» ، فيقول بعض الصحابة لمعبد : «تعلم والله ما لخزاعة عندنا وعند رسول الله من مكانة .. لا نعدل بكم أحدًا فى تهامه ..» ، فيقول معبد للنبى عليه السلام : «وددنا أن الله تعالى أعلى كعبك، وأن المصيبة كانت بغيرك ».. ثم يقول للصحابة : «لن تروا منا ما تكرهون، ولعل الخير يأتيكم منا ».
لم يفصح معبد عن الخير الذى لعله يأتى المسلمين منه ومن قومه، ولكن تقول الروايات إن معبد تابع والخزاعيون ترحالهم إلى غايتهم، فلما مَرُّوا بمضارب قريش «بالروحاء » ليس ببعيد من حمراء الأسد، ألفى القرشيين يتجادلون، أيتابعون إلى مكة، أم يكرون عائدين ليستأصلوا ما فاتهم ؟ فلما رأوا مقدم معبد ومن معه، بادر إليه أبو سفيان سائلاً وهو موزع بين الأمل والخوف : «هذا معبد وعنده الخبـر .. ما وراءك يا معبد ؟ .. ما خبر محمد ومن معه ؟ » ، فيقول معبد له وللقرشيين : «وما غايتكم الآن فيه؟ ! وقد أصبتموه فى أُحُد ؟ ! ، فيقول بعضهم : «لا محمد أصبنا، ولا الكواعب أردفنا، فبئس إذن ما صنعنا !!». ويقول عكرمة بن أبى جهل : «ما صنعنا شيئًا، أصبنا أشرافنا ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم » ، بينما جعل آخرون يلحون على «معبد » أن يخبرهم بما وراءه .
هنالك قال لهم معبد الخزاعى مخادعًا : «لا أرى ما ترون .. قد مررت فى طريقى بمحمد وأصحابه .. قد خرج يطلبكم فى جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقًا، وقد اجتمع معه من كان قد تخلف عنه فى يومكم، ندموا على ما صنعوا !.. واجتمعت إليه الأوس والخزرج، وتعاهدوا ألا يرجعوا حتى يلحقوكم، فيثأروا منكم .. بهم غضب شديد لما لحق بقومهم، وفيهـم من الحنـق عليكـم شىء لم أر مثله قط !!!». فلما سأله أبو سفيان والقرشيون الرأى، نصحهم بأن يؤثروا السلامة، ويكتفوا بما أصابوه من المسلمين، وأن يمضوا إلى حال سبيلهم .
هنالك ساد الهرج والمرج بين القرشيين، وانطلق صفوان بن أمية يسترجع ما نصحهم به من إيثار السلامة، وبأن يرجعوا قبل أن يجمع المسلمون من تخلف عنهم، وقبل أن تحتشد لهم الخزرج، وأنه لا يأمن إن رجعوا أن تكون الدولة عليهم ! وانضم أبو سفيان إلى رأى صفوان، وأزمع القرشيون اللحاق بمكة، وعدلوا من معاودة الكر على المسلمين، بعد أن أرسل إليهم أبو سفيان بتهديد كاذب مع ركب تصادف مروره من عبدالقيس فى طريقهم إلى المدينة .
ولكن المسلمين لم يهزهم الوعيد، وبقوا ثلاثة ليال فى حمراء الأسد معلنين تصميمهم على المطاردة وحتى تصل رسالتهم بذلك إلى قريش وأحلافها، فتفت فى أعضاءهم، وتعيد الهيبة للمسلمين فى عيدن قريش والأعراب، وتُسْكت اليهود والمنافقين عن شماتاتهم وضلالاتهم التى طفقوا يبثونها بالمدينة .
(يتبع )
بينما كانت مسيرة المسلمين تيمم شطر حمراء الأسد، يصل العلم بها إلى أخوين جريحين بجراح بالغة من بنى عبدالأشهل : الأنصاريين عبدالله بن سهل ورافع بن سهل، وعبد الله أكثرهما جراحًا .. ما إن يصلهما نبأ الخروج حتى ينهضان يريدان اللحاق برسول الله ﷺ، فلا يجدان دابة يركبانها، ولكنهما لا يستسلمان، ويتحايلان على إصاباتهما، وعدم وجود دابة، بأن يتزاحفا وراء مسيرة المسلمين متساندين .. يسند كل منهما صاحبه، ويحتمل كل منهما مرحلة فى هذا التزاحف الذى يجل عن أى وصف .. لا يثنيهما أنهما لم يلحقا بالركب عند المسجد النبوى .. فينطلقان فى أثره يقتفيان فى مشقة بالغة أثر خُطى الرحمة المهداة والذين معه .. يضربان فى الصحراء فى بهيم الليل، حتى يلمحا نيران المسلمين موقدة على البعد، فيغذان المسير أو التزاحف، حتى يلحقا برسول الله ﷺ، ويعتذرا إليه عن تأخرهما أن جراحهما قد حبستهما ولم يجدا مطيّة تنقلهما فتزاحفا حتى لحقا بالمسلمين .
وعند حمراء الأسد، وهو موضع بالصحراء على ثمانية أميال من المدينة، يعثر المسلمون على جثمانى الشقيقين الموفدين للاستطلاع : سليط ونعمان ابنى سفيان بن طلق بن عوف بن دارم، قد وقعت عليهما قريش فصرعتهما، وتركت جثمانيهما بالعراء بالصحراء نهبًا للضوارى وجوارح الطير .. فيصلى عليهما رسول الله ﷺ والمسلمون، ويوارونهما فى قبر واحد، ثم يتفقدون المكان ليختاروا موضعًا يضربون فيه مضاربهم ويحطون رواحلهم .
وإن المسلمين لفى مضاربهم يرصدون ويرقبون ماذا سوف تفعل قريش وأحلافها، ولا زاد معهم سوى الماء والتمر، إذ بالأنصارى سعد بن معاذ قد أتى بثلاثين بعيرًا محملة بالمؤن والطعام، وافى بها حمراء الأسد، وقد ساق معها جٌُزرًا لتُنْحر ويطعم المسلمون ..
ومع زحف المساء التالى، يدعو النبى عليه السلام المسلمين أن يجمعوا الكثير من الحطب والهشيم، حتى إذا ما جنّ الليل، وأظلمت الصحراء، يأمر النبى ﷺ المسلمين بإشعال النيران وبالإكثار من مواقد النار ما وسعهم الإكثار .. فيستجيب المسلمون لأوامر نبيهم دون أن يعرفوا مراده، حتى إذا بلغت المواقد نحو خمسمائة نار، وأحالت ظلام الصحراء إلى نور، أدركوا مراده عليه الصلاة السلام .. فقد صار ضياء المواقد المنيرة فى الصحراء فى بهيم الليل يوحى للمراقب من بعيد أن المسلمين جاء فى عدد كثير وعدة ضخمة، وأنهم حشدوا حشودًا تدل عليها هذه النيران العريضة .. وتورى بهذا التعداد الضخم كثرة هذه المشاعل وأضواء النيران التى تملأ الأرجاء .
وإن المسلمين لفى مضاربهم، يمر بالمكان معبد بن أبى معبد الخزاعى فى نفر من قومه، وكان لا يزال على الشرك، ولكنه رجل مروءة ونجدة، فيتلمس النبى ﷺ حتى يلقاه، فيقول له مواسيًا : «يا محمد، أما والله فقد عَزّ علينا ما أصابك فى نفسك وما أصابك فى أصحابك، ولوددنا ان الله عافاك فيهم !» ، فيقول بعض الصحابة لمعبد : «تعلم والله ما لخزاعة عندنا وعند رسول الله من مكانة .. لا نعدل بكم أحدًا فى تهامه ..» ، فيقول معبد للنبى عليه السلام : «وددنا أن الله تعالى أعلى كعبك، وأن المصيبة كانت بغيرك ».. ثم يقول للصحابة : «لن تروا منا ما تكرهون، ولعل الخير يأتيكم منا ».
لم يفصح معبد عن الخير الذى لعله يأتى المسلمين منه ومن قومه، ولكن تقول الروايات إن معبد تابع والخزاعيون ترحالهم إلى غايتهم، فلما مَرُّوا بمضارب قريش «بالروحاء » ليس ببعيد من حمراء الأسد، ألفى القرشيين يتجادلون، أيتابعون إلى مكة، أم يكرون عائدين ليستأصلوا ما فاتهم ؟ فلما رأوا مقدم معبد ومن معه، بادر إليه أبو سفيان سائلاً وهو موزع بين الأمل والخوف : «هذا معبد وعنده الخبـر .. ما وراءك يا معبد ؟ .. ما خبر محمد ومن معه ؟ » ، فيقول معبد له وللقرشيين : «وما غايتكم الآن فيه؟ ! وقد أصبتموه فى أُحُد ؟ ! ، فيقول بعضهم : «لا محمد أصبنا، ولا الكواعب أردفنا، فبئس إذن ما صنعنا !!». ويقول عكرمة بن أبى جهل : «ما صنعنا شيئًا، أصبنا أشرافنا ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم » ، بينما جعل آخرون يلحون على «معبد » أن يخبرهم بما وراءه .
هنالك قال لهم معبد الخزاعى مخادعًا : «لا أرى ما ترون .. قد مررت فى طريقى بمحمد وأصحابه .. قد خرج يطلبكم فى جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقًا، وقد اجتمع معه من كان قد تخلف عنه فى يومكم، ندموا على ما صنعوا !.. واجتمعت إليه الأوس والخزرج، وتعاهدوا ألا يرجعوا حتى يلحقوكم، فيثأروا منكم .. بهم غضب شديد لما لحق بقومهم، وفيهـم من الحنـق عليكـم شىء لم أر مثله قط !!!». فلما سأله أبو سفيان والقرشيون الرأى، نصحهم بأن يؤثروا السلامة، ويكتفوا بما أصابوه من المسلمين، وأن يمضوا إلى حال سبيلهم .
هنالك ساد الهرج والمرج بين القرشيين، وانطلق صفوان بن أمية يسترجع ما نصحهم به من إيثار السلامة، وبأن يرجعوا قبل أن يجمع المسلمون من تخلف عنهم، وقبل أن تحتشد لهم الخزرج، وأنه لا يأمن إن رجعوا أن تكون الدولة عليهم ! وانضم أبو سفيان إلى رأى صفوان، وأزمع القرشيون اللحاق بمكة، وعدلوا من معاودة الكر على المسلمين، بعد أن أرسل إليهم أبو سفيان بتهديد كاذب مع ركب تصادف مروره من عبدالقيس فى طريقهم إلى المدينة .
ولكن المسلمين لم يهزهم الوعيد، وبقوا ثلاثة ليال فى حمراء الأسد معلنين تصميمهم على المطاردة وحتى تصل رسالتهم بذلك إلى قريش وأحلافها، فتفت فى أعضاءهم، وتعيد الهيبة للمسلمين فى عيدن قريش والأعراب، وتُسْكت اليهود والمنافقين عن شماتاتهم وضلالاتهم التى طفقوا يبثونها بالمدينة .
(يتبع )