ديون فرنسا تقترب من نقطة الخطر مع تصاعد كلفة الاقتراض

ديون تتجاوز 3.5 تريليون يورو

تكاليف الاقتراض

تتزايد المخاوف في الأوساط الاقتصادية والمالية من دخول المالية العامة الفرنسية في مسار أكثر تعقيدًا، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض واستمرار الجمود السياسي، الأمر الذي يهدد بتسارع نمو الدين العام في وقت تستعد فيه البلاد لانتخابات الرئاسة المقررة في عام 2027، ما يقلص فرص تنفيذ إصلاحات مالية جذرية خلال الفترة المقبلة.

وبحسب ما ورد في وكالة رويترز، حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن الدين العام الفرنسي قد يرتفع إلى 203% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2050 إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات حاسمة لضبط أوضاع المالية العامة، مؤكدة أن فرض انضباط مالي صارم أصبح ضرورة للحفاظ على استدامة الدين.

ديون تتجاوز 3.5 تريليون يورو

أظهرت البيانات الرسمية أن الدين العام الفرنسي تجاوز 3.5 تريليون يورو (نحو 4 تريليونات دولار) خلال الربع الأول من العام، ليصل إلى 117.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يقترب من الذروة التي سجلتها البلاد خلال جائحة كورونا.

وبذلك أصبحت فرنسا الدولة الوحيدة داخل منطقة اليورو التي لم تتمكن حتى الآن من خفض نسبة دينها العام مقارنة بالمستويات التي أعقبت الجائحة، وفقًا لتقرير ديوان المحاسبة الفرنسي.

يشير اقتصاديون إلى أن فرنسا تواجه خطر ما يعرف بـ"تأثير كرة الثلج"، وهي الحالة التي يتجاوز فيها متوسط سعر الفائدة على السندات الحكومية معدل النمو الاقتصادي، ما يؤدي إلى زيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بصورة تلقائية، ما لم تحقق الحكومة فوائض أولية مستدامة في الموازنة قبل احتساب مدفوعات الفائدة.

ويرى الخبراء أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إما تحقيق معدلات نمو اقتصادي أعلى أو تنفيذ إصلاحات مالية تؤدي إلى فوائض أولية، إلا أن الانقسامات السياسية الحالية تجعل تحقيق أي من الخيارين أمرًا بالغ الصعوبة.

فاتورة الفائدة تقترب من 100 مليار يورو

بلغت مدفوعات فوائد الدين العام الفرنسي 66 مليار يورو خلال العام الماضي، وأصبحت من أكبر بنود الإنفاق الحكومي، مع توقعات بأن تتجاوز مخصصات التعليم والدفاع خلال السنوات المقبلة.

وحذر ديوان المحاسبة الفرنسي من أن فاتورة الفوائد قد تقترب من 100 مليار يورو بحلول عام 2029، مع إعادة تمويل الديون التي أُصدرت سابقًا بأسعار فائدة منخفضة، ولكن وفق معدلات اقتراض أعلى بكثير في البيئة الحالية.

كما دعا الديوان الحكومة إلى توضيح خطتها لخفض عجز الموازنة من نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الحالي إلى الحد الأوروبي البالغ 3%، وصولًا إلى تحقيق فائض أولي في الموازنة.

تتوقع وكالة موديز استمرار تدهور مؤشرات الدين لدى أكبر خمس اقتصادات مقترضة في أوروبا، وهي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة.

وأكدت سارة كارلسون، نائبة الرئيس الأولى في الوكالة، أن فرنسا ستكون الدولة الأكثر تعرضًا لارتفاع مدفوعات الفائدة مقارنة بحجم دينها العام بين هذه الاقتصادات.

ويحذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار الاقتراض لسداد فوائد الديون فقط قد يدخل المالية العامة الفرنسية في دائرة مفرغة يصعب كسرها دون إجراءات مالية مؤلمة.

يزيد المشهد السياسي المنقسم من صعوبة تنفيذ أي إصلاحات مالية، بعدما واجهت الحكومة صعوبات كبيرة في تمرير موازنة عام 2026 داخل البرلمان المنقسم، كما سقطت عدة حكومات أقلية منذ الانتخابات البرلمانية المبكرة في عام 2024 أثناء محاولتها إقرار الموازنات العامة.

وأصبح ملف الدين العام محورًا رئيسيًا في الحملات السياسية قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث جعل كل من إدوار فيليب وغابرييل أتال ضبط المالية العامة أحد أبرز محاور برامجهما الاقتصادية.

كما حظي تقرير برلماني حذر من مخاطر تفاقم الدين بدعم لجنة المالية في الجمعية الوطنية، وسط دعوات متزايدة لتبني إجراءات عاجلة قبل اتساع الأزمة.

انعكست هذه المخاوف على أسواق السندات، إذ عاد الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى مستويات مرتفعة، متجاوزًا في بعض الفترات الفارق بين السندات الإيطالية والألمانية، وهو ما يعكس زيادة علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالديون الفرنسية.

وفي هذا السياق، أوصى مورجان ستانلي عملاءه بخفض انكشافهم على السندات الفرنسية، مستندًا إلى استمرار الضغوط المالية وغياب رؤية واضحة لإصلاح أوضاع المالية العامة، في حين يتوقع محللون استمرار التقلبات في سوق السندات الفرنسية حتى موعد الانتخابات الرئاسية في عام 2027.