شهد قطاع التأمين المصري خلال عام 2025 طفرة تشريعية وتنظيمية، بعدما أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية حزمة واسعة من القرارات التنفيذية لقانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024، استهدفت تحديث البنية التشريعية للسوق، وتعزيز الملاءة المالية لشركات التأمين وإعادة التأمين، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية، ودعم التحول الرقمي، وتوسيع نطاق الحماية التأمينية بما يواكب التطورات العالمية ويعزز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
رفع رؤوس أموال الشركات وتعزيز الملاءة المالية
واستهلت الهيئة الإصلاحات بإصدار القرار رقم 144 لسنة 2025، الذي رفع الحد الأدنى لرؤوس الأموال المصدر والمدفوع لشركات التأمين تدريجياً إلى 750 مليون جنيه، ولشركات إعادة التأمين إلى مليار جنيه، مع منح الشركات فترات انتقالية لتوفيق أوضاعها وفقاً لطبيعة النشاط، بما يعزز قدرتها على مواجهة المخاطر والوفاء بالتزاماتها المستقبلية.
كما ضاعفت الهيئة الحد الأقصى لاستثمارات شركات التأمين في وثائق صناديق السلع والمعادن إلى 10% من الأموال المخصصة للاستثمار بدلاً من 5%، مع وضع حدود للاستثمار في الصندوق الواحد، بما يحقق تنويع المحافظ الاستثمارية دون الإخلال بإدارة المخاطر.
وفي إطار تطبيق معيار المحاسبة المصري رقم (50) الخاص بعقود التأمين، ألزمت الهيئة الشركات بتحديد منهجية واضحة لاحتساب القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية واستخدام منحنيات العائد المناسبة للسوق المصرية، بما يعزز دقة القياس المالي والالتزامات التأمينية.
إطار جديد للملاءة وإدارة المخاطر
وأصدرت الهيئة القرار رقم 148 لسنة 2025 بشأن معايير الملاءة المالية لشركات التأمين وإعادة التأمين، متضمناً قواعد احتساب الأصول والإجراءات الواجب اتباعها حال انخفاض مستويات الملاءة، في إطار تعزيز الرقابة الاستباقية ورفع كفاءة إدارة المخاطر وحماية حقوق حملة الوثائق.
كما ألزمت الشركات باستخدام منظومة الربط الإلكتروني للتحقق من بيانات العملاء، بما يشمل الرقم القومي وملكية الهاتف المحمول وقوائم غسل الأموال والمنع من التصرف، بما يعزز مكافحة الجرائم المالية ورفع كفاءة إجراءات التعرف على العملاء.
تحديث قواعد تأسيس الشركات والحوكمة
وشملت الإصلاحات إصدار قواعد جديدة لتأسيس وترخيص شركات التأمين وإعادة التأمين، تضمنت اشتراطات خاصة برؤوس الأموال، وهيكل المساهمين، والملاءة المالية، والرقابة على الملكية والسيطرة، إلى جانب إصدار معايير جديدة لاختيار أعضاء مجالس الإدارة والإدارة التنفيذية تعتمد على الكفاءة والخبرة والنزاهة والإفصاح، بما يعزز الحوكمة المؤسسية داخل الشركات.
كما ألزمت الهيئة شركات التأمين بتطبيق قواعد حوكمة متكاملة بموجب القرار رقم 200 لسنة 2025، تشمل إعداد لوائح داخلية للحوكمة، وتفعيل لجان مجلس الإدارة، وإصدار تقرير سنوي للحوكمة، واستخدام التصويت التراكمي والإجراءات الإلكترونية في اجتماعات الجمعيات العامة، بما يرفع مستويات الشفافية وحماية حقوق المساهمين.
حماية العملاء وتسوية المنازعات
وفي إطار تعزيز حماية المتعاملين، أصدرت الهيئة القرار رقم 77 لسنة 2025 لتنظيم آليات تلقي وفحص شكاوى العملاء وإلزام الشركات بإنشاء إدارات متخصصة للتعامل معها، مع وضع مواعيد محددة للفصل في الشكاوى وإتاحة اللجوء إلى الهيئة بعد استنفاد إجراءات التسوية الداخلية.
كما أصدرت القرار رقم 254 لسنة 2025 لتنظيم عمل لجنة حماية المتعاملين وتسوية المنازعات، محددة اختصاصاتها وإجراءات الفصل في النزاعات والرسوم وآليات التسوية الودية، بما يعزز سرعة الفصل في المنازعات وترسيخ الثقة في السوق.
تنظيم الاستثمار والتحول الرقمي
وامتدت الإصلاحات إلى تنظيم استثمارات شركات التأمين في المعادن، ووضع ضوابط لتقييمها وحفظها والحصول على موافقة العملاء في وثائق تأمينات الحياة، إلى جانب إصدار قواعد لمزاولة نشاط صناديق الاستثمار، والسماح للشركات بإدارة تلك الصناديق وفق ضوابط تحقق الاستقرار المالي وتحافظ على حقوق المستثمرين.
كما نظمت الهيئة المقابل المادي لجهات تسويق وتوزيع المنتجات التأمينية، وألزمت الشركات بإعداد دراسات اكتوارية لضمان عدم تحميل العملاء أعباء غير مبررة، مع منح الهيئة صلاحيات إعادة تسعير المنتجات عند الحاجة، إضافة إلى إلزام الشركات بإمساك سجلات إلكترونية تفصيلية لكافة العمليات التأمينية والاستثمارية والشكاوى.
تطوير المنظومة التأمينية
وشملت القرارات أيضاً تحديث النظام الأساسي لاتحاد شركات التأمين المصرية، وتحويل معهد التأمين المصري إلى معهد التدريب والتأهيل لقطاع التأمين، وإصدار أول وثيقة لتأمين سند الملكية العقارية، وتنظيم مكاتب تمثيل شركات التأمين الأجنبية، وتطوير قواعد عمل الوسطاء، والوساطة الرقمية، ووسطاء إعادة التأمين الأجانب، إلى جانب تحديث الإطار التنظيمي لصناديق التأمين الخاصة والحكومية، وشركات التأمين الطبي، والتأمين متناهي الصغر، والمجمعات التأمينية، بما يدعم التحول الرقمي ويرفع كفاءة الخدمات ويوسع مظلة الحماية التأمينية.
وثيقة جديدة لتأمين الملكية العقارية
وضمن جهود الهيئة لتطوير المنتجات التأمينية، اعتمدت نموذج وثيقة تأمين سند الملكية العقارية، والتي توفر حماية للمشترين ضد المخاطر المرتبطة بسلامة الملكية، مثل الطعن على الملكية أو ظهور حقوق للغير أو تعذر تسجيل العقار لأسباب خارجة عن إرادة المشتري، كما تغطي المصروفات القانونية المرتبطة بتلك المنازعات. ومن المتوقع أن تسهم الوثيقة في تعزيز الثقة بسوق العقارات، وتشجيع الاستثمار العقاري، ودعم جهود الدولة في تصدير العقار للمستثمرين الأجانب.
تطوير اتحاد شركات التأمين ومنظومة التدريب
وفي إطار دعم البنية المؤسسية للقطاع، اعتمدت الهيئة النظام الأساسي الجديد لاتحاد شركات التأمين المصرية، والذي تضمن تحديثًا شاملًا للوائح المنظمة لعمل الاتحاد، بما يعزز التنسيق بين الشركات ويدعم تطوير صناعة التأمين، كما شمل تغيير اسم معهد التأمين المصري إلى معهد التدريب والتأهيل لقطاع التأمين، مع منحه شخصية اعتبارية مستقلة باعتباره الذراع التدريبية للاتحاد، بهدف رفع كفاءة الكوادر البشرية وتأهيلها وفق أحدث المعايير المهنية.
تنظيم عمل الوسطاء والتحول الرقمي
وشهد عام 2025 إصدار حزمة من القرارات لتنظيم نشاط وساطة التأمين وإعادة التأمين، تضمنت قواعد جديدة لقيد الوسطاء، وإلزامهم بالتسجيل على المنصة الإلكترونية للمهن التأمينية، إلى جانب وضع ضوابط لمزاولة أعمال الوساطة الرقمية، بما يشمل الحصول على التراخيص اللازمة، وتطبيق معايير الأمن السيبراني، وحماية بيانات العملاء، وإتاحة تحصيل الأقساط إلكترونيًا، في إطار استراتيجية الهيئة لتعزيز التحول الرقمي والشمول التأميني.
كما أصدرت الهيئة لأول مرة ضوابط لقيد وسطاء إعادة التأمين الأجانب غير المقيمين، تضمنت اشتراطات تتعلق بالملاءة المالية، والتصنيف الائتماني، وسابقة الأعمال، بما يضمن التعامل مع كيانات دولية ذات كفاءة وخبرة عالية.
تحديث منظومة صناديق التأمين الخاصة والحكومية
وامتدت الإصلاحات إلى صناديق التأمين الخاصة، حيث سمحت الهيئة بإنشاء أكثر من صندوق داخل الجهة الواحدة وفق ضوابط محددة، كما ألزمت الصناديق والجهات العاملة في قطاع التأمين بإنشاء مواقع إلكترونية رسمية لتعزيز التحول الرقمي وتيسير تقديم الخدمات للمشتركين.
وفيما يتعلق بصناديق التأمين الحكومية، أصدرت الهيئة حزمة من القرارات لتنظيم عملها، تضمنت إصدار النظام الأساسي للصندوق الحكومي للتأمين ضد الأخطاء الطبية، ووضع قواعد استثمار أموال صناديق التأمين الحكومية، وتنظيم الإشراف عليها، وإقرار نموذج وثيقة التأمين الخاصة بالأخطاء الطبية، إضافة إلى تحديد قواعد صرف التعويضات وتنظيم العمليات التأمينية التي يغطيها الصندوق، بما يسهم في تعزيز الحماية التأمينية ورفع كفاءة إدارة هذه الصناديق.
توسع في التأمين متناهي الصغر والتأمين الطبي
وعلى صعيد الأنشطة التأمينية المتخصصة، رفعت الهيئة الحد الأقصى للتغطية التأمينية لنشاط التأمين متناهي الصغر من 250 ألف جنيه إلى 312 ألف جنيه، تماشيًا مع زيادة الحد الأقصى للتمويل متناهي الصغر، كما أصدرت الضوابط المنظمة للنشاط لأول مرة بصورة متكاملة، بما يشمل تعريف النشاط، والفئات المستهدفة، والجهات المسموح لها بتوزيع الوثائق، وضوابط التسويق الرقمي.
كما أصدرت الهيئة الإطار التنظيمي الكامل لشركات التأمين الطبي المتخصصة وشركات إدارة برامج الرعاية الصحية، متضمنًا شروط التأسيس والترخيص والحوكمة والملاءة المالية، مع منح الشركات القائمة تراخيص مؤقتة لحين توفيق أوضاعها وفق أحكام قانون التأمين الموحد.
استكمال المنظومة التنفيذية لقانون التأمين الموحد
واختتمت الهيئة العام بإصدار عدد من القرارات المكملة، شملت قواعد تكوين المخصصات الفنية، وتعديل النظام الأساسي لصندوق ضمان حملة الوثائق، وتحديد الرسوم ومقابل الخدمات الخاصة بقطاع التأمين، إضافة إلى مد مهلة توفيق أوضاع الشركات والجهات العاملة بالقطاع لمدة عام، بما يمنحها الوقت الكافي للالتزام بالمتطلبات الجديدة التي أقرها قانون التأمين الموحد.
وتعكس هذه الحزمة المتكاملة من القرارات توجه الهيئة نحو بناء سوق تأمين أكثر كفاءة واستقرارًا، قادر على جذب الاستثمارات، وتعزيز الملاءة المالية، ورفع جودة الخدمات، ودعم التحول الرقمي، بما يسهم في زيادة مساهمة قطاع التأمين في الاقتصاد المصري وتعزيز حماية المتعاملين معه.