مجدي سرحان:
سطور مازالت تثير الدهشة والحيرة في التقرير الذي أصدرته لجنة تقصي الحقائق البرلمانية حول مشروع شركة »أجريوم« الكندية في دمياط .. وتتعلق هذه السطور بموقف احدي الجهات العديدة التي حصلت الشركة علي موافقاتها لاقامة المصنع .. لا يهم اسم هذه الجهة .. لكن المهم هو ما تضمنه التقرير بشأن حصولها علي عدة عشرات الملايين من الجنيهات من وزارة البترول مقابل تخصيص الأرض البديلة لنقل منشآتها من الأرض المخصصة للمصنع .. ويؤكد التقرير أن هذه الجهة قامت بعد ما أثير حول المشروع من جدل برد المبلغ الذي "قبضته" من وزارة البترول.
وما يثير الدهشة والحيرة هو عدة أسئلة لم تسع لجنة تقصي الحقائق الي معرفة اجاباتها:
> أول هذه الأسئلة حول طبيعة هذه "المنشآت" التي يتطلب نقلها كل هذا المبلغ .. مع العلم بأن تلك الجهة لم تكن تمتلك أكثر من برج حديدي لا يرتفع عن سطح الأرض إلا عدة أمتار؟
> والسؤال الثاني: لماذا تدفع وزارة البترول هذا المبلغ .. ولم تدفعه »أجريوم«؟ وهل قامت الوزارة بتحصيل المبلغ نفسه من الشركة ضمن رسوم إصدار التراخيص »والذي منه«؟
> ثالثا: عندما ردت "الجهة" المبلغ، هل عادت مرة أخري الي الموقع؟ أم تركته هدية للوزارة والشركة؟ وفي هذه الحالة، هل تحملت هي تكاليف نقل منشآتها الي موقع جديد؟ وهل ستتقاضي هذه التكلفة بعد ذلك من أي مستفيد جديد بالموقع أيا كان النشاط الاستثماري الذي سيقام عليه؟
> ثم لماذا لم تحاول لجنة تقصي الحقائق السعي وراء معرفة حقيقة وملابسات هذه الواقعة .. رغم أن هذا واجبها؟ بل الأغرب أن اللجنة اكتفت بتوجيه الشكر والاشادة بموقف هذه الجهة التي ضربت المثل في الشفافية وعدم اقحام نفسها في دائرة الخلاف!!
ومع كامل الاحترام لهذه الجهة التي هي »علي العين والراس« .. واحترامنا للجنة البرلمانية أيضا .. الا أن الواجب يحتم ألا تمر هذه المعلومات مر الكرام .. اذا كانت هناك رغبة حقيقية في كشف كل ملابسات أزمة أجريوم أمام الرأي العام بشفافية كاملة وصراحة ووضوح.. فلا أحد فوق المساءلة أو المحاسبة أمام سلطة الشعب الممثلة في البرلمان ولجانه المكلفة بأداء عملها بقوة الدستور التي تعلو فوق كل سلطة وكل نفوذ .. لكن يبدو أن واقع الأمر غير ذلك تماما .. بدليل امتناع لجنة تقصي الحقائق عن التحقيق في هذه الوقائع .. وهي واحدة من عدة وقائع أخري لم يجرؤ التقرير علي الاقتراب منها .. حتي بدا في مجمله تقريرا يحتاج الي لجنة تقصي حقائق أخري لفهمه وتفسيره وفك طلاسمه التي صيغت بقدرة احترافية فائقة ومهارة عالية في استخدام أساليب المراوغة والمواءمة والمواربة والتورية والامساك بمنتصف العصا .. لدرجة أنك لاتستطيع أن تجزم بما انتهت اليه اللجنة بالفعل .. هل هي الحقائق كاملة أم نصف الحقائق فقط؟ .. وهل كانت تقصد التوصية بنقل المصنع من دمياط أم ببقائه ولكن في موقع آخر غير رأس البر؟
وهذا هو سر عودة أجواء التوتر والتشاؤم بين أبناء دمياط الذين أقاموا الأفراح بمجرد صدور قرار مجلس الشعب ـ ومن بعده الحكومة ـ بالموافقة علي ما أوصت به اللجنة البرلمانية ظنا منهم أن المشكلة انتهت .. قبل أن يفاجأوا بعد أيام بتسريب أنباء عن نقل المصنع الي داخل منطقة مجمع مبارك للبتروكيماويات بدمياط الجديدة .. علي بعد مئات الأمتار من الموقع المتنازع عليه .. ليصب مخلفاته في نفس البحر .. وينفث أبخرته في نفس السماء .. وكأنك يا أبو زيد ما غزيت!!