ومن «التحريض» ما قتل صاحبه!

حازم شريف:   في غمار حملة التحريض المستمرة منذ عدة أشهر، من قبل عدد من كتاب الصحف الحكومية علي الصحافة الخاصة أو المستقلة -سمها ما شئت-كتب رئيس تحريرجريدة روزاليوسف يوم...

حازم شريف: في غمار حملة التحريض المستمرة منذ عدة أشهر، من قبل عدد من كتاب الصحف الحكومية علي الصحافة الخاصة أو المستقلة -سمها ما شئت-كتب رئيس تحريرجريدة روزاليوسف يوم الخميس الماضي، مطالبا بسن تعديلات قانونية -وصفها إنها واجبة- لمساءلة الصحف الخاصة، بعد أن تكللت مساعيه الحميدة هو وزملائه بالايقاع بالزميل إبراهيم عيسي رئيس تحرير جريدة الدستور، ووضعه قيد التحقيق! وكما قال الزميل رئيس تحرير روزا بصراحة وجرأة ووضوح يحسده عليها -ولا مراء- زميلنا أحمد موسي عضو مجلس نقابة الصحفيين: إن الذي يخضع للتحقيق الآن صحفي، ولكن القانون عاجز عن أن يحاسب الصحف نفسها. مضيفا في أسي لا شك فيه:أو إنه -القانون- لم يقترب من الصحف الخاصة ككيانات.. هي في حقيقة الأمر التي تدفع رؤساء التحرير والصحفيين في اتجاه تحقيق أغراض بعينها.. لصالح خزائنها وثروات أصحابها . وكالعادة ذيل الرجل مقالته باقتراح عدد من التعديلات القانونية وصفها بأنها قد أصبحت ضرورية حتي تفرض علي قرار إدارات الصحف ضوابط محددة، تضمن صيانة حرية الصحافة، منها ضرورة الكشف عن ميزانياتها وأرقام توزيعها المنضبطة بغض النظر عن التأثير المصنوع تليفزيونيا، وبما يضمن نشوء آليات للتحقق من الانتشار تقدم معلومات حقيقية للمجتمع وتقول ما حجم هذا وذاك. وتضمنت الاقتراحات أيضا تعديل القانون في اتجاه فرض وديعة علي كل جريدة بخلاف رأس المال تكون تحت تصرف المجلس الأعلي للصحافة، يخصم منها لصالح دفع المتأخرات من الضرائب والمستحقات الرسمية، والغرامات المالية الصادرة بأحكام في السب والقذف، ودفع مستحقات العاملين التي لاتقوم بعض الصحف بتسديدها. كما اقترح الزميل أيضا أن يفرض المجلس الأعلي جدولا رسميا لأجور العاملين في الصحف الخاصة، وأن يوجب علي الصحف الارتباط بعلاقة تعاقدية سليمة مع كل صحفي يوقع باسمه في في الصحيفة خلال فترة زمنية محددة بدلا من أن يتم توظيف المتدربين مقابل أجور زهيدة، لا يتم دفعها في أغلب الأحوال. وبداية، يطيب لي أن أذكر القراء، بأن الزميل رئيس تحرير روزاليوسف هو نفسه من اقترح في أواخر شهر فبراير الماضي، في مقال مماثل، أن يتم تعديل القانون أيضا لكي ينص علي بقاء رأس مال الصحف الخاصة كوديعة قائمة بحجة أنه لايخضع لأي متابعة بعد الموافقة علي الترخيص، مما اعتبره الكثيرون -وأنا منهم- مجرد مزحة، أفاء الله بها علي الرجل في لحظة تجلٍ، تناقلتها الأوساط المالية والصحفية المتخصصة بعد أن رصدناها في المال كنكتة تدل علي مستوي الوعي الاداري والمالي لبعض قيادات الصحف الحكومية الجديدة. وكم أسعدني أن يتعلم الرجل ويعترف ضمنيا بخطئه، ليفرق في اقتراحه الجديد بين الوديعة ورأس المال، إلا أن ما أدهشني حقا، هو إصراره الغريب علي فكرة الوديعة من الأساس، وهي مسألة تحتاج لجهد باحث ضليع في علم النفس لتحليل دوافعها، أكثر مما يجدي معها اللجوء إلي علماء الاقتصاد. وبغض النظر أن الزميل قد انتهز فرصة نجاح حملة التحريض في النيل من أحد الزملاء والتلويح بالعقاب للبعض الآخر، لمحاولة انتزاع تعديلات قانونية تكفل تخلصه من منافسة الصحف الخاصة عل وعسي أن يسهم ذلك في رفع توزيع جريدته وزيادة حصتها الاعلانية -فإنني أنتهز بدوري الفرصة لطرح تعديلات قانونية أراها ضرورية لاطلاق المنافسة ومنع الاحتكار، وإرساء المزيد من القواعد المؤسسية والمهنية التي يفتقر إليها العديد من الصحف الحكومية والخاصة. ولعلني أستهل هذه المقترحات بالتضامن مع اقتراح زميلي في روزاليوسف، بضرورة إفصاح الصحف عن ميزانياتها ومصادر تمويلها ونشر قوائمها المالية، علي أن يتضمن ذلك أيضا الصحف الحكومية التي استثناها الزميل في مقاله، بحجة أنها تخضع بالفعل لمساءلة من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات، وتقاريره معلنة ويراجعها مجلس الشعب! وهي حجة مردود عليها، بأن هذه المساءلة لم تحل دون تدهور أحوال هذه المؤسسات حتي تجاوز حجم مديونياتها مجتمعة ما يزيد علي 7 مليارات جنيه، كما أن هذه المؤسسات في نهاية الأمر تمثل ملكية عامة، وبالتالي فإن أوضاعها المالية والادارية والصحفية ليست شأنا خاصا بين قياداتها والمجلس الأعلي للصحافة والحكومة لا يجوزللمواطنين من دافعي الضرائب التدخل فيه. والحقيقة أنني شديد الاعجاب بجرأة رئيس تحرير جريدة روزاليوسف الذي ذهب إلي المطالبة بكشف أرقام التوزيع الحقيقية للصحف الخاصة بعيدا عن التلميع الاعلامي، لكن ذلك لايمنعني من أن أوجه إليه النصح. بأنه كان الأجدي به أن يترك هذه المهمة لزملائه من رؤساء الصحف القومية الذين توزع صحف بعضهم ما يزيد علي 200 ألف نسخة يوميا دون أن تحيطهم هالة إعلامية,في حين لا يزيد توزيع صحيفة زميل لهم عن 4000 نسخة يوميا، مع ذلك يملأ شاشات التليفزيون والفضائيات ضجيجا وتحريضا ليل نهار. وطالما الشيء بالشيء يذكر فإنني أطالب أيضا بضرورة فصل شركات التوزيع عن مؤسسات النشر الصحفي عموما وذلك لسببين رئيسيين، أولهما منع الاحتكار الذي تتيحه هذه الأوضاع القائمة وثانيهما أن هذا الفصل يضمن نزاهة أرقام التوزيع المعلنة، لانها ستصدرفي هذه الحالة من شركات توزيع مستقلة ومراقبة بعيدا عن أي شبهة لتعارض المصالح. وأزيد علي الزميل في روزا اليوزسف مقترحين أساسيين، أولهما ضرورة وضع ضوابط مهنية تمنع تعارض المصالح داخل المؤسسات الصحفية الحكومية وغير الحكومية، وعلي سبيل المثال لايجوز أن يتولي مناصب قيادية في هذه المؤسسات أشخاص غير متفرغين، أو يزاولون أكثر من وظيفة، كأن يعمل رئيس تحرير صحيفة حكومية معدا لبرنامج تليفزيوني ومستشارا لصحيفة خليجية ومديرا من الباطن لمكتبها بالقاهرة، وأن يعمل رئيس مجلس إدارة نفس الجريدة مقدما لبرنامج تليفزيوني في إحدي القنوات الفضائية، ولايتورعان رغم ذلك عن الحديث عن الضوابط والاصلاح والقواعد المؤسسية. أما المقترح الثاني فيتمثل في ضرورة فتح الباب أمام شركات النشر المصرية للعمل وفقا لقوانين الاستثمار العادية كالقانون159، مع تغيير قانون نقابة الصحفيين بما يسمح بتملك الصحفيين أسهم المؤسسات التي يعملون بها أو يؤسسونها في المستقبل. وأبشر السيد رئيس تحرير روزاليوسف بأن هذه المقترحات وغيرها، في طريقها لتسليط الضوء عليها ومناقشتها في الفترة القادمة، بالرغم من حملات التحريض، وبعيدا عن هاجس الوديعة، الذي أدعو الله أن يشفي المبتلين به منه!