تواصل سنغافورة تنفيذ مشروع ميناء تواس العملاق، الذي يستهدف أن يصبح أكبر ميناء آلي في العالم بطاقة تشغيلية تصل إلى 65 مليون حاوية مكافئة سنويًا بحلول أربعينيات القرن الحالي، في خطوة تعزز مكانتها كواحدة من أهم مراكز الشحن والخدمات اللوجستية عالميًا.
وسجلت سنغافورة خلال عام 2025 رقمًا قياسيًا في تداول الحاويات بلغ 44.66 مليون حاوية مكافئة، بزيادة 8.6% مقارنة بالعام السابق، ما يعكس الحاجة إلى التوسع في الطاقة الاستيعابية للميناء.
كما سيسهم المشروع في نقل أنشطة الحاويات من الموانئ القديمة في تانجونج باجار، وكيبل، وبراني، وباسير بانجانج إلى ميناء تواس، الأمر الذي سيوفر نحو ألف هكتار من الأراضي الساحلية لإعادة تطويرها ضمن مشروع "الواجهة البحرية الجنوبية الكبرى" في سنغافورة.
وأعلنت سنغافورة الانتهاء من تركيب 448 «قيسونًا» خرسانيًا عملاقًا، وهي هياكل مجوفة يصل وزن الواحد منها إلى نحو 15 ألف طن، ويعادل ارتفاعها مبنى مكونًا من 10 طوابق، لتشكل الأساس الرئيسي للجدار البحري تحت الماء الخاص بالمشروع.
وتُستخدم هذه الهياكل في أعمال استصلاح الأراضي على الساحل الغربي للبلاد، حيث جرى خلال المرحلة الثانية تركيب 227 قيسونًا لتكوين جدار بحري بطول 9.1 كيلومتر، إضافة إلى 221 قيسونًا نُفذت في المرحلة الأولى بطول 8.6 كيلومتر، ليصل إجمالي طول الجدار البحري إلى نحو 17.7 كيلومتر.
وبعد الانتهاء من إنشاء الجدار البحري، تُردم المنطقة الواقعة خلفه لتكوين أراضٍ جديدة سيُنشأ عليها 66 رصيفًا بحريًا، قادرة على تداول ما يصل إلى 65 مليون حاوية مكافئة سنويًا، وهو ما يتجاوز بنحو 20 مليون حاوية الرقم القياسي الحالي الذي سجلته سنغافورة في مناولة الحاويات.
وتبدأ عملية إنشاء القيسونات بتصنيعها على اليابسة، قبل سحبها إلى موقع المشروع وغمرها فوق الأساسات البحرية، ثم ملئها بالرمال لتثبيتها، قبل تغطيتها بطبقة خرسانية واستكمال تركيب الوحدات التالية.
وكانت أعمال استصلاح المرحلة الثانية قد بدأت في مارس 2018، بينما اكتمل إنتاج القيسونات الخاصة بها في أبريل 2022.
وتشمل هذه المرحلة استصلاح نحو 387 هكتارًا من الأراضي، لتصبح أكبر مراحل الاستصلاح ضمن مشروع ميناء تواس.
ويتميز المشروع بأنه صُمم منذ البداية كميناء آلي بالكامل، على عكس العديد من الموانئ التقليدية التي جرى تحويلها إلى التشغيل الآلي بعد بدء تشغيلها. وبدأ تشغيل أول رصيفين بالميناء في ديسمبر 2021، فيما افتُتح رسميًا في سبتمبر 2022.
ومن المتوقع أن تضم المرحلة الأولى، عند اكتمالها في عام 2027، نحو 21 رصيفًا للمياه العميقة، بطاقة تداول تصل إلى 20 مليون حاوية سنويًا، في الوقت الذي بدأت فيه أعمال التخطيط للمرحلة الثالثة من المشروع.
ويعتمد الميناء على أكثر من 200 مركبة كهربائية ذاتية القيادة لنقل الحاويات داخل ساحات التداول، بسرعة تصل إلى 25 كيلومترًا في الساعة، مستفيدة من شبكة اتصالات خاصة بتقنية الجيل الخامس (5G)، ونظام التعرف بالترددات اللاسلكية (RFID)، إلى جانب محطات شحن آلية تتيح تشغيل المركبات لمدة تتراوح بين 6 و8 ساعات، بعد شحن يستغرق نحو 20 دقيقة فقط.
كما تُدار معظم العمليات من خلال مركز تحكم مركزي يراقب حركة الرافعات والمركبات عبر شاشات رقمية متطورة، مع تطوير مستمر لأنظمة إدارة الأسطول لضمان التنسيق الفعال بين مئات المركبات العاملة بالميناء.
وتشير التقديرات الحكومية إلى أن استخدام المركبات الكهربائية ذاتية القيادة يسهم في خفض انبعاثات الكربون بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بالمركبات التقليدية العاملة بالديزل، فيما تستهدف شركة تشغيل الميناء الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050.
وتسعى سنغافورة، من خلال ميناء تواس، إلى إنشاء منظومة لوجستية رقمية متكاملة تربط حركة البضائع والوثائق والإجراءات الجمركية وسلاسل الإمداد في نظام موحد، بما يعزز موقعها مركزًا عالميًا للتجارة والشحن البحري.
من جانبه، يرى القبطان علي عاصم، المدير السابق لميناء شرق بورسعيد، أن المنافسة المستقبلية بين الموانئ لن تعتمد فقط على عدد الأرصفة أو أطوالها، وإنما على مستوى الأتمتة، والرقمنة، وسرعة الإفراج الجمركي، وتكامل الخدمات اللوجستية، وهي العناصر التي راهنت عليها سنغافورة للحفاظ على موقعها ضمن أكبر مراكز الشحن العالمية.
ولفت إلى أن تجربة ميناء تواس توضح أهمية التخطيط طويل الأجل، إذ صُمم المشروع لاستيعاب النمو المتوقع في تجارة الحاويات لعقود مقبلة، مع إمكانية التوسع التدريجي دون التأثير على كفاءة التشغيل، وهو ما يتوافق مع خطط مصر لزيادة الطاقة الاستيعابية للموانئ وتحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز إقليمي للتجارة وإعادة التصدير.
وأضاف أن من أبرز الدروس المستفادة أيضًا التوسع في استخدام المعدات الكهربائية وتقنيات التشغيل الذكية لخفض الانبعاثات الكربونية، خاصة في ظل التوجهات الدولية نحو الموانئ الخضراء وتطبيق المعايير البيئية الجديدة في قطاع النقل البحري.
وأشار إلى أنه في الوقت الذي تستهدف فيه سنغافورة الوصول إلى الحياد الكربوني في تشغيل الميناء بحلول عام 2050، بدأت مصر بالفعل خطوات في هذا الاتجاه من خلال مشروعات الوقود الأخضر، وتموين السفن بالوقود النظيف، والتحول الرقمي داخل الموانئ.
وأكد أن التحدي الرئيسي أمام الموانئ الإقليمية يتمثل في الانتقال من مفهوم "الميناء التقليدي" إلى "المركز اللوجستي الذكي"، الذي يربط بين الميناء والجمارك وسلاسل الإمداد والنقل متعدد الوسائط ضمن منظومة رقمية موحدة.
واختتم عاصم تصريحاته قائلًا إن مصر، بفضل الموقع الجغرافي الفريد لقناة السويس وتزايد الاستثمارات في البنية التحتية البحرية، تمتلك فرصة حقيقية للاستفادة من التجربة السنغافورية وتطوير نموذج إقليمي للموانئ الذكية، قادر على المنافسة وجذب المزيد من الخطوط الملاحية العالمية والاستثمارات اللوجستية.