المهمة المستحيلة للمجلس الجديد

حازم شريف:   بانقضاء منتصف ليل أمس السبت -بعد ساعات من مثول الجريدة للطبع- تكون الجماعة الصحفية قد اختارت مجلس نقابتها الجديد، هذا ما لم تحدث إعادة علي منصب النقيب...

حازم شريف: بانقضاء منتصف ليل أمس السبت -بعد ساعات من مثول الجريدة للطبع- تكون الجماعة الصحفية قد اختارت مجلس نقابتها الجديد، هذا ما لم تحدث إعادة علي منصب النقيب وهو أمر مستبعد. وبغض النظر عن تشكيل المجلس،فإنه بناء علي ما ضمته برامج المرشحين من أفكار، يمثل أغلبها في حقيقة الأمر إعادة إنتاج لما حوته برامج أسلافهم من المرشحين في الدورات السابقة من بنود، وفي ظل عدم حدوث تقدم جوهري في البيئات السياسية والتشريعية والمعرفية المحيطة بالمهنة، ومع استمرار أو ثبات حالة التدهور في المؤسسات الصحفية الحكومية مثلها كأخواتها في سائر القطاعات المختلفة.....لا يتملكني شعور كبير بالتفاؤل فيما يتعلق بإمكانية أن يشهد أداء المجلس الجديد تغيرا دراماتيكيا، يكفل خلق تحول نوعي علي الجوانب المهنية والإبداعية والمعيشية للأفراد الممارسين للمهنة. الثنائيات المتضادة كانت ومازالت المسيطرة علي وعي الجماعات الصحفية ومرشحيها : الحرية أم الخبز،الاستقلال في مواجهة الدعم الحكومي،الموقف السياسي في مجابهة الخدمات! ثم عبارات مطاطة حول تفعيل ميثاق الشرف المهني تتباين نوايا القائلين بها بين من يرغب في تفعيله لقمع المعارضة، ومن يأمل في تطبيقه لفضح مخالفات المؤيدين. حتي من يتحدث عن رفع المستوي المهني لاتخلو عباراته من سذاجة: كمبيوتر لكل صحفي، إرسال عشرة متدربين إلي الخارج سنويا للاطلاع علي الوسائل الصحفية الحديثة! فإذا كانت مؤسسة الأستاذ هيكل تدرب عشرين أو خمسين صحفيا-لا يهم العدد وإنما المزايدة-لماذا لا ندرب نحن-في النقابة- مائة وألف! لا أحد يسأل: وإلي أين يذهب هؤلاء المتدربين حين يعودون؟ إلي نفس المؤسسات الفاسدة، لينتظروا في طابور الترقي الوظيفي وفقا لسنة التخرج ورقم كارنيه النقابة وعدد سنوات الخدمة في المؤسسة، أملا في منصب شرفي يضعونه بكل فخر علي كارت "البيزنيس" دون أي صلاحيات فعلية! في حين تظل مراكز القوي والمناصب التحريرية القيادية الكبري في المؤسسات الحكومية -بل وفي بعض الصحف الخاصة- حكرا علي خليط من الملتحقين المتحلقين بالحزب الوطني ومحطمي الأرقام القياسية في جلب الاعلانات وإثبات الولاء للرؤساء والأجهزة! صحيح أن مطلب إعادة هيكلة المؤسسات القومية قد أطل برأسه في العديد من البرامج الانتخابية للمرشحين لعضوية مجلس النقابة،إلا أن مفهوم إعادة الهيكلة ذاته يظل غامضا في ذهن المطالبين به داخل الجماعة الصحفية لعدم توافر "وتراكم"الخبرة الكافية لوضع تصور مبدئي،حتي أنه بات مقتصرا في رؤس العديد من الزملاء علي بعض الاجراءات غير المترابطة أو المرتبطة برؤية محددة للاصلاح -والأهم النمو- ،كإسقاط الديون المتراكمة وتوزيع جزء من أسهمها أو كل أسهمها علي العاملين بها، مع القضاء بالطبع علي الفساد، بل ذهب مطالبون بإعادة الهيكلة،إلي ضرورة انتخاب رؤساء التحرير ومجالس الادارات، وكأن ذلك ما يضمن حسن الأداء وليس الكفاءة المهنية والادارية وخطط الأعمال! علي مدخل المقر الجديد لجريدة المال، وقع اختيارنا علي مجموعة من البورتريهات الشخصية لعدد من الرموز في المجالات المختلفة. فيما يتعلق بالمهنة، هناك ثلاثة بورتريهات الأول للأستاذ هيكل كرمز للموهبة، الثاني للأستاذ أحمد بهاء الدين تعبيرا عن الانحياز للموضوعية...أما الثالث فللأخوين مصطفي وعلي أمين، كنموذج يجسد بحق الصحفي المغامر أو ما يطلق عليه بلغة الاعمال المنظم المبدع الذي يستطيع أن يؤسس مشروعه الخاص، ويخلق منه قصة نجاح علي مستويي الجودة «المهني»، والمالي «إدارة الأعمال»، وهو نموذج -إن وجد- لن يألو جهدا أو مالا، في أن يستقطب إليه هؤلاء المتدربين-إن تدربوا أصلا- بل ويسعي من الأساس إلي توفير التدريب للنابهين وغير النابهين من العاملين بالمؤسسة، ويعي تماما أن للتحرير نجومه،وللتسويق مبدعيه،وإن خلط الحابل بالنابل، يفسدالجودة والبيزنيس والمصداقية والمشروع،ويؤسس لعلاقات فساد تؤدي بالجميع إلي الالحاح علي إعادة الهيكلة! ولكي يظهر مثل هؤلاء ينبغي إتاحة الظروف الموضوعية المناسبة لخلقهم، وهي شروط لا تقتصر فقط علي مسألة حرية الاصدار التي تنادي بها كل البرامج وكتاب المقالات والأعمدة بما فيهم هؤلاء الذين يضمرون تضييق السوق الصحفية عليهم وإغلاق الصحف المنافسة. فحرية الإصدار ليست مجرد مطلب سياسي، وإنما هي شرط ضروري غير كاف،لازدهار صناعة الصحافة، أما شروط الكفاية، فهي كثيرة ...أهما ضرورة تغيير البيئة التشريعية لتسمح لشركات الصحافة بالعمل وفقا للقانون 159 الذي تؤسس وتعمل وفقا له الشركات في مختلف القطاعات في مصر فيما عدا الصحافة والشركات الحكومية! كما ينبغي تغيير قانون نقابة الصحفيين، ليسمح للصحفيين -كغيرهم من المهنيين في أرجاء المحروسة- بتأسيس وملكية «مشروعهم» صحفهم الخاصة..وأخيرا ضرورة القضاء علي الأوضاع الاحتكارية السائدة في العديد من عناصر الصناعة. تلك هي المهمة الصعبة، وتكاد تكون المستحيلة في ظل وعي الجماعة الصحفية الحالي،وبدون إنجازها، لن ينصلح حال الصناعة ولا المهنة ولاالصحفيين ولن تزدهر موارد النقابة....وسيظل استقلالها مجرد شعارا تدحضه الحكومة - صراحة وبلا مواربة وبجرأة نادرا ما تتحلي بها - مع كل دورة انتخابية، بدعمها لمرشحها -لا للصحفيين- بجنيهات البدل اللعين!