الحوسبة الكمية تهدد أمن العملات المشفرة

تهديد بقيمة تريليوني دولار

العملات المشفرة

بدأت شركات العملات المشفرة ومطورو شبكات البلوكشين تسريع خططهم لتعزيز أنظمة التشفير، وسط تزايد المخاوف من أن يؤدي التقدم السريع في الحوسبة الكمية (Quantum Computing) إلى كسر تقنيات التشفير الحالية التي تحمي المحافظ الرقمية والمعاملات، وهو ما قد يمثل أحد أكبر التحديات الوجودية لصناعة الأصول الرقمية.

ووفقًا لوكالة "رويترز"، أثارت أبحاث حديثة أجرتها Google مخاوف متزايدة بعد أن أشارت إلى أن الحواسيب الكمية قد تصبح قادرة على اختراق أنظمة التشفير الحالية بحلول عام 2029، أي قبل سنوات مما كانت التقديرات السابقة ترجحه، الأمر الذي دفع شركات التشفير إلى بدء إعداد خطط انتقال تدريجية نحو تقنيات تشفير مقاومة للحوسبة الكمية.

تهديد بقيمة تريليوني دولار

تعتمد العملات المشفرة على تقنيات تشفير رياضية عمرها عقود لتأمين الملكية الرقمية والتحقق من المعاملات عبر شبكات البلوكشين.

لكن الحواسيب الكمية، بفضل قدرتها الهائلة على معالجة العمليات الرياضية المعقدة، قد تتمكن مستقبلًا من استخراج المفاتيح الخاصة من المفاتيح العامة، ما يتيح للمهاجمين تزوير التوقيعات الرقمية والاستيلاء على الأصول المشفرة.

ويبلغ حجم سوق العملات المشفرة عالميًا نحو تريليوني دولار، ما يجعل أي اختراق واسع النطاق تهديدًا للنظام المالي الرقمي بأكمله.

«بيتكوين» الأكثر تعرضًا للمخاطر

يرى خبراء أن بيتكوين تعد الأكثر عرضة لهذا التهديد بسبب تاريخها الممتد لنحو 17 عامًا، والذي نتج عنه عدد ضخم من المفاتيح العامة المكشوفة على شبكة البلوكشين.

وتشير ورقة بحثية حديثة إلى أن نحو 35% من المعروض المتداول من بيتكوين قد يكون معرضًا لهجمات الحوسبة الكمية، بينما قدرت دراسات أخرى النسبة بما يصل إلى 50%.

ويحذر محللون من أن نجاح هجوم واحد فقط يؤدي إلى سرقة كميات كبيرة من العملات وبيعها في السوق قد يتسبب في انهيارات حادة للأسعار ويقوض ثقة المستثمرين.

بدأت شركات العملات المشفرة بالفعل في وضع خطط لتحديث شبكاتها باستخدام تقنيات التشفير ما بعد الكمي (Post-Quantum Cryptography)، إلا أن تنفيذ هذه الخطوة قد يستغرق سنوات ويتطلب تعديلات جوهرية في البنية التحتية لشبكات البلوكشين.

ورغم ذلك، يحذر مسؤولون في القطاع من أن التسرع في اعتماد هذه التقنيات قد يخلق ثغرات جديدة، نظرًا لأن معايير التشفير الجديدة لا تزال في مرحلة التطور.

كما أن التوقيعات الرقمية المقاومة للحوسبة الكمية أكبر حجمًا من نظيراتها الحالية، ما يزيد متطلبات التخزين وسعة نقل البيانات ويرفع تكاليف تشغيل الشبكات.

دفعت المخاطر المتزايدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إصدار أوامر تنفيذية خلال الشهر الماضي لتعزيز القدرات الأمريكية في مجال الحوسبة الكمية.

كما توقعت دراسة صادرة عن Citigroup أن يؤدي التطور المتزامن للحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي إلى تقليص الإطار الزمني الذي تصبح فيه العملات المشفرة عرضة للاختراق.

وفي المقابل، بدأت بعض المشاريع اتخاذ خطوات استباقية، إذ أعلنت مؤسسة Ethereum استهداف عام 2029 للوصول إلى حماية كاملة ضد الحوسبة الكمية، بينما كشفت مؤسسة Algorand عن خارطة طريق لاعتماد حسابات مقاومة للحوسبة الكمية خلال العام الجاري.

يشير خبراء إلى أن تحديث شبكات البلوكشين يمثل تحديًا معقدًا، خاصة أن معظمها يعمل وفق أنظمة لامركزية تتطلب توافق مجتمع المطورين والمشاركين على أي تغييرات جوهرية.

ويشبه بعض التنفيذيين حجم التحول المطلوب بعملية إصلاح مشكلة الألفية (Y2K) التي كلفت الاقتصاد العالمي أكثر من 300 مليار دولار، مؤكدين أن نجاح الصناعة في مواجهة هذا التحدي سيكون عاملًا حاسمًا في الحفاظ على أمن واستدامة سوق الأصول الرقمية خلال العقد المقبل.