فى مدينة العـقاد 635 تذكار جيتى 3

حياة جيتى تناول الأستاذ العقاد حياة جيتى، ثم المرأة فى حياته، بالقدر اللازم للتعرف على مؤلفاته وموضوعاتها ومراميها، ودراسة حياته ومعالمها البارزة، يتواصل- فى إطار التعرف على الفيلسوف الشاعر-

حياة جيتى تناول الأستاذ العقاد حياة جيتى، ثم المرأة فى حياته، بالقدر اللازم للتعرف على مؤلفاته وموضوعاتها ومراميها، ودراسة حياته ومعالمها البارزة، يتواصل- فى إطار التعرف على الفيلسوف الشاعر- مع ما قدم به الأستاذ العقاد عن النفس الألمانية، وعن الحرية الفنية فى الأمة الألمانية. على عكس ما تمناه «جيتى»، عمّر ثلاثة وثمانين عامًا، كانت بداياتها متعانقة مع الربيع بوروده ورياحينه، وفى أحضان الجمال.. من طفولته الأولى، وحتى نهاية حياته، وكان هذان الرافدان حاضرين فى أعماله، وفى حياته أيضًا، حتى إنه أراد خطبة فتاة فى التاسعة عشرة بينما هو فى الرابعة والسبعين، فلما أعرضت عنه تشفّع إليها وإلى أمها بتباريح الهوى، ولما أصرت الفتاة على الرفض راح يعانى براح الغرام وينظم قصائـد الغزل! وقد ظلت الحياة يانعة لقريحته كما ظلت يانعةً لقلبه، فأثمرت شجراتها أطيب الثمار فى الفن والعلم والشعر والأدب. يصفه الأستاذ العقاد بأنه ربيع دام فى هذه الأرض نيفًا وثمانين عامًا، يخصب كما يخصب الربيع، ويجدب أيضًا كما يجدب الربيع، وهو ربيع الطبيعة والفن معًا. ولد جوهان ولفجانج جيتى (جوته) بمدينة فرانكفورت فى 28 أغسطس 1749، من سلالة فيها الحائك والحداد والبيطرى والضابط والتاجر، وشب فى بيت لا تقارب فيه بين الأبوين فى السن أو المزاج، إذ كان أبوه جافيًا شديدًا فى النظام حريصًا على وجاهته ولقبه الذى اشتراه بالمال، بينما كانت أمه طروبة ضحوكة، فورث عن أبيه كما قال قوة الخالجة والشك والتطلع، وعن أمه المرح والخيال وحب الحياة! وتعلم فى طفولته الأولى على أبيه فى معظم الأحوال اللاتينية والإيطالية والفرنسية، ولما نشبت وهو فى السابعة- حرب السنوات السبع بين النمسا وبروسيا، انحاز كأبيه فى جانب «فردريك» الكبير، ولما احتلت فرانكفورت فرقة فرنسية تساعد النمسا على بروسيا، واحتل قائدها منزل جيتى، غنم الطفل الصغير من هذا الاحتلال فائدة جمّة بالتلقى عن قائد الفرقة الضابط المثقف الذى كان يحب مجالسة الأدباء ورجال الفنون، وأتيح للصغير أن يشهد المسرح الفرنسى الذى كان يرافق الجيش. وفى الثانية عشرة، أخذ جيتى يتعلم الرياضة والموسيقى والتصوير واللغة الإنجليزية، واخترع قصة يعيش أبطالها فى ممالك مختلفة ويكتب كل منهم إلى صحبه بلغة بلده، فحذق جيتى هذه اللغات وفتن بأساليبها. وأدت به قراءة التوراة إلى دراسة العبرية، ونظم الشعر فى قصة يوسف وأخوته، وكان يملى ما ينظمه على زميل من صنائع أهله، فظل الإملاء عادة لازمته فى حياته، وقد ترك بيت أبيه وهو فى السادسة عشرة إلى جامعة «ليبزج» ليدرس الشريعة ويزور المتاحف ويمارس التصوير، ويلهو أحيانًا ويجرب الهوى والهجر والغيرة، حتى وهن جسمه وأصيب بنزيف شديد أوشك أن يقضى على حياته. وسنحت له الفرصة الفراغ لدراسة الكيمياء القديمة والسحر والطلاسم مع بعض الأطباء، وخرج من مباحثه تلك بمتعة الفنان وتأمل الفيلسوف. أتم دراسته بالجامعة وهو فى الثانية والعشرين، وراح يتدرب على المحاماة فى «فتزلار»، معانقًا الحب كدأبه، فالتقى بالفتاة «شارلوت بف» التى أحبها ووصف حبه إياها فى قصته «آلام فيرتر». وقد شاعت القصة وذاع اسم مؤلفها بين العلية والمتأدبين، وفى طليعتهم «كارل أوجست» أمير «فيمار» الفتى المحب للفنون، وتكررت دعوته لجيتى إلى عاصمته، وكان من أسباب تلبية جيتى لهذه الدعوات حادث غرام ورغبة فى هجر المحاماة ولو إلى حين، لنفور ألمّ به منها، أشار إليه فى رواية «فاوست». * * * كان أمير «فيمار» محبًّا للأدب مشجعًا للآداب الألمانية، ومن غرائبه أنه أمر بأن تُجمع له مكتبة عن كل ما كتب عن الحب بضروبه وأشكاله. وقد عَرَفَ كل من الأمير، وشاعرنا الفيلسوف عَرَفا بعضهما معرفة البصير الناقد والصديق الشاكر للفضائل المتسامح فى العيوب، وتوثقت بينهما صداقة دامت مدى حياتهما، وفى عاصمة الإمارة الصغيرة تولى «جيتى» مناصب الوزارة العالية، وتقلب فى أعمال شتى منها ما اتصل بالثقافة والتمثيل، ومنها ما كان فى الزراعة والمعادن والحرب، ووالاه الأمير برعايته فلم يبخل عليه بشىء يتوق له، وظلت بينهما هذه المحبة الصافية حتى قضى الأمير نحبه، وأحس جيتى تغيّر الحال فاعتزل جميع هذه الأعمال، وإنْ بقى اسم «فيمار» عظيمًا لديه بين البلدان يحف به سحر الطبيعة وسحر الشعر وسحر المأثورات. وهذه القرية: «فيمار» هى التى أوى إليها الشاعر الفيلسوف من 5 نوفمبر 1775 إلى اليوم الذى مات فيه، يداول بينها فى الإقامة وبين «يينا» القريبة منها . وقد عاش جيتى فى عصر الثورة الفرنسية، ولقى نابليون أعظم رجال الدول فى زمانه، ولكن يمكنك أن تحذف ذكر الثورة بأسرها دون أن تختل معك قواعد ذلك التاريخ، وكذلك لقاءه بنابليون، بيد أنك لن تستطيع أن تلغى لقاءه بالأديب «هردر» أو الشاعر «شيللر»، بل لا تستطيع أن تحذف لقاءه بإحدى الحسناوات التى غذته بغذاء الأرباب من نور العيون ووهج القلوب. ويرى الأستاذ العقاد أن أعظم حوادث التكوين والتوجيه فى حياة هذا العبقرى المعمّر، إنما كانت فى سنواته العشر الأولى، لا فيما أعقبها من سنوات الشبـاب أو الكهولة أو الهِرم. ففى سن السادسة، وقع زلزال لشبونه، فطال فيه جدال الناس فى العدل الإلهى، وسقطت بذور الشك فى ضمير الطفل اليقظ المستريب. وفى سن السابعة نشبت الحرب بين النمسا وبروسيا، فسمع عنها فى بيته كل ما يقال عن مطامع السياسة وحركات الشعوب. وفى سن العاشرة شهد التمثيل الفرنسى ورأى مظاهر القوة الفرنسية. وكانت كل هذه الأصول واضحة فى جيتى الشيخ وهو ملقى على سرير الموت، ومات هذا الشيخ فى مولد الأرض وعُرْس الربيع وهو يطلب المزيد من النور، ويهتف بمن حوله وهو يجود بنفسه «افتحوا النافذة ليدخل النور ». رجائى عطية Email: [email protected] www.ragai2009.com