تصدّرت هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية عناوين الأخبار المتعلقة بحربها مع روسيا، وأربكت إستراتيجية الناتو الاستثمارية، بحسب شبكة “سي إن بي سي”.
فبعد أن عززت أوكرانيا إنتاجها وقدراتها في مجال الطائرات المسيّرة خلال أربع سنوات من الحرب، كثّفت هجماتها على البنية التحتية للطاقة والأصول العسكرية الروسية، مستهدفةً مصافي النفط الرئيسية في المدن الكبرى، في إطار سعيها المتواصل لقطع عائدات الطاقة الروسية.
ووصف خبراء الدفاع والإستراتيجيون حملة الطائرات المسيّرة الأوكرانية بأنها محورية في إبطاء الزخم العسكري الروسي، محذرين في الوقت نفسه من أن نجاحات كييف في الضربات العميقة قد رفعت بشكل كبير من خطر التصعيد.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، نفّذت أوكرانيا ما بدا أنه أحد أعمق هجماتها على الأراضي الروسية في الحرب حتى الآن.
وشوهدت أعمدة من الدخان الأسود تتصاعد من مصفاة نفط رئيسية في مدينة أومسك يوم الثلاثاء، مما دفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى الإعلان بأن قدرات الطائرات المسيرة المطورة في البلاد جعلت سيبيريا "في متناول اليد".
وتقع منشأة أومسك على بعد حوالي 2500 كيلومتر (1553 ميلاً) من الأراضي الأوكرانية وبالقرب من الحدود الروسية مع كازاخستان.
وتُسلط التطورات التي حققتها أوكرانيا في ساحة المعركة الضوء على كيفية إعادة تشكيل الحرب الحديثة من خلال الانتشار السريع للطائرات المسيّرة، حيث بات القتال أكثر استقلالية وترابطًا واعتمادًا على البيانات.
كيف تُغير الطائرات المسيّرة الحرب الروسية الأوكرانية؟
ووفقًا لبوب تولاست، الباحث في الحرب البرية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز أبحاث دفاعي وأمني مقره لندن، فقد تغير أمران مكّنا أوكرانيا من تسريع ضرباتها بعيدة المدى بطائراتها المسيّرة في عمق الأراضي الروسية.
وأوضح تولاست أن الجهود الحثيثة التي بذلتها القوات الأوكرانية لتعزيز الإنتاج وتحسين الملاحة بالقصور الذاتي والبرمجيات وأنظمة الرؤية الآلية قد ساهمت جميعها في تحسين قدرتها على الصمود في وجه التشويش على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية.
وأضاف أن الدعم الخارجي لأوكرانيا لعب دورًا على الأرجح، مشيرًا إلى أن مصافي النفط ومحطاته تُعد أهدافًا ضخمة.
وقال تولاست لشبكة سي إن بي سي عبر البريد الإلكتروني: "سنرى كيف سترد روسيا، فقد حققت نجاحًا محدودًا باستخدام الشباك والطائرات المسيّرة الاعتراضية من النوع الذي تستخدمه أوكرانيا، كما أنها قامت منذ فترة بنشر أنظمة دفاع جوي على الأبراج، ومؤخرًا حتى على المباني الشاهقة".
وتابع قائلاً: "لكن مع وجود صواريخ كروز محلية الصنع من أوكرانيا، مثل فلامينغو، التي تستهدف مواقع صناعية (بما في ذلك مصانع الدفاع الجوي)، فإن الوضع يبدو قاتماً للغاية بالنسبة لموسكو".
وأضاف تولاست: "إن حملة أوكرانيا المضادة للمصافي أصبحت الآن وابلاً من الضربات، لكن قد يكون من السابق لأوانه الجزم بما إذا كانت روسيا ستتكبد أضراراً طويلة الأمد، لأن هذا القطاع يتمتع منذ فترة طويلة بطاقة إنتاجية فائضة".
وردّت روسيا بتوسيع نطاق إنتاجها من الطائرات المسيّرة ودمجها بشكل أكبر في جيشها.
حلف الناتو يبني تحالفا جاهزا للطائرات المسيّرة
وبعيدا عن خط المواجهة، يبدو أن حملة أوكرانيا بالطائرات المسيّرة قد أثرت أيضاً على خطط الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو.
وقال الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، يوم الثلاثاء، إن الطائرات المسيّرة "غيّرت بشكل جذري" طبيعة الحرب الحديثة، وأصبحت "عاملاً حاسماً" في ساحة المعركة، مستشهداً بالحرب الروسية الأوكرانية كمثال على ذلك.
وجاءت تصريحات “روتّه” بالتزامن مع إعلانه إطلاق مبادرة "حلف شمال الأطلسي: تفوق الطائرات المسيّرة"، وهي خطة من المقرر أن يستثمر فيها الحلفاء أكثر من 40 مليار دولار في قدرات مكافحة الطائرات المسيّرة على مدى السنوات الخمس المقبلة.
وقال روتّه: "معًا، نبني حلفًا جاهزًا لمواجهة الطائرات المسيّرة. نستفيد من أحدث التقنيات المبتكرة، ونستثمر في صناعاتنا الدفاعية عبر الأطلسي، ونتعلم دروسًا عملية من ساحة المعركة في أوكرانيا".
إلى جانب قطع عائدات الطاقة الروسية، تهدف هجمات أوكرانيا بالطائرات المسيّرة إلى محاولة إجبار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إنهاء الحرب.
وقد أدى نجاح أوكرانيا في ساحة المعركة إلى تغيير في نظرة العالم إليها وعلاقتها بحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. وأكد محللو الأمن وقادة العالم على حد سواء أن أوكرانيا باتت تمتلك ما تقدمه للحلفاء، ولا ينبغي النظر إليها كمجرد مستفيد من الدعم العسكري والتبرعات.
أوضحت أولريك فرانك، الباحثة السياسية في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لشبكة سي إن بي سي أن أوكرانيا تتفوق بفضل براعتها في استخدام الطائرات المسيّرة وأنظمة مكافحتها، وهي تقنيات لا يتقنها حلفاء الناتو الآخرون.
وأضافت أن أوكرانيا تمتلك زمام المبادرة، مشيرةً إلى امتلاكها "طائرات مسيّرة وأنظمة مضادة لها، فضلاً عن بيانات حول كيفية مواجهة الروس".
يأتي هذا في ظل تحول كبير يشهده مجال الحروب، حيث تواجه التقنيات التقليدية باهظة الثمن تحدياً من نموذج أكثر مرونة ولا مركزية، غالباً ما تقوده الشركات الناشئة ويستفيد من التجربة الأوكرانية.
وقالت لوريدانا محرمي، المحللة في مورنينغ ستار، إن أوكرانيا أصبحت رائدة عالمياً في مجال حرب الطائرات المسيّرة بدافع الضرورة. "ففي مواجهة جيش أكبر وأفضل تجهيزاً، لم تستطع أوكرانيا المنافسة بشكل متكافئ، ما أجبرها على الابتكار السريع باستخدام طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومتوفرة تجارياً ومُعدّلة للاستخدام العسكري".
وأضافت في تعليقات أرسلتها عبر البريد الإلكتروني إلى سي إن بي سي: "لم يكن الابتكار الحقيقي في التقنية نفسها، بل في نموذج الشراء".
على مدار الحرب التي استمرت أربع سنوات ونصف، طورت أوكرانيا دورة ابتكار أسرع بكثير من تلك التي تتبعها شركات الدفاع التقليدية، والتي غالبًا ما تستغرق سنوات.
وقال محرمي إن التعاون بين الجيش والشركات الناشئة المحلية والقطاع الخاص أتاح نشر تقنيات جديدة في غضون أسابيع فقط، وتطوير الطائرات المسيّرة باستمرار بناءً على ملاحظات ساحة المعركة.
وأضاف محرمي: "من المتوقع أن يأتي التأثير المالي الأكبر من خلال زيادة الطلبات المتراكمة خلال العامين أو الثلاثة أعوام القادمة، مع مساهمة أكثر أهمية في الإيرادات والأرباح بدءًا من عام 2028 فصاعدًا".
شتوب الفنلندي: أوكرانيا تمتلك نفوذًا جديدًا
وقال الرئيس الفنلندي ألكسندر شتوب إن زيلينسكي الأوكراني "يمتلك الآن الأدوات" لتنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة بعيدة المدى، وهو أمر أعلنت إدارة ترامب عدم موافقتها عليه في أكتوبر من العام الماضي.
وتابع ستوب لشبكة سي إن بي سي يوم الثلاثاء: "هناك قضيتان منفصلتان هنا. فهو يملك أوراقاً للهجمات بعيدة المدى، كالطائرات المسيّرة والصواريخ التي تستهدف، على سبيل المثال، مصافي النفط الروسية، مما يقلل من قدرتها على الإنتاج والتصدير بنسبة 40%".