: شريف عطية
في توقيت ربما يكون مواتيا، أعقب مرحلة عصيبة امتدت منذ أحداث سبتمبر 2001- علي الأقل، وحفلت بالتطورات الحادة التي اجتاحت المنطقة العربية.. وهددت في الوقت نفسه.. الأمن والسلم الدوليين، تعرض خلالها نظام الحكم في المملكة السعودية للعديد من الضغوط والابتزاز الخارجي فضلا عن تصاعد موجات العنف والتطرف التي هزت من الداخل. الدعائم التي انبني عليها منذ 1924، إذ بالدبلوماسية السعودية تباشر مؤخرا، والفراغ السياسي يكاد يعمّ معظم وحدات النظام العربي.. ويشلّ حركتها، نقلة موضوعية نشطة توازت مع تنصيب حاكمها الجديد «الملك عبدالله»، حاولت من خلالها -بقدر المستطاع- لم الصدع العربي الذي تتسع خروقاته يوما بعد آخر، وفي العمل كلما كان ذلك ممكنا، لإيقاف متوالية الابتزاز الآخذة في تفريغ ما تبقي من الطاقات العربية شبه المجمدة علي امتداد العقدين الأخيرين.
في إطار هذا المناخ السياسي الأقرب إلي الصمت المطبق، بادرت السعودية في الأيام القليلة الماضية لما يعتبر «مسح استراتيجي» هو أشبه بإلقاء حجر في بحيرة راكدة.. عبر جولة واسعة النطاق للملك السعودي تشاور خلالها مع مسئولي ثلاث دول أوروبية رئيسية «انجلترا - إيطاليا - ألمانيا»، إضافة إلي الالتقاء غير المسبوق -حضاريا- مع رأس الكنيسة الكاثوليكية بالفاتيكان، ليختتمها بزيارة مصر وتركيا -الضلعين الأساسيين في مربع القوي الكبري في الشرق الأوسط، وليشارك من بعد في قمة الدول المصدرة للبترول «أوبك».
ولقد كان من الممكن اعتبار تلك الجولة السعودية.. كغيرها من جولات رؤساء الدول «بروتوكولية» -لولا ما احتشدت بها أجندة المباحثات من قضايا جوهرية لا تتعلق فحسب بمستقبل الشرق الأوسط، إنما باتصالها كذلك بالتطورات علي الصعيد الدولي علي اتساعه.. ابتداء من تفاقم الأزمة بين تركيا والأكراد، إلي اشتعال الموقف الداخلي في باكستان بما يهدد التحالف الهش بينها وبين أفغانستان، إلي التطورات الحرجة في المسألة الفلسطينية الإسرائيلية.. والتي تفرض ضرورة التأكيد علي تحديد الاستراتيجية الكبري للسلام العربي الإسرائيلي.. ذلك دون استثناء ما يشهده الموقف الإقليمي من تدهور بسبب تصاعد المد الراديكالي، وتردي الأوضاع علي ما هي عليه بالنسبة لأفغانستان والعراق وإيران وغيرها، مما يهدد بتدخل قوي كبري من خارج الإقليم ربما لغير صالح الاستراتيجية الغربية.
في ظل هذه التعقيدات المتشابكة، فإن مستقبل الأوضاع في الشرق الأوسط لا يدعو للتفاؤل بقدر ما يكشف الأفق عن ظلال شبه قاتمة.. ناتجة عن التدخلات الخارجية غير المنصفة جنبا إلي جنب مع التعثر المحدق دوما بكل محاولات المصالحة بين فرقاء المنطقة المحليين، بل وفي داخل الوطن الواحد، وإزاء ذلك قد لا يسع الدبلوماسية السعودية في مواجهتها للخارج المتعسّف.. وللداخل الإقليمي المفتت، إلا استخدام ما يمكن تسميته بسياسة العصا والجزرة مع «الحزم الودود».. إذ تري الرياض -بحسب رئيس وزراء إيطاليا- أن التشدد في مواجهة قوي الراديكالية العنيفة لا يجب أن ينفصل عن عرض الحوار البناء من أجل حلول تفاوضية، وحيث تستند في ذلك إلي قدراتها المالية ، وإمكانية المناورة السياسية بإنتاجها البترولي.. الأمر الذي تستطيع من خلاله المساهمة من أجل تجنب حدوث إخفاق خطير لاجتماع أنابوليس.. وهو الذي تأخر غير مرة بسبب مراوغات إسرائيل ، وفي قدرتها أيضاً علي التدخل لتسوية المنازعات من خلال تصدرها زعامة العالم الإسلامي.. خاصة مع التحول الجاري في الأحداث.. والذي يصب في صالح القوي الراديكالية أو تلك المسماة بقوي الممانعة للمشروع الامبراطوري الأمريكي في الشرق الأوسط..
من ناحية ثالثة،: الأمر الذي يؤكده علي سبيل المثال هلموت شميث مستشار ألمانيا في السبعينيات حين يقول: «إن السعودية قادرة علي إقناع طهران بإنهاء نزاعها مع الغرب إذا ما لقيت الجهود السعودية دعم العالم»
في هذا السياق، وفي ضوء انشغال واشنطن بإدارة بؤر الأزمات المتورطة فيها مجددا منذ بداية القرن الحالي، قد يكون من الطبيعي أن يتكرس الاعتماد الأمريكي علي دور متعاظم تقوم به السعودية سواء عبر جبهة المعتدلين العرب (7+2+6) أو في استشراف تحالف ثنائي متجدد لها مع تركيا.. وهما المرتبطتان بمعاهدة صداقة منذ 1929 أنهت سابق حالة العداء بينهما، وليتشاركا منذ ذلك التاريخ في علاقاتيهما (الأطلسية المتميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية بخاصة.. والغرب بصفة عامة.
اتصالا بما سبق، يكشف وزير الخارجية السعودي في لقاء صحفي منذ أيام عن أن السعودية قدمت للدول الأوروبية محل الزيارة «بعض رؤاها وأفكارها مكتوبة» بشأن القضايا العالقة في المنطقة والعالم.
وهكذا يمكن القول بأن جولة الملك السعودي الماراثونية التي قوبلت باحتفاء إعلامي غربي يماثل نظيره أيام مبادرة الرئيس السادات للجلوس مع الإسرائيليين في القدس، قد تطرقت إلي قضايا مشتركة بالنسبة لأوروبا و لمنطقة الشرق الأوسط علي السواء.. هذا فضلا عما أفصح عنه بيان الفاتيكان بمناسبة زيارة .عبدلله عن التزام التعايش بين الشعوب، والتعاون بين المسيحيين والمسلمين واليهود للنهوض بالسلام والقيم الأخلاقية»، وهو بيان إن كان اعتياديا من الكرسي الرسولي إلا أن له دلالات إضافية قبل اجتماع «أنابوليس» المرتقب نهاية الشهر الجاري، والذي من المتوقع دعوة كل من السعودية (وسوريا) إليه.. ليبدأ في أعقابه علي الأرجح جولات تفاوضية ثنائية المسار.. ربما تفضي -علي غرار ما حدث بين مصر وإسرائيل نهاية السبعينيات -إلي توقيع اتفاقيات سلام مماثلة.
لقد قادت مصر المنطقة العربية علي صعيد الصراع مع إسرائيل منذ 1939، وقد آن الأوان بعد التراجع المطرد في دورها خلال العقود الثلاث الأخيرة، لبروز قطب آخر له نفس الثقل تقريبا.. للقيام بدور المحلل لاستكمال المشروع الغربي في المنطقة.. وحيث تتركز الأنظار إلي استخدام دمية أمريكية قديمة.. باتت مجدداً في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة «لاعبا رئيسيا» ..لن يقتصر دوره فحسب علي استتباب المصالحة التاريخية مع إسرائيل، بل قد يمتد إلي إحداث تغييرات في الهوية القومية والدينية للدول الواقعة علي الشاطيء الجنوبي للبحر المتوسط.
في توقيت ربما يكون مواتيا، أعقب مرحلة عصيبة امتدت منذ أحداث سبتمبر 2001- علي الأقل، وحفلت بالتطورات الحادة التي اجتاحت المنطقة العربية.. وهددت في الوقت نفسه.. الأمن والسلم الدوليين، تعرض خلالها نظام الحكم في المملكة السعودية للعديد من الضغوط والابتزاز الخارجي فضلا عن تصاعد موجات العنف والتطرف التي هزت من الداخل. الدعائم التي انبني عليها منذ 1924، إذ بالدبلوماسية السعودية تباشر مؤخرا، والفراغ السياسي يكاد يعمّ معظم وحدات النظام العربي.. ويشلّ حركتها، نقلة موضوعية نشطة توازت مع تنصيب حاكمها الجديد «الملك عبدالله»، حاولت من خلالها -بقدر المستطاع- لم الصدع العربي الذي تتسع خروقاته يوما بعد آخر، وفي العمل كلما كان ذلك ممكنا، لإيقاف متوالية الابتزاز الآخذة في تفريغ ما تبقي من الطاقات العربية شبه المجمدة علي امتداد العقدين الأخيرين.
في إطار هذا المناخ السياسي الأقرب إلي الصمت المطبق، بادرت السعودية في الأيام القليلة الماضية لما يعتبر «مسح استراتيجي» هو أشبه بإلقاء حجر في بحيرة راكدة.. عبر جولة واسعة النطاق للملك السعودي تشاور خلالها مع مسئولي ثلاث دول أوروبية رئيسية «انجلترا - إيطاليا - ألمانيا»، إضافة إلي الالتقاء غير المسبوق -حضاريا- مع رأس الكنيسة الكاثوليكية بالفاتيكان، ليختتمها بزيارة مصر وتركيا -الضلعين الأساسيين في مربع القوي الكبري في الشرق الأوسط، وليشارك من بعد في قمة الدول المصدرة للبترول «أوبك».
ولقد كان من الممكن اعتبار تلك الجولة السعودية.. كغيرها من جولات رؤساء الدول «بروتوكولية» -لولا ما احتشدت بها أجندة المباحثات من قضايا جوهرية لا تتعلق فحسب بمستقبل الشرق الأوسط، إنما باتصالها كذلك بالتطورات علي الصعيد الدولي علي اتساعه.. ابتداء من تفاقم الأزمة بين تركيا والأكراد، إلي اشتعال الموقف الداخلي في باكستان بما يهدد التحالف الهش بينها وبين أفغانستان، إلي التطورات الحرجة في المسألة الفلسطينية الإسرائيلية.. والتي تفرض ضرورة التأكيد علي تحديد الاستراتيجية الكبري للسلام العربي الإسرائيلي.. ذلك دون استثناء ما يشهده الموقف الإقليمي من تدهور بسبب تصاعد المد الراديكالي، وتردي الأوضاع علي ما هي عليه بالنسبة لأفغانستان والعراق وإيران وغيرها، مما يهدد بتدخل قوي كبري من خارج الإقليم ربما لغير صالح الاستراتيجية الغربية.
في ظل هذه التعقيدات المتشابكة، فإن مستقبل الأوضاع في الشرق الأوسط لا يدعو للتفاؤل بقدر ما يكشف الأفق عن ظلال شبه قاتمة.. ناتجة عن التدخلات الخارجية غير المنصفة جنبا إلي جنب مع التعثر المحدق دوما بكل محاولات المصالحة بين فرقاء المنطقة المحليين، بل وفي داخل الوطن الواحد، وإزاء ذلك قد لا يسع الدبلوماسية السعودية في مواجهتها للخارج المتعسّف.. وللداخل الإقليمي المفتت، إلا استخدام ما يمكن تسميته بسياسة العصا والجزرة مع «الحزم الودود».. إذ تري الرياض -بحسب رئيس وزراء إيطاليا- أن التشدد في مواجهة قوي الراديكالية العنيفة لا يجب أن ينفصل عن عرض الحوار البناء من أجل حلول تفاوضية، وحيث تستند في ذلك إلي قدراتها المالية ، وإمكانية المناورة السياسية بإنتاجها البترولي.. الأمر الذي تستطيع من خلاله المساهمة من أجل تجنب حدوث إخفاق خطير لاجتماع أنابوليس.. وهو الذي تأخر غير مرة بسبب مراوغات إسرائيل ، وفي قدرتها أيضاً علي التدخل لتسوية المنازعات من خلال تصدرها زعامة العالم الإسلامي.. خاصة مع التحول الجاري في الأحداث.. والذي يصب في صالح القوي الراديكالية أو تلك المسماة بقوي الممانعة للمشروع الامبراطوري الأمريكي في الشرق الأوسط..
من ناحية ثالثة،: الأمر الذي يؤكده علي سبيل المثال هلموت شميث مستشار ألمانيا في السبعينيات حين يقول: «إن السعودية قادرة علي إقناع طهران بإنهاء نزاعها مع الغرب إذا ما لقيت الجهود السعودية دعم العالم»
في هذا السياق، وفي ضوء انشغال واشنطن بإدارة بؤر الأزمات المتورطة فيها مجددا منذ بداية القرن الحالي، قد يكون من الطبيعي أن يتكرس الاعتماد الأمريكي علي دور متعاظم تقوم به السعودية سواء عبر جبهة المعتدلين العرب (7+2+6) أو في استشراف تحالف ثنائي متجدد لها مع تركيا.. وهما المرتبطتان بمعاهدة صداقة منذ 1929 أنهت سابق حالة العداء بينهما، وليتشاركا منذ ذلك التاريخ في علاقاتيهما (الأطلسية المتميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية بخاصة.. والغرب بصفة عامة.
اتصالا بما سبق، يكشف وزير الخارجية السعودي في لقاء صحفي منذ أيام عن أن السعودية قدمت للدول الأوروبية محل الزيارة «بعض رؤاها وأفكارها مكتوبة» بشأن القضايا العالقة في المنطقة والعالم.
وهكذا يمكن القول بأن جولة الملك السعودي الماراثونية التي قوبلت باحتفاء إعلامي غربي يماثل نظيره أيام مبادرة الرئيس السادات للجلوس مع الإسرائيليين في القدس، قد تطرقت إلي قضايا مشتركة بالنسبة لأوروبا و لمنطقة الشرق الأوسط علي السواء.. هذا فضلا عما أفصح عنه بيان الفاتيكان بمناسبة زيارة .عبدلله عن التزام التعايش بين الشعوب، والتعاون بين المسيحيين والمسلمين واليهود للنهوض بالسلام والقيم الأخلاقية»، وهو بيان إن كان اعتياديا من الكرسي الرسولي إلا أن له دلالات إضافية قبل اجتماع «أنابوليس» المرتقب نهاية الشهر الجاري، والذي من المتوقع دعوة كل من السعودية (وسوريا) إليه.. ليبدأ في أعقابه علي الأرجح جولات تفاوضية ثنائية المسار.. ربما تفضي -علي غرار ما حدث بين مصر وإسرائيل نهاية السبعينيات -إلي توقيع اتفاقيات سلام مماثلة.
لقد قادت مصر المنطقة العربية علي صعيد الصراع مع إسرائيل منذ 1939، وقد آن الأوان بعد التراجع المطرد في دورها خلال العقود الثلاث الأخيرة، لبروز قطب آخر له نفس الثقل تقريبا.. للقيام بدور المحلل لاستكمال المشروع الغربي في المنطقة.. وحيث تتركز الأنظار إلي استخدام دمية أمريكية قديمة.. باتت مجدداً في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة «لاعبا رئيسيا» ..لن يقتصر دوره فحسب علي استتباب المصالحة التاريخية مع إسرائيل، بل قد يمتد إلي إحداث تغييرات في الهوية القومية والدينية للدول الواقعة علي الشاطيء الجنوبي للبحر المتوسط.