مرحبًا بكم فيما يمكنني تسميته تجاوزا بـ(نادي ورثة الغزو)، وأقصد به الدول التي لا يقتصر دورها على وراثة مقتنيات وآثار خرجت في سياقات الغزو، أو الاستعمار، أو الاحتلال، أو الانتداب، بل ما زالت تتمتع أو تنتفع بالمزايا القانونية والثقافية والسياسية التي أنتجها ذلك الإرث، عبر متاحفها ومجموعاتها العامة، بتراث خرج من بلاد أخرى في سياقات غزو أو استعمار أو اختلال سيادي. يمكن تمثيل أعضاء النادي في فرنسا، المملكة المتحدة، ألمانيا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، البرتغال، إيطاليا، أمريكا. وكلها ارتبطت تاريخيًا بإمبراطوريات استعمارية واسعة، وتوجد اليوم في متاحفها الوطنية مجموعات ضخمة من آثار أفريقيا وآسيا والأمريكتين، حيث تتشكل مزايا عضوية النادي الحاضرة والمستمرة في نتائج الإرث القانوني، الاستعماري، المتحفي، والسردي، والدفاع عن وجوده واستمراره في منظومة كاملة يعيشون في خيرها حتى الآن، حتى لو على حساب أصحاب الحق والتاريخ والتراث الإنساني.
لم تكن قوة هذا النادي الافتراضي في وجود ميثاق مكتوب، وإنما في أنه لم يكن أحد يحتاج لكتابته! ومع ذلك فالمتابع اليقظ يرصد توافق غير معلن بين الأعضاء على قواعد إستراتيجية تعاصرها الدول أصحاب الحقوق حتى اليوم أهمها؛ ما دخل المتحف لا يخرج منه/ لا يُعاد النظر في مشروعية الاستحواذات التاريخية/ تُقاس شرعية الحيازة بقوانين زمن الاستحواذ، لا بعدالته التاريخية/ يبقى تفسير الماضي وحق مراجعته بيد الدولة الحائزة/ تُدار مطالبات الاسترداد باعتبارها استثناءً، لا أصلًا/ لا يُفتح الباب أمام سوابق قد تمتد إلى أعضاء آخرين، وكان ذلك ساريا إلى أن صدر القانون الفرنسي الجديد رقم 351 لسنة 2026، فسجل - للمرة الأولى - خروجًا تشريعيًا على القواعد غير المكتوبة لهذا النادي!
لا يستطيع أحد الجزم بالبواعث السياسية أو التشريعية التي دفعت المشرّع الفرنسي لإصدار هذا القانون، فهي مسألة لا يعلمها يقينا إلا واضعو القانون، لكن هذا لا يمنع من قراءة ما يمكن أن يترتب عليه من آثار ومكاسب قانونية وسياسية وثقافية، لتكون أول سابقة من فرنسا في نادي ورثة الغزو! لأنها أول دولة أوروبية كبرى تصدر تشريعًا حديثًا يعيد تنظيم رد الممتلكات الثقافية، بنتائج قانونية تتجاوز فرنسا نفسها.
تحترف فرنسا العريقة نمطا مكررا في تحويل المبادرات الوطنية الكبرى لمرجعيات ذات تأثير يتجاوز الحدود الفرنسية، بدأت مع إعلان حقوق الإنسان والمواطن 1798 كوثيقة فرنسية تحولت لأحد أهم المراجع الفكرية والقانونية الحديثة، القانون المدني النابليوني 1804 الذي أصبح نموذجًا اقتبسته أو تأثرت به عشرات الدول، القرن التاسع عشر فرنسا ساهمت بقوة في بناء المدرسة الحديثة للآثار والمتاحف، وتقنين حماية التراث وإدارته، حتى الفرنكفونية لم تكن مجرد سياسة لغوية، بل محاولة لصناعة فضاء قانوني وثقافي تقوده فرنسا، ثم يأتي القانون 351/ 2026 لاسترداد الممتلكات الثقافية كاستمرار لهذا النمط، فتتجاوز أهميته في تدبر والسيطرة على عدد القطع التي سيعيدها، لمحاولة فرنسا الاحتفاظ بدورها التاريخي كدولة لا تكتفي بتطبيق القواعد، وإنما تسعى إلى الإسهام في صياغتها بإنتاج صراع جديد على إنتاج المفهوم؟ فمن ينتج مفاهيم حقوق الإنسان، القانون المدني، التراث العالمي، الاسترداد، العدالة التاريخية، يؤسس لعقود قادمة من الفقه والقضاء والسياسة، ولكن هذه المرة بتأثير يتجاوز فرنسا ليمس مصالح أعضاء نادي ورثة الغزو! فعندما يقال فرنسا شرعت، فماذا عن بريطانيا وألمانيا، وهولندا، وبلجيكا، وغيرها؟
واقعيا ودوليا، فرنسا أدركت أن ملف الاسترداد قادم عالميًا، فاختارت أن تقوده لا أن تُساق إليه، وبدل مطالبات مفتوحة، أصبح الرد يتم داخل قانون فرنسي، بلجنة فرنسية، وبشروط فرنسية. فالسبق الفرنسي في القانون الجديد منحها خمس احتكارات في وقت واحد؟ احتكار تعريف غير المشروع/ إجراءات الرد/ توقيت الرد/ نطاق الرد/ سردية الرد. أي أن فرنسا لا تقول: سأعيد. بل تقول: أنا من سيحدد كيف يفهم العالم الإعادة؟ هذه الهندسة القانونية تحميها من مبادرات الدول المطالبة وتمنع عدوى المطالبات الكبرى باستثناء التقاسم الأثري والاتفاقات السابقة لحماية ملفات ثقيلة، منها ما يمس مصر والهند والصين.
ولفهم أهمية التوقيت الفرنسي في نحت القيادة الجديدة، يمكن رصد الموقف الفرنسي آخر خمس سنوات من تراجع نفوذها في أفريقيا/ صعود روسيا والصين وتركيا والهند كلاعبين ثقافيين وسياسيين/ تصاعد خطاب العدالة الاستعمارية/ عودة مطالب استرداد الآثار بقوة/ أزمة الشرعية الغربية بعد الحروب والانقسامات الدولية، الإرث المتحفي الضخم، لذلك بزغت السابقة الفرنسية في القانون الجديد ليس لتقنين الاسترداد، ولكن كحماية القيادة الفرنسية في ملف الاسترداد العالمي، بنحت تقويم فرنسي للعدالة يفتح الماضي الذي تستطيع فرنسا إدارته، ويغلق الماضي الذي قد يبتلع متاحفها، من خلال كسب صورة أخلاقية، تستعيد معه نفوذًا ثقافيًا، وتخفف الضغط السياسي من الدول المطالبة، وتحتفظ بالتحكم في مسار الرد، وتحمي المجموعات الكبرى، وتعيد تقديم نفسها كقوة تشريعية لا كقوة استعمارية متراجعة. (فحين تتراجع الإمبراطوريات عن الأرض، تحاول أن تبقى حاضرة في القواعد التي يُعاد بها تفسير خروجها من الأرض).
فإذا كانت فرنسا تملك حق إنتاج مرجعية جديدة، فلماذا لا تملك الدول التي فقدت تراثها الحق في إنتاج مرجعياتها التشريعية المقابلة؟ وهل يمكن أن تكون فرنسا نفسها قد خلقت أداة لن تستطيع السيطرة عليها مستقبلًا؟ وإذا كانت فرنسا صنعت سابقة في نادي ورثة الغزو بأن الدولة الحائزة يمكنها أن تشرّع لنفسها كيفية مراجعة ما آل إليها، فهل ستكون من النتائج المنطقية للقانون لماذا لا تشرّع الدولة المنهوبة لنفسها كيفية مراجعة ما خرج منها؟ وإذا كان للحائز أن يكتب قانون الرد، أفلا يكون لصاحب التراث أن يكتب قانون الخروج؟ وبالتالي لن تكون العبرة بالتاريخ أو المنهجية التي اختارتها فرنسا لبداية العدالة، بل بالحق الذي كشفته سابقتها: حق كل أمة في أن تعيد فحص زمن فقدان إرادتها على تراثها.
فالقانون 351/ 2026 لم يجعل فرنسا تغادر نادي ورثة الغزو، ولكنها خالفت أحد قواعده الذهبية: ألا يشرّع الحائز لردّ ما استقر في متاحفه، لتكون أول من خرق قانون الصمت!
وللحديث بقية.
* محامى وكاتب مصرى
[email protected]