شريف عيسى
جاء نجاح المؤتمر الاقتصادى العالمى، الذى عُقد مؤخرًا بشرم الشيخ، ليطرح تساؤلات حول إمكانية الاستفادة من آلية المؤتمرات التى تجمع مختلف الأطراف كوسيلة للوصول إلى توافق يمكن من خلاله إحداث اختراق لحالة التأزم السياسى والاستقطاب والانقسام المجتمعى اللذين نجما عن الاضطرابات السياسية التى شهدتها البلاد منذ ثورة يناير 2011.
فقد أكد عدد من السياسيين والقيادات الحزبية أن نجاح الدولة اقتصاديًّا ليس كافيًا فى ظل الاضطرابات السياسية التى تعانى منها البلاد، لافتين إلى ضرورة تحقيق بيئة سياسية جاذبة لمزيد من الاستثمارات فى الفترة المقبلة.
أكد هشام النجار، الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، أن استكمال نجاح المؤتمر الاقتصادى يتطلب تحقيق استقرار سياسى، فالمفترض أن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، لذا فإن عقد مؤتمر سياسى على خطى مؤتمر القمة الذى عُقد مؤخرًا بشرم الشيخ أمر ضرورى؛ بهدف تحقيق بيئة سياسية ملائمة لجذب مزيد من الاستثمارات اللازمة لدفع معدلات نمو الاقتصاد خلال الفترة المقبلة.
وطالب النجار مؤسسة الرئاسة بضرورة تبنى مؤتمر سياسى على غرار المؤتمر الاقتصادى بأجندات محددة؛ بهدف إنهاء حالة التوتر السياسى الذى تشهده البلاد طوال السنوات الأربع الماضية، وهى الحالة التى بدت واضحة فى حالة الانقسام المجتمعى، إلى جانب الاستقطاب الحاد الذى يشهده الشارع السياسى والذى أدى إلى انسداد الأفق السياسى، مؤكدًا أن الدولة هى العنصر الأقوى خلال تلك المرحلة لإنجاح أى محاولة لإعادة حالة التوافق بين جميع القوى السياسية والحزبية، ولاسيما فى ظل حالة الوهن والضعف الذى تعانى منه الأحزاب نتيجة ضعف قدرتها على التواصل مع الجماهير وتلبية مطالبهم.
وأكد الباحث فى شئون الحركات الإسلامية أنه من الصعب فى المرحلة الراهنة إجراء مصالحة بين الدولة والأحزاب السياسية من جانب، وجماعة الإخوان المسلمين وأنصارها على الجانب الآخر؛ نتيجة تبنى الأخيرة العنف فى أعقاب عزل الدكتور محمد مرسى، مشيرًا إلى أنه على جماعة الإخوان المسلمين إجراء مصالحة داخلية أولا عن طريق البدء فى مراجعة أفكارهم لنبذ العنف وحل جميع التنظيمات السرية التى تشكلت منذ يونيو 2013.
ولفت إلى أن تدخل أى دولة لإجراء مصالحة بين التيارات الإسلامية والدولة المصرية سيفسَّر على أن الدولة رضخت لمطالب الجماعات التكفيرية والإرهابية المسلحة وأنها استجابت للعنف، مشيرًا إلى أن المعول الأساسى فى إنجاح أى مصالحة مع هذا الفصيل سيعتمد فى الأساس على الإجراءات الإصلاحية الداخلية التى سيقوم بها.
وتطرق النجار إلى أن المؤتمر السياسى المقترح سيكون وسيلة من الدولة لإعادة الأحزاب إلى دورها السياسى المعهود فى كل دول العالم، كما يمكن من خلاله معالجة جميع القضايا العالقة بالمجتمع، سواء قرارات أو تشريعات سياسية تعانى خلافًا مجتمعيًّا، فى محاولة لمعالجة تلك القضايا من خلال الحوار المجتمعى.
من جانبه قال الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية، إن الدولة الناجحة تتطلب التكامل بين المسارين الاقتصادى والسياسى من أجل إطلاق طاقات المجتمع لتحقيق الاستقرار السياسى والأمنى، فالاقتصاد وحده لا يكفى لضمان تماسك الدولة، لكن المشكلة أن الإعداد لمؤتمر سياسى بحجم المؤتمر الاقتصادى الذى عقد بشرم الشيخ مؤخرًا لا يندرج ضمن اهتمامات القيادة الحاكمة، فى ظل عدم نضج الأحزاب والقوى السياسية بالبلاد.
وأضاف نافعة أنه فى حال رغبة الدولة فى تبنى هذه الخطوة فإنه سيكون عليها فى البداية امتلاك رؤية سياسية واضحة لاستكمال بناء مؤسسات الدولة على مبدأى الشفافية والكفاءة، فغياب الرؤية السياسية لدى النظام أدى إلى استمرار حالة الاستقطاب والانشقاق بين طوائف الشعب المصرى، كما أن الإعلام عزز طوال الفترة الماضية حالة الاستقطاب عبر تحويل معانى بعض المصطلحات مثل «المصالحة الوطنية» إلى رضوخ الدولة لمطالب الجماعات الإرهابية المسلحة وأنها استجابة للعنف.
وطالب الدولة بالبدء فورًا فى عقد مائدة مستديرة لقادة الفكر والرأى المستقلين بهدف تشخيص الأزمة السياسية الراهنة ووضع حلول سريعة لها، على أن يتم التدرج فى الحوار ليشمل كل القوى السياسية المتوافقة مع المبادئ العامة التى سيحددها كبار قادة الفكر.
وتابع أن فكرة عقد مؤتمر سياسى مماثل للمؤتمر الاقتصادى يجب أن تتم على مرحلتين، الأولى تتمثل فى تحديد لجنة لبحث الأزمة السياسية بالبلاد، أما المرحلة الثانية فتقوم على إجراء حوارات موسعة بين كل الأطياف السياسية، على أن يعقب إجراء تلك المرحلتين الدعوة لهذا المؤتمر.
من جانبه قال الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن تنظيم مؤتمر سياسى يشمل جميع الأطراف والقوى السياسية المصرية على غرار المؤتمر الاقتصادى العالمى، يمثل ضربًا من الخيال فى ظل تزاحم الساحة السياسية حاليًا بالعديد من الأطراف بأيديولوجيات لا توجد مساحات مشتركة بينها، فالتيارات الليبرالية تعد المدعم الأقوى بين كل القوى السياسية للقيادة الحالية، فى حين تمارس التيارات اليسارية نوعًا من المعارضة الممنهجة ضد النظام، وتمارس التيارات الإسلامية العنف تجاه الدولة، فى محاولة منها لإعادة المسار السياسى إلى ما قبل إجراءات 3 يوليو، وبالتالى يصعب فى المرحلة الراهنة جمع هؤلاء الفرقاء على طاولة واحدة.
وحدد السيد عددًا من الإجراءات التى ينبغى اتخاذها حاليًا بهدف الوصول لمرحلة إجراء مؤتمر بهذا الحجم، بما يسمح بفتح المجال السياسى لجميع التيارات والقوى السياسية، ومن أهمها وقف العنف الممنهج الذى تقوم به بعض التنظيمات الإرهابية الموالية لجماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب إعلان كل الأطراف السياسية رغبتها الحقيقية فى إحداث مصالحة وطنية لإنهاء حالة الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع المصرى، ومن الممكن بعد ذلك الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين الذين لم يثبت تورطهم فى أى عنف، والالتزام بقواعد المحاكمة العادلة من جانب السلطة القضائية، والسماح بمزيد من مساحات حرية الرأى والتعبير التى تقلصت خلال الفترة الماضية.
ولفت إلى أنه فى حال البدء بمثل تلك الخطوات سيتم الخوض فى المرحلة التالية الممثلة فى عقد لقاءات تمهيدية بين الأطراف السياسية لتحديد الأجندات والمطالب وجدول الأعمال، على أن يتم بعد ذلك إجراء مؤتمر شامل لجميع الفصائل لتحقيق النتائج المرجوة.
من جانبه قال سيدعبد العال، رئيس حزب التجمع، إن المؤتمر الاقتصادى حقق لمصر دعمًا اقتصاديًّا وسياسيًّا وأن الفترة المقبلة تتطلب مشاركة كل الأحزاب والقوى السياسية التى لم تتورط فى أحداث عنف أو تخريب فى اتخاذ القرارات بالدولة، معربًا عن تأييده فكرة تنظيم هذا المؤتمر؛ بهدف إعادة صياغة الحالة السياسية للبلاد عبر تحقيق مبدأ الحوار المجتمعى حول التشريعات والقرارات الصادرة عن الرئاسة والحكومة بما يسمح بتحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الفساد وتحقيق الشفافية.
ولفت إلى أنه أصبح من الضرورى استعادة دور الأحزاب فى الساحة السياسية بعد مرحلة التهميش المتعمدة التى عانت منها فى أعقاب ثورة 30 يونيو من قبل وسائل الإعلام التى حاولت جاهدة طرح نفسها كبديل للأحزاب طوال الفترة الماضية.
ورفض عبد العال إمكانية إجراء مصالحة وطنية مع التيارات الإسلامية والتى أعلنت رفضها مسبقًا لأى محاولة للمّ شمل المجتمع ولجوئها للعنف فى استعادة سيطرتها على البلاد.
وطالب بضرورة تبنى مؤسسة الرئاسة أو مجلس الوزراء عقد هذا المؤتمر السياسى لضمان قوته وأهميته، على أن يتولى الرئيس عبد الفتاح السيسى، بالتعاون مع الأحزاب السياسية، وضع جدول أعمال المؤتمر والقضايا التى ستناقش فيه لحل جميع الأزمات السياسية الراهنة.
من جهته قال الدكتور عصام شيحة، المستشار السياسى والقانونى لحزب الوفد، إنه يجب فى الفترة المقبلة إدارة حوار سياسى موسع عقب إجراء الانتخابات البرلمانية، على أن تتم دعوة كل القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدنى، فمصر بحاجة لمشاركة الأحزاب فى بناء دولة مدنية حديثة فى ظل الأخطار الداخلية والإقليمية التى تحيط بالدولة المصرية.
وأشار إلى أن تلك الخطوة يمكن أن تساهم فى وضع تصور لشكل الدولة عبر خطة طويلة الأجل مقسمة على مرحلتين هما مصر 2020 ومصر 2030، وذلك عبر تحديد عدد من الأولويات بجدول أعمال المؤتمر ممثلة فى مستقبل البلاد، والانتقال السلمى للسلطة، وحقوق وواجبات المواطنين، والقضايا المتعلقة بالصحة والتعليم وتدعيم رسوخ الديمقراطية بالبلاد.
وطالب شيحة مؤسسة الرئاسة بالبدء من الآن فى الإعداد لمثل هذا المؤتمر، لاسيما أن النهضة الاقتصادية التى بدت بوادرها خلال المؤتمر الاقتصادى تتطلب وجود حياة سياسية سليمة بالبلاد.