تطوير التعليم يحتاج لمشاركة القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني

جهاد سالم: بعد سنوات من التدهور لحق قطاع التعليم بمصر، بدأت الدولة تغيير رؤيتها لتطوير المنظومة بكل مراحلها، مراعية متطلبات سوق العمل، ما من شأنه تغير ترتيب البلاد بمؤشر تنافسية التعليم، وال

جهاد سالم:

بعد سنوات من التدهور لحق قطاع التعليم بمصر، بدأت الدولة تغيير رؤيتها لتطوير المنظومة بكل مراحلها، مراعية متطلبات سوق العمل، ما من شأنه تغير ترتيب البلاد بمؤشر تنافسية التعليم، والذى تحتل مصر فيه حاليًّا المركز قبل الأخير.

ولا يخفى على أحد المشاكل العديدة التى يعانى منها التعليم بمصر، ولعل أبرزها التسرب من التعليم وقلة عدد المدارس وارتفاع الكثافة الطلابية بالفصول، ولعل مؤشرات التعداد السكانى لعام 2017 جاءت صادمة، حيث بلغت نسبة الأمية بين السكان المصريين نحو %25.8، فيما وصلت نسبة الحاصلين على مؤهل أقل من متوسط إلى %18.8، والحاصلين على مؤهل متوسط «تعليم فنى» %22.2، و%6.9 للحاصلين على ثانوية عامة أو أزهرية، والحاصلين على مؤهل جامعى فأعلى %12.4، ونسبة السكان المصريين الملتحقين بالتعليم حاليًّا «4 سنوات فأكثر» %30.2، ونحو %35.6 أتموا التعليم.

ورصد التعداد ظاهرة التسرب التعليمى، للمراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية فقط، فبلغت نسبة المتسربين %7.3، فضلًا عن %26.8 لم يلتحقوا بالتعليم مطلقًا.

تأسست دار نهضة مصر عام 1983 وهى شركة عائلية مملوكة لعائلة محمد أحمد إبراهيم.

وفى حوار أجرته «المال» مع داليا إبراهيم، رئيس مجلس إدارة دار نهضة مصر للطباعة والنشر، فنّدت داليا أبرز العقبات التى تواجه المنظومة التعليمية بالكامل للوقوف على العديد من الحلول.

وقالت داليا إبراهيم، إن الدولة غير قادرة منفردة على تحمل تكلفة تطوير التعليم، ما يفتح الدور لمنظمات المجتمع المدنى والقطاع الخاص للاستثمار فى ذلك القطاع، شريطة تبنّى الدولة ممثلة فى الحكومة رؤية واضحة واستراتيجية عمل تشرف على تنفيذها.

وأكدت أن التطوير التكنولوجى وسهولة الحصول على المعلومات، أتاح آليات جديدة للتعليم والتعلم من شأنها تخفيف العبء عن كاهل الدولة فى بناء مدارس لا تفى باحتياجات الزيادات السكانية المتتالية، لافتة إلى أن هناك العديد من التجارب التعليمية المختلفة يدعم تطبيقها تطوير منظومة التعليم، ومنها التعليم من المنزل والتعليم الإلكترونى عن بُعد.

وأضافت أن رؤيتنا لمستقبل الاستثمار فى التعليم دفعتنا لتدشين شركة رأسمال المخاطر «E.D Ventures»؛ للاستثمار فى مجال تكنولوجيا التعليم، وتقديم منتجات جديدة فى هذا المجال، وستقوم الشركة باحتضان المشروعات الناشئة المتخصصة فى التعليم والتعلم، وتقدم لها الدعم الفنى والخبرة والاستثمارات اللازمة لإنجاح تلك المشاريع فى مصر والعالم العربي.

ونوهت داليا بأن فكرة الشركة تقوم على تبنّى الأفكار الجديدة فى القطاع التعليمى ومساعدة طارحى تلك الأفكار على تحويلها لمشروعات، وتقوم الشركة بتمويل تلك المشروعات وتسويقها مقابل حصة بالمشروع.

وذكرت أن عمل الشركة يقوم على 3 مراحل جنبًا إلى جنب، وتتضمن المرحلة الأولى تدريب مجموعة شباب ممن لديهم أفكار ابتكارية فى المجال التعليمى لمدة 6 أشهر من خلال برامج تدريبية جاهزة لدى الشركة فى عدة مجالات، بالإضافة إلى برامج تدريبية متخصصة يتم تنفيذها لكل مجموعة فى المجال المطروح، ومن ثم ينتقل المتدربون للمرحلة الثانية التى تتضمن تنفيذ المنتج وتسويقه، أما المرحلة الثالثة فتمول التوسعات.

وأوضحت رئيس مجلس إدارة نهضة مصر أنه ليس من الحتمى أن تمر فكرة المشروع بالمراحل الثلاث، حيث إنه من الممكن أن تبدأ فى المرحلة الثالثة مباشرة، وذلك للمشروعات القائمة بالفعل والتى تحتاج لشراكة للتوسع، حيث تفتح الشركة الباب لصاحب المشروع؛ للتعرف على آلاف المدارس التى تتعاون معها الشركة منذ زمن بعيد، ما يعطى المشروع قيمة مضافة على خلفية شراكتها مع مؤسسة تعمل فى القطاع التعليمى منذ 50 عامًا.

وأفادت بأنه عقب إطلاق الشركة تم فتح باب التسجيل إلكترونيًّا لمدة شهر لتلقّى الأفكار الجديدة، بحيث يتم فرز التسجيلات واختيار أفضل المجموعات، ومن ثم بدء العمل معها، على أن تقوم الشركة بتوفير الدعم المالى اللازم للشباب لتطوير أفكارهم، وكذلك الأبحاث السوقية والمقر، فضلًا عن توفير خبراء متخصصين فى النواحى المالية والقانونية والإدارية.

وأشارت إلى أن المشروع يعد الأول من نوعه فى الوطن العربى المخصص لخدمة التعليم والتعلم، لافتة إلى أن تمويل المشروع بالكامل من أموال الشركة، إلا أنها قد تفتح الباب لدخول مساهمين من الخارج فى مرحلة متقدمة ومع الحاجة لضخ المزيد من الأموال.

ولفتت داليا إلى أن المنظومة التعليمية تحتاج لتطوير شامل لكل مراحلها والاعتماد على وسائل التعليم الحديثة، سواء التعليم الإلكترونى أو التفاعلى أو التعليم فى المنزل.

وذكرت أن الدور المنتظر للدولة ممثلة فى الحكومة ليس تنفيذ وبناء المدارس، وإنما من المفترض أن تتولى وضع أطر تطوير المنظومة وآليات التنفيذ وتترك المجال للقطاع الخاص للمنافسة وتقديم أفضل منتج تماشيًا مع استراتيجية الحكومة، لافتة إلى أنه حتى وقت قريب كانت الحكومة بمثابة جهة تقنين ووضع السياسات والاستراتيجيات والتنفيذ، وهو ما لن تتمكن الحكومة من الاستمرار فى القيام بكل الأدوار؛ لما له من تكلفة مرتفعة لا تتحملها موازنة الدولة.

واعتبرت داليا أن فتح المجال للقطاع الخاص للاستثمار فى التعليم، يسهم بدوره فى تقليل أعباء العملية التعليمية عن كاهل أولياء الأمور، خاصة أن المنافسة من شأنها خفض الأسعار، لافتة إلى أن تطوير منظومة التعليم عبء ثقيل يحتاج إلى تضافر جهود الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني.

وتوقعت أن تشهد السنوات المقبلة ثورة فى القطاع التعليمى إذا أتاحت وزارة التربية والتعليم الفرصة لانضمام مستثمرين جدد للقطاع، بشرط وضوح الرؤى من قِبل الحكومة حول دعمها للقطاع الخاص للاستثمار فى هذا المجال، ومن ثم يجب أن تكشف الحكومة عن استراتيجيتها لتطوير التعليم خلال الفترة المقبلة، والمشاريع المطلوب تنفيذها على أرض الواقع، فضلًا عن ضوابط تسلم تلك المشاريع واشتراطات الجودة، وتترك مهمة التنفيذ للقطاع الخاص، على أن تتولى الحكومة مراقبة تنفيذ الخطة والإشراف عليها.

وأضافت داليا أنه على الدولة أن تفتح الباب للقطاع الخاص لتقديم تصورات وأفكار ومشاريع لتطوير المنظومة التعليمية، على ألا تقتصر على المدارس الخاصة والدولية، وإنما تمتد للمدارس الحكومية أيضًا.

ولفتت إلى أن إرجاء الدراسة بالمدارس اليابانية التى أعلنت عنها الحكومة، وكان من المفترض لها البدء العام الدراسى الحالى، يوضح أهمية وجود جهة منوط بها تنفيذ المشروعات فى التوقيت المحدد.

ونوهت بأن استراتيجية تطوير التعليم لا بد أن تراعى متطلبات سوق العمل، واستحداث أنظمة تعليمية جديدة تواكب التطور التكنولوجى، فمع تزايد التعداد السكانى من الطبيعى ألا يفى إنشاء المدارس الجديدة بمتطلبات الزيادة السنوية، ومن ثم لا بد من وجود فكر مختلف يسهم فى دخول آليات تعليمية جديدة دون الحاجة لبناء مدارس.

وأوضحت أن هناك العديد من الطرق التعليمية على مستوى العالم تستند إلى التركيز على المحتوى الإلكترونى الذى يسهم بدوره فى تقليل زمن التواجد بالمدرسة، ومن ثم يتيح استخدام نفس المدارس لفترات ثانية بشكل جيد، بحيث يقوم الطلاب بتجهيز المواد الدراسية فى المنزل من خلال الإنترنت والمحتوى الإلكترونى، ويصبح الفصل مكانًا للتفاعل والنقاش، ما يسهم فى إتاحة فرصة أكبر لاكتساب المزيد من المعلومات وتوسيع مدارك الطلاب وإعطائهم الفرصة للتعرف على أفكار إضافية.

وشددت داليا على ضرورة الاستفادة من التجارب الدولية فى الـ«Homeschooling» أو التعليم من المنزل، والذى يتضمن قيام الوالدين بالتدريس لأبنائهم، خاصة أن لدينا أولياء أمور مؤهلين للقيام بذلك، كما أن هناك رغبة كبيرة من أولياء الأمور لتطبيق تلك النماذج التعليمية.

وأكدت أن هناك دولًا تقوم بمزج التعليم الإلكترونى والتعليم بالطرق التقليدية، ما يسهم فى تقليل وقت الحصة الدراسية وعدد الأيام التى يتواجد فيها الطلاب بالمدرسة، موضحة أن العامل التكنولوجى يدعم الأنظمة التعليمية الجديدة، إذ لم يعد من العسير الحصول على المعلومات، ومن ثم تساعد تلك الأنظمة على رفع كفاءة الطفل وتنمية قدرته على الاستيعاب والفهم، وتنمية المهارات الشخصية.

وأفادت بأن الرؤية المعلَنة من الحكومة حاليًّا حول تطوير التعليم، من شأنها أن تخلق طفرة فى المنظومة، بشرط جدية التطبيق، لافتة إلى عدة إنجازات قد تكون بداية للنهوض بالتعليم، وعلى رأسها إلغاء الامتحانات لمرحلة الحضانة ما يخفف العبء النفسى على أولياء الأمور، وعلى أمل إلغاء الامتحانات فى المرحلة الابتدائية.

وأشارت رئيس مجلس إدارة نهضة مصر إلى أن البدء فى برنامج تدريب المعلمين، والذى يستهدف نصف مليون مدرس، يسهم فى الحد من ظاهرة التسرب من التعليم ومن ثم الربط بين المعلم والطالب من خلال إتاحة آليات التعليم القائمة على التفاعل.

على جانب آخر اعتبرت داليا إنشاء بنك المعرفة خطوة فاعلة فى تطوير المنظومة التعليمية، حيث يضمن للأسرة مكانًا آمنًا لحصول أبنائها على المعلومة وتنمية الأفكار، إلا أنها اعترضت على الجانب التسويقى للمشروع.
وحول ارتفاع معدلات الفقر وعدم قدرة الأسر على استخدام الوسائل التكنولوجية فى تعليم أبنائها، قالت داليا إبراهيم إن تطبيق التعليم الإلكترونى مسئولية الحكومة وليس الأسرة ومن ثم يستوجب على القائمين على القطاع توفير متطلبات التعليم لكل المستويات.

واعتبرت أن التحول للتعليم الإلكترونى آتٍ لا محالة، لافتة إلى أن الدار تنبأت بمستقبل التحول للتعليم الإلكترونى منذ قرابة الـ20 عامًا، ما جعلنا ننشئ شركة سوفت وير وأنيميشن وبدأنا إنتاج محتوى إلكترونى كأول ناشر عربى يعمل شركة سوفت وبدأنا بإعداد اسطوانات تعليمية توزع مجانًا مع الكتب، ومن ثم أنشأنا «ويب سايت الأضواء» منذ 15 سنة، ويصل عدد متصفحى الموقع حاليًّا لما يزيد على 10 مليون متصفح سنويًّا.

وأضافت أن الشركة صممت تطبيقًا على أجهزة التابلت والكمبيوتر يعمل على مختلف أنظمة التشغيل مثل «أندرويد» و«آى أو إس» وغيرها، ويضم كل المناهج التعليمية للمراحل الدراسية من الصف الأول الابتدائى وحتى الثالث الإعدادى ويضم 45 مادة دراسية، فضلًا عن كونه يحتوى على نسختين الأولى للطالب، والثانية للمدرس.

وأشادت بتجربة نهضة مصر فى العمل بالقطاع التعليمى والتى تتضمن إعداد المناهج الدراسية لمختلف المراحل الدراسية من التعليم الابتدائى وحتى الثانوى والفنى، لافتة إلى أنه مؤخرًا بات التعاون وثيقًا بين الدار ووزارة التربية والتعليم، بعد اقتناص الدار تدريب المعلمين وطلاب المدارس الفنية.

وقالت رئيس مجلس إدارة شركة نهضة مصر للطباعة والنشر، إنه خلال الفترة الماضية كانت الشركة تقدم مشاريعها ورؤيتها وأفكارها للمداس الدولية والخاصة لإتاحة الفرصة لتنفيذ تلك المشروعات، إلا أنه خلال العام الأخير ومع إعلان الحكومة نيتها النهوض بالتعليم والحاجة المُلحة لتطوير المنظومة بالكامل، فإن مساهمة الشركة فى عملية التطوير باتت تحمل العديد من الفرص.

وحول عمل الدار أكدت أن نهضة مصر تقوم حاليًّا بإعداد وتطوير المناهج الدراسية فى 4 دول عربية هى مصر والإمارات والسعودية وسلطنة عمان، فضلًا عن إعداد برامج تدريبية للمعلمين، وإنتاج محتوى إلكترونى، بالإضافة إلى إصدارات الدار المختلفة من الكتب الثقافية فى كل المجالات «سياسة- اقتصاد- قصة- رواية»، كما نبحث حاليًّا التعاون مع دولة البحرين.

وأفادت بأن الشركة نفذت مشروعًا ضخمًا فى السعودية يشمل تدريب المعلمين وجهًا لوجه والتدريب عبر الإنترنت وإعداد محتوى إلكترونى للمناهج التعليمية، كما تقوم الشركة حاليًّا بإعداد محتوى إلكترونى لمؤسسة الأزهر وآخر لمشروع (وايز) لتطوير القوى العاملة وتعزيز المهارات، بالتعاون مع التعليم الفنى ويتضمن تدريب المعلمين وإعداد مناهج دراسية وفقًا لمتطلبات سوق العمل.

وقالت إن الدار اقتنصت مؤخرًا مشروع تدريب مهنى مع التعليم الفنى، ويتضمن إعداد مناهج دراسية وتدريب الطلبة فى قطاع الطاقة المتجددة، وتم البدء فى تطبيقه اعتبارًا من العام الدراسى الحالى على طلبة أولى ثانوى، كما تتولى الدار مهمة تدريب للمعلم على كيفية شرح تلك المناهج، وتوفير الأجهزة المستخدمة لتحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية، لافتة إلى تغير رؤية وزارة التربية والتعليم حول تطوير التعليم الفنى بما يلائم متطلبات سوق العمل، ليضم التعليم الفنى 220 تخصصًا أحدثها اللوجيستات.

ولفتت إلى أن «نهضة مصر» تضم حاليًّا 5 شركات، الأولى للنشر وشركة للصحافة وشركة للرسوم المتحركة وشركة سوفت وير وشركة تجارة لإنتاج مستلزمات المدارس وشركة الأنيميشن.

واستبعدت فكرة الطرح بالبورصة، لافتة إلى أن الشركة تفخر بكونها استثمارات عائلية مستمرة لثلاثة أجيال متعاقبة، وتتعاون مع 150 مؤسسة دولية، منوهة بأن رأسمال الشركة المدفوع يبلغ 300 مليون جنيه.

وحول تداعيات تحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار العام الماضى، قالت إن القرار وتبعاته من ارتفاع تكلفة الطباعة والمواد الخام والماكينات فرض على الشركة تعديل استراتيجيتها، وتم اتخاذ عدة قرارات لمجابهة آثار التعويم ومنها زيادة رأس المال والحصول على تسهيلات ائتمانية قصيرة الأجل.

وأضافت أن إصدارات الدار الديجيتال لم تتأثر بقرار التعويم، كما لم يتأثر الكتاب التعليمى المطبوعى نتيجة ارتفاع الطلب عليه، فيما جاء التداعيات السلبية للتعويم على حساب الكتب المطبوعة الثقافية والروايات وكتب الأطفال ومن ثم لجأت الشركة لتقليل عدد العناوين المصدرة بنحو %30، كما تراجع عدد الإصدارات الأجنبية التى تستوردها الشركة لارتفاع تكلفة الاستيراد ومن ثم ارتفاع قيمة الإصدار، ما قلل حجم الطلب عليه.

وقالت إن الشركة تٌجرى دراسات تسويقية لكل كتاب على حدة قبل اتخاذ قرار الطبع، من خلال إدارة التسويق بالشركة؛ وذلك للتأكد من قدرة أى مطبوع على تحقيق مبيعات.