رئيس مصر القادم.. من يكون؟

افكار الخرادلي : لن يذكر التاريخ لمحمد مرسى سوى أنه كان الرئيس المحلل بين نظامين، تولى مقاليد الحكم بعد مؤامرة دولية كبرى على مصر وشعبها، وستكون صفحته فى التاريخ مكللة...

افكار الخرادلي :

لن يذكر التاريخ لمحمد مرسى سوى أنه كان الرئيس المحلل بين نظامين، تولى مقاليد الحكم بعد مؤامرة دولية كبرى على مصر وشعبها، وستكون صفحته فى التاريخ مكللة بالسواد، حيث استطاع خلال عام واحد فقط أن يكسب هو وجماعته عداء ورفض كل فئات وأطياف الشعب المصرى باستثناء من اشتروهم بالمال، وهو عدد لا يذكر نهائيا، هذا علاوة على أن تأثيرهم داخليا يقف عند حد الحشد سواء فى انتخابات أو اعتصامات، معتمدين على أتباعهم من الفقراء والمهمشين، وما عدا ذلك فهو بفضل المساعدات والتخطيط التى حصلوا عليها من قوى خارجية شاركتهم فى المؤامرة على مصر.

رئيس مصر القادم من يكون؟ سؤال قد تكون إجابته مؤجلة فى الوقت الحالى لما بعد القضاء على الإرهاب أو على الأقل السيطرة عليه، ولكن هذا لا يمنع من وضع تصور للأسماء المحتملة، ولا أظن أن مولد الترشيحات للانتخابات الرئاسية الذى حدث فى 2012 سوف يتكرر مرة أخرى، حيث أتصور أن كل مرشح من السابقين قد عرف حجمه الحقيقى تماما وفرصه بعد أن انحصرت المنافسة السابقة بين خمسة مرشحين من ثلاثة عشر بعد استبعاد واعتذار ثلاثة.

مصر لم تنضب، والقادرون على حكمها عديدون حتى إن وسائل الإعلام المختلفة المحلية والعالمية احتفت الشهر الماضى بطفل اسمه على أحمد ووجدت فيه مشروعا لرئيس لمصر رغم أن عمره لا يتعدى الثانية عشرة، شارك «على» فى المظاهرات ضد الإخوان وعندما سئل عن السبب أجاب بأنه يرفض «الثيوقراطية الفاشية»، مضيفا أننا لم نتخلص من الحكم العسكرى لنستبدله بثيوقراطية فاشية، ولأمنع مصر من أن تصبح سلعة مملوكة لشخص واحد، وفسر على الثيوقراطية بأنها مزج الدين مع السياسة والتلاعب بالدين وفرض قوانين صارمة باسم الدين والدين منها براء.

ورغم أن وصول مرسى الى الحكم تم بطريقة ديمقراطية - نظريا - ومن قبله حسنى مبارك الذى خاض أول انتخابات تعددية فى عام 2005، وهو ما يعد ممارسة ديمقراطية، فإن حكمهما افتقد الديمقراطية، وهذا هو الأساس والمحك وسبب مشروع لعزلهما، ولذا لابد أن يتضمن الدستور القادم فيما يتعلق بالرئيس ضمانات لعدم انحرافه عن المسار الديمقراطى وإجراءات قانونية لسحب الثقة منه فى حالة الانحراف.

لقد جاء ما تسرب عن التحقيقات التى تجرى مع القيادات الإخوانية التى قبض عليها، ما يثير الذهول، إذ يتردد ان المرشد قد اعترف فى تلك التحقيقات أن مرسى الذى رشحه هو شخصيا وحزبه لرئاسة مصر يعانى مرضا نفسيا يعالج منه منذ خمسة عشر عاما! ولو صح هذا الكلام لأصبح اتهاما إضافيا يحاكم بموجبه المرشد وباقى القيادات ويستوجب الحكم عليهم بأقصى عقوبة لتلاعبهم بمصير أمة من خلال ترشيح ودعم شخص فاقد لأبسط قواعد الأهلية لحكم دولة.

لقد اختلف الحكماء والفلاسفة فى المواصفات التى يجب أن يتحلى بها الحاكم، فبينما اشترط أفلاطون لرئاسة المدينة الفاضلة فيلسوفا يتحلى بالحكمة والعدل والصدق والشجاعة والإدراك والإنسانية والعلم والصبر وغيرها من المواصفات الأخرى، إلا أن الفارابى تلميذ أفلاطون قد أوجب أن يتحلى الرئيس «بالجسدية» أى أن يكون تام الأعضاء حتى يستطيع أن ينجز أعماله وأن يتمتع بالعقلية الكاملة،جيد الفهم والتصور،جيد الحفظ،جيد الفطنة، ذكيا يفهم بأدنى إشارة،حسن العبارة،محبا للتعليم والاستفادة منه ومنقادا له، غير شره فى المأكل والمشرب، محبا للصدق وأهله، مبغضا للكذب، كبير النفس محبا للكرامة، أن يكون الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا هينة عنده،محبا للعدل، مبغضا للجور، يؤتى العزيمة على كل ما يريد فعله،مقداما دون تردد أو ضعف فى النفس، كلها مواصفات لم أجدها حقيقة فى كل من سبق وحكمونا إلا فى شخص واحد فقط وهو جمال عبدالناصر رغم تحفظ البعض ممن تضرروا من القوانين الاشتراكية وعددهم لا يذكر.

ورغم انشغال المصريين فى الوقت الحالى عن هذه القضية فإن هناك تحركات من البعض تشى بنواياهم.بعضهم سبق له خوض غمار المنافسة وأبلى بلاء حسنا مثل حمدين صباحى والفريق أحمد شفيق الذى خاض سباقا شرسا مع المرشح الإخوانى الذى فاز بعد نتيجة مشكوك فى صحتها، وآخرين طرحت أسماؤهم للمرة الأولى مثل اللواء مراد موافى الذى ظهر جروب على الفيسبوك بعنوان «مراد موافى رئيسا»، بالإضافة الى الدكتور مصطفى حجازى الذى ظهر فجأة وحديثا فى المشهد السياسى، ولم يكن أحد يعرفه حيث أتى من الولايات المتحدة التى يدرس فى إحدى جامعاتها ولكنه نال إعجاب المصريين بأدائه الراقى وتمكنه العلمى واللغوى.

حمدين صباحى سياسى مصرى ورئيس سابق لحزب الكرامة وبرلمانى سابق ورئيس لتحرير جريدة الكرامة.معروف بميوله الناصرية، وله تاريخ فى الدفاع عن حقوق المصريين والعدالة الاجتماعية ومناصرة القضايا الوطنية، عرف بمواقفه المعارضة لسياسات الرئيسين أنور السادات وحسنى مبارك، وله مواقف من غزو العراق وبناء الجدار العازل.

أما أحمد شفيق فرغم اختفائه فى أعقاب ثورة 6/30 لكنه يعد الغائب الحاضر فى المشهد، وتقول بعض التقارير إن وفدا مصريا توجه الى موسكو منذ أيام للتفاوض مع المسئولين الروس استعان بأحمد شفيق لخبرته فى التفا وض فى الشئون العسكرية، وهو ما يعنى أن مصر مازالت فى حاجة لهذا الرجل.

نجح شفيق فى كل موقع شغله إلا موقعا واحدا لظروف خارجة على إرادته وهو موقع رئيس الوزراء الذى كان مطلبا شعبيا قبل 25يناير، قبل الرجل المنصب والبلاد تمر بظروف عصيبة بدافع من الوطنية والرغبة فى الخروج بمصر من النفق المظلم، ولم ينس المصريون حتى اليوم الحملة الشرسة الموجهة ضد الرجل من أشخاص كانوا محل اعجاب واحترام فقدوه بعد برنامج تليفزيونى شهير، هذا بخلاف محاولات التشويه والتشكيك فى ذمته ومحاولة منعه من الترشح، ولكنه أثبت انه مقاتل شرس استطاع الوصول الى جولة الإعادة مع مرشح الإخوان الذى توافرت له كل سبل المساعدة، فبالإضافة الى وقوف جماعة وراءه انهال عليه التمويل القطرى وشركات الدعاية التركية المتخصصة فى الحملات الانتخابية، وتواترت أنباء عن فوزه، ولكن ظهرت النتيجة المفاجئة بفوز مرسى وتردد أن ذلك كان صفقة بين الإخوان والمجلس العسكرى فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية.

أما اللواء مراد موافى فهو مدير المخابرات السابق الذى حل خلفا للواء عمر سليمان بعد تعيينه نائبا لرئيس الجمهورية وشغل أيضا منصب رئيس المخابرات العسكرية ومحافظا لشمال سيناء، وهو الآخر ذو خلفية عسكرية.

ينسب له الفضل فى إنهاء الانقسام بين فتح وحماس بعد زيارات مكوكية بعد 25 يناير، وهو ما أسفر عن توقيع اتفاق مصالحة، كما لعب دورا رئيسيا فى صفقة تبادل الأسرى التى تضمنت الإفراج عن 1027 أسيرا وأسيرة فلسطينيين مقابل الإفراج عن الجندى الإسرائيلى جلعاد شاليط، ولكن تخلص منه محمد مرسى عقب حادث رفح الإرهابى الذى راح ضحيته ستة عشر جنديا من القوات المسلحة، وذلك لأن موافى كشف عن أنه قدم للسلطات المسئولة معلومات عن الحادث قبل وقوعه، مؤكدا أن مهمة جهاز المخابرات تقتصر على جمع المعلومات، لكن يبدو أن المعلومات التى كانت لدى موافى عن مرتكبى الحادث الذين قال إنهم ينتمون لجماعة تكفيرية منتشرة فى سيناء وغزة كانت هى سبب اقالته.

والمفاجأة هى أن «موافى» هو مرشح جبهة الإنقاذ لخوض الانتخابات الرئاسية وهو بالتحديد مرشح رجال الأعمال خاصة أن حمدين صباحى عضو الجبهة وزعيم التيار الشعبى يعد نفسه لهذه الانتخابات، ولكن على ما يبدو فإن ترشيح موافى يلقى قبولا داخل الجبهة، خاصة من الدكتور محمد أبوالغار، رئيس الحزب الديمقراطى الاجتماعى، وأسامة الغزالى حرب، رئيس حزب الجبهة الديمقراطية وبعض القيادات الأخرى.

الدكتور مصطفى حجازى ذلك الرجل الذى يملك كل مقومات وملامح رئيس جمهورية ظهر فى المشهد السياسى فجأة، ولا يعلم المصريون عنه سوى انه المستشار الإستراتيجى للرئيس المؤقت.هو أكاديمى ومفكر وخبير دولى فى مجال التطوير المؤسسى والتخطيط الإستراتيجى وحوكمة الكيانات الإقتصادية والاجتماعية، وصاحب دعوة إحياء التيار المصرى، وكان أول من أصل لمعنى «أنسنة الإدارة» فى الثقافة المؤسسية للشركات فى منطقة الشرق الأوسط، ولا أتصور أن مصطفى حجازى كان اختيار الرئيس المؤقت، إذ أن الرئيس نفسه فوجئ بوضعه فى موقعه هذا دون إعداد، وجار البحث الآن عن مكتشف هذا الكادر الفريد الغريب على مصر.

وحجازى الذى ولد فى القاهرة حاصل على دكتوراه الفلسفة فى الهندسة والإدارة الإستراتيجية للأزمات من جامعة جنوب كاليفورنيا، وعمل استاذا للإدارة والفكر الاستراتيجى والتطور المؤسسى فى الجامعة نفسها، وهو عضو مؤسس لحوكمة الشركات، وعضو اللجنة الاستشارية للبنك الدولى وعضو مجلس أمناء المؤتمر الإسلامى للتنمية، وهو يعمل فى مجال صناعة الفكر، كما أنه مؤسس مركز متخصص فى الفكر الاستراتيجى وشركة تعمل فى مجال الحوكمة وتطوير الشركات والكيانات الصغيرة، ويشمل مجال عمله تقديم خدمات استراتيجية لتطوير الكيانات والمجتمعات.

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعى عقب أول ظهور رسمى لمصطفى حجازى، حيث كان هو المتحدث فى المؤتمر الصحفى العالمى الأول لرئاسة الجمهورية، ونال إعجاب الجميع شكلا وموضوعا، إذ رأوا فيه نموذجا مصريا مشرفا صاحب علم وفكر، وتنبأ له الكثيرون بالوصول لحكم مصر.

ولكن من هو الشخص الذى يريده الشعب فى هذه المرحلة وحاصل على توافق؟ أعتقد أنى لا اخطئ لو قلت إنه الفريق عبدالفتاح السيسى، وجاءت صورته بالبذلة المدنية لتزيد الحديث عن احتمالات أن يكون هو الرئيس القادم لمصر، بل يذهب البعض الى القول بأن شعبيته الكاسحة سوف تعيد نتائج انتخابات رئاسية نسيناها منذ عقود وهى تلك التى تتعدى %90.

وعبدالفتاح السيسى الذى يصفه الغرب بأنه رجل مصر القوى الجديد هو حاليا القائد العام للقوات المسلحة المصرية، ووزير الدفاع الرابع والأربعون الذى اختاره مرسى فى 12 أغسطس 2012 قبل أن يتخلص من المشير حسين طنطاوى والذى قيل إنه حلف اليمين، بينما طنطاوى ينتظر لقاء مرسى فى صالون آخر ولا يعلم أن استدعاءه كان لإبلاغه بعزله.

أثار اختيار السيسى كثيرا من اللغط، فهو كان رئيسا للمخابرات العسكرية ونسب له-خطأ-إنتماؤه لجماعة الإخوان بسبب تدينه وقرابته لأحد قيادات الجماعة.

حصل السيسى على الماجيستير من كلية الأركان البريطانية عام 1992، وزمالة كلية الحرب العليا الأمريكية عام 2006، وكان أصغر أعضاء المجلس العسكرى سنا قبل اختياره لمنصبه.

استطاع السيسى بأسرع من البرق استعادة ثقة الشعب فى قواته المسلحة بعد الهتافات المغرضة المطالبة بسقوط العسكر، بل كان له فضل رأب الصدع بين الشرطة والشعب، وجعلت استجابته لمطالب الشعب فى 6/30 منه بطلا قوميا وشعبيا، خاصة بعد صموده وتحديه للولايات المتحدة الأمريكية ومحاولاتها إعادة عقارب الساعة الى الوراء أو على الأقل الإفراج عن الرئيس المعزول وعدم محاسبته.

هؤلاء الخمسة هم المرشحون المحتملون - حتى الآن - ليكون واحدا منهم هو رئيس مصر القادم، ولكن منذ عامين ونصف العام والكلمة للشعب ولا أحد غيره.