بينما تستعد الولايات المتحدة للاحتفال في الرابع من يوليو بالذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال، وهي محطة تاريخية كان يُفترض أن تكون مناسبة جامعة تعيد التأكيد على الهوية الأمريكية المشتركة، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فبدلًا من أن تتحول المناسبة إلى احتفال وطني يوحد الأمريكيين حول تاريخهم الممتد منذ عام 1776، أصبحت ساحة جديدة للصراع السياسي والثقافي الذي يهيمن على المشهد الأمريكي منذ سنوات، في انعكاس واضح لحالة الاستقطاب غير المسبوقة التي تعيشها البلاد مع دخولها ربع الألفية الأولى من عمرها.
وبحسب وكالة “رويترز”، فإن الذكرى التاريخية التي توافق مرور 250 عامًا على إعلان الاستقلال تأتي في ظل انقسام سياسي واجتماعي عميق يدفع قطاعًا واسعًا من الأمريكيين إلى مقاطعة الاحتفالات، بينما يرى آخرون أن المناسبة تمثل فرصة للتأكيد على استمرار المشروع الأمريكي بغض النظر عن هوية الرئيس أو طبيعة الخلافات السياسية، وتكشف استطلاعات الرأي، إلى جانب المقابلات التي أجرتها الوكالة مع مواطنين ومؤرخين ومسئولين محليين، عن صورة تعكس أزمة ثقة تتجاوز الخلافات الحزبية التقليدية، لتطال مفهوم الوطنية نفسه، ومعنى الانتماء، ومستقبل الديمقراطية الأمريكية.
احتفال تاريخي يتحول إلى اختبار لوحدة الدولة
يصعب العثور في التاريخ الأمريكي الحديث على مناسبة تحمل رمزية تضاهي الذكرى الـ250 للاستقلال. فهذه المناسبة لا تقتصر على الاحتفال بإعلان انفصال المستعمرات الثلاث عشرة عن التاج البريطاني، بل تمثل مراجعة شاملة لمسيرة دولة أصبحت أكبر اقتصاد في العالم، وأقوى قوة عسكرية، وإحدى أكثر الديمقراطيات تأثيرًا في النظام الدولي.
لكن المفارقة أن الاحتفال الذي كان يفترض أن يجسد الوحدة الوطنية يأتي في لحظة تتراجع فيها الثقة بالمؤسسات السياسية إلى مستويات مقلقة، بينما تتزايد الاستقطابات المرتبطة بالانتخابات والهجرة والاقتصاد والهوية والثقافة والتعليم والسياسات الخارجية، وهي ملفات لم تعد مجرد قضايا انتخابية، وإنما تحولت إلى خطوط فاصلة بين رؤيتين مختلفتين تمامًا لأمريكا ومستقبلها.
فبعد سنوات من الجدل السياسي الحاد، والانقسامات التي تعمقت خلال ولايتي الرئيس دونالد ترامب، لم يعد السؤال المطروح بين الأمريكيين يتعلق بكيفية الاحتفال بالعيد الوطني، بل أصبح يتمحور حول ما إذا كانت البلاد لا تزال تمتلك القواسم المشتركة التي تجعل الاحتفال نفسه ممكنًا.
ترامب في قلب المناسبة الوطنية
أحد أبرز أسباب الجدل يتمثل في الحضور الطاغي للرئيس دونالد ترامب داخل الفعاليات الرسمية للاحتفال بالذكرى الـ250، إذ لم يكتف البيت الأبيض بدعم اللجنة الوطنية التي كان الكونجرس قد أنشأها منذ سنوات لتنظيم المناسبة، وإنما أسس أيضًا مبادرة جديدة حملت اسم "Freedom 250"، لتتولى تنظيم فعاليات ضخمة تتصدرها معارض ومهرجانات وخطابات رئاسية.
وأصبح "المعرض الأمريكي الكبير" الذي يقام في العاصمة واشنطن أحد أهم ملامح هذه الاحتفالات، بينما يعتزم ترامب إلقاء خطاب جديد في الرابع من يوليو، بعد أن سبق أن افتتح الفعاليات بخطاب جماهيري حمل الكثير من الطابع الانتخابي، وهو ما أثار انتقادات من معارضيه الذين رأوا أن الاحتفال الوطني تحول إلى منصة سياسية تخدم الرئيس أكثر مما تخدم التاريخ الأمريكي.
هذا التداخل بين الدولة والسياسة أثار اعتراض عدد من الولايات التي يقودها الديمقراطيون، كما دفع فنانين ومؤسسات ثقافية إلى الامتناع عن المشاركة، معتبرين أن المناسبة فقدت حيادها وتحولت إلى امتداد للصراع الحزبي القائم.
وفي المقابل، يرى مؤيدو ترامب أن الانتقادات ذاتها تعكس انقسامًا سياسيًا مبالغًا فيه، مؤكدين أن الاحتفال بتاريخ الولايات المتحدة يجب ألا يخضع للخلافات المتعلقة بالإدارة الحالية، وأن الإنجازات التاريخية للبلاد أكبر من أن تُختزل في الجدل السياسي الراهن.
حين يصبح الاحتفال موقفًا سياسيًا
اللافت في المشهد الأمريكي الحالي أن قرار الاحتفال أو مقاطعته لم يعد مرتبطًا بالمشاعر الوطنية وحدها، بل أصبح يعكس الانتماء السياسي بصورة مباشرة.
وتنقل رويترز عن بيتسي هالسي، وهي معلمة متقاعدة تبلغ من العمر 63 عامًا، أنها لا ترغب في المشاركة في أي احتفال هذا العام، رغم احتفاظها حتى الآن بتذكارات احتفالات المئوية الثانية للاستقلال عام 1976، والتي عاشت تفاصيلها في طفولتها. وتقول إن المشكلة لا تكمن في حبها للولايات المتحدة، وإنما في رفضها المشاركة في احتفال ترى أنه أصبح يعبر عن اتجاه سياسي لا تؤيده.
في المقابل، يستعد دان مارازو، وهو رجل أعمال جمهوري من ولاية بنسلفانيا، لاستقبال أصدقائه وأفراد عائلته احتفالًا بالمناسبة، معتبرًا أن الولايات المتحدة تعيش مرحلة ازدهار، وأنها لا تزال توفر مستوى معيشة يفوق ما تحققه معظم دول العالم.
ورغم التباين الكبير بين الموقفين، فإن كليهما يعكس حقيقة واحدة، وهي أن المناسبة الوطنية لم تعد تُقرأ باعتبارها حدثًا تاريخيًا مستقلًا، وإنما من خلال الموقف من الإدارة الحالية وسياساتها.
مقاطعة غير مسبوقة تعكس أزمة ثقة
الأرقام التي رافقت تقرير رويترز تعطي مؤشرًا أكثر وضوحًا على حجم الانقسام.
فاستطلاع للرأي أجرته رويترز بالتعاون مع "إبسوس" أظهر أن واحدًا من كل خمسة أمريكيين لا يعتزم الاحتفال بعيد الاستقلال هذا العام، بينما ترتفع النسبة بصورة أكبر بين الديمقراطيين، إذ تبلغ نحو ربع الناخبين، مقابل نحو 8% فقط بين الجمهوريين.
لكن المؤشر الأكثر إثارة للقلق لا يتعلق بالاحتفال نفسه، وإنما بمستقبل الدولة؛ إذ أظهر الاستطلاع أن اثنين من كل خمسة أمريكيين لا يعتقدون أن الولايات المتحدة ستظل موجودة بعد مرور 250 عامًا أخرى.
ولا تعكس هذه النتيجة مجرد تشاؤم سياسي مؤقت، وإنما تشير إلى تراجع غير مسبوق في ثقة المواطنين بقدرة النظام الأمريكي على تجاوز أزماته الداخلية، وهي مسألة يصفها عدد من الباحثين بأنها أخطر من الخلافات الانتخابية المعتادة، لأنها تمس جوهر العقد الاجتماعي الذي قامت عليه الولايات المتحدة منذ تأسيسها.
مقاطعة واحدة تختصر المشهد الأمريكي
اختارت رويترز مقاطعة "باكس" في ولاية بنسلفانيا كنموذج لدراسة المزاج الأمريكي قبل الاحتفالات، ولم يكن هذا الاختيار عشوائيًا.
فهذه المقاطعة التي كانت توصف تاريخيًا بأنها منطقة هادئة سياسيًا أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر المناطق تعبيرًا عن الانقسام الأمريكي، خاصة أنها تقع داخل ولاية بنسلفانيا، إحدى الولايات المتأرجحة التي تحسم غالبًا نتائج الانتخابات الرئاسية.
وفاز ترامب بالمقاطعة في انتخابات 2024 بفارق يقل عن 300 صوت فقط من أصل نحو 400 ألف صوت، وهو فارق يوضح مدى الانقسام الحاد بين السكان.
ولا يقتصر الخلاف داخل المقاطعة على الانتخابات، بل يمتد إلى المناهج الدراسية، وحظر بعض الكتب داخل المدارس، والاحتجاجات المتعلقة بكيفية تدريس التاريخ الأمريكي، إضافة إلى الاتهامات المتبادلة بشأن نزاهة الانتخابات، وهي ملفات أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في المجتمع المحلي.
ويرى مراقبون أن ما يحدث في هذه المقاطعة الصغيرة يعكس، بصورة مصغرة، ما يحدث داخل الولايات المتحدة بأكملها، حيث لم يعد الخلاف يدور فقط حول السياسات العامة، وإنما حول تعريف الهوية الوطنية ذاتها، ومن يملك حق تفسير التاريخ الأمريكي، وما إذا كانت قيم الجمهورية الأولى لا تزال قادرة على جمع الأمريكيين تحت مظلة واحدة.
بين تشاؤم الحاضر ودروس التاريخ
لا ينظر المؤرخون إلى حالة الانقسام التي تعيشها الولايات المتحدة باعتبارها سابقة تاريخية، لكنهم يرون أن ما يميز اللحظة الراهنة هو اتساع نطاق التشاؤم الشعبي وتغلغله في مختلف شرائح المجتمع. فالولايات المتحدة مرت خلال تاريخها بمحطات أكثر دموية وتعقيدًا، بدءًا من الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر، مرورًا بفترة إعادة الإعمار، ثم أزمة الكساد الكبير، وحرب فيتنام، وفضيحة ووترجيت، وصولًا إلى الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر والأزمة المالية العالمية عام 2008. ومع ذلك، كانت المناسبات الوطنية الكبرى تمثل دائمًا فرصة لاستعادة الشعور بوحدة المصير، حتى وإن ظلت الخلافات السياسية قائمة.
اليوم يبدو المشهد مختلفًا. فبدلًا من أن تتحول الذكرى الـ250 إلى محطة لإعادة اكتشاف القيم المؤسسة للجمهورية الأمريكية، أصبحت مناسبة تدفع الأمريكيين إلى إعادة طرح أسئلة وجودية حول مستقبل دولتهم، ومدى قدرتها على البقاء متماسكة في ظل الانقسامات الحالية.
وتشير بيفرلي جيج، أستاذة التاريخ بجامعة ييل، إلى أن ما يلفت الانتباه ليس وجود الخلافات بحد ذاتها، وإنما حجم التشاؤم الذي يطغى على المزاج العام، موضحة أن فكرة الاحتفال نفسها أصبحت موضع استقطاب سياسي، بعدما كان الاحتفال بعيد الاستقلال يمثل إحدى القيم القليلة التي يتفق عليها الأمريكيون بمختلف توجهاتهم.
وترى جيج أن الأمريكيين غالبًا ما يسيئون تقدير اللحظة التاريخية التي يعيشونها، مذكرة بأن أزمات كبرى شهدتها البلاد في الماضي أعقبها في كثير من الأحيان تحولات إيجابية وإصلاحات عميقة أعادت صياغة المجتمع والدولة. فالمراحل الأكثر اضطرابًا في التاريخ الأمريكي لم تكن نهاية المشروع الأمريكي، وإنما شكلت بدايات لمراحل جديدة من التطور السياسي والاجتماعي.
الذكرى الـ250 ليست الأولى التي تأتي وسط الأزمات
تاريخ الاحتفالات الوطنية الأمريكية يكشف أن المناسبات المئوية كانت غالبًا انعكاسًا لطبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد.
فعندما احتفلت الولايات المتحدة بمرور مائة عام على الاستقلال عام 1876، كانت لا تزال تعاني آثار الحرب الأهلية التي انتهت قبل عقد واحد فقط، بينما كانت قضية إعادة بناء الجنوب، والحقوق المدنية، ومستقبل الاتحاد، تفرض نفسها على المشهد السياسي بصورة لا تقل حدة عن الانقسامات الحالية.
أما الاحتفال بالمئوية الثانية عام 1976، فجاء في أعقاب سنوات عصيبة شهدت حرب فيتنام، وفضيحة ووترجيت التي أطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون، وتراجعًا كبيرًا في ثقة الأمريكيين بالحكومة الفيدرالية.
ورغم تلك الظروف، نجحت المناسبتان السابقتان في خلق حالة من الإجماع الوطني، ولو بصورة مؤقتة، إذ استطاعت الاحتفالات أن تتجاوز الانقسامات السياسية، بينما يبدو أن ذكرى عام 2026 تسير في الاتجاه المعاكس، حيث أصبحت المناسبة نفسها امتدادًا للجدل السياسي.
ويرى عدد من الباحثين أن هذا الاختلاف يرتبط بطبيعة وسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي، التي جعلت الانقسام أكثر وضوحًا، وسرّعت انتقال الخلافات من المؤسسات السياسية إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
حين يصبح التاريخ نفسه محل خلاف
لم تعد الخلافات الأمريكية تدور فقط حول السياسات الاقتصادية أو الضرائب أو الهجرة أو العلاقات الخارجية، بل امتدت إلى الطريقة التي ينبغي أن يُروى بها التاريخ الأمريكي نفسه.
ففي العديد من الولايات اندلعت خلال السنوات الأخيرة معارك سياسية حول المناهج الدراسية، والكتب التي تُدرَّس في المدارس، وكيفية تناول قضايا العبودية والتمييز العنصري، ودور السكان الأصليين، وحقوق الأقليات، وهي نقاشات تجاوزت الأوساط الأكاديمية لتصبح جزءًا من الحملات الانتخابية.
وتجسد مقاطعة باكس هذه الظاهرة بصورة واضحة، إذ شهدت خلال الأعوام الماضية احتجاجات متكررة بشأن المناهج التعليمية، وقرارات بحظر بعض الكتب، وسجالات حادة حول طبيعة الرواية التاريخية التي ينبغي تقديمها للأجيال الجديدة.
وتوضح جينيفر مارتن، المديرة التنفيذية للمنظمة المشرفة على متنزه "واشنطن كروسينج" التاريخي، أن المؤسسة حرصت خلال استعداداتها للذكرى الـ250 على إجراء أبحاث موسعة حول مساهمات النساء والسود والمدنيين في حرب الاستقلال، استجابة لتساؤلات الجمهور، مؤكدة أن الهدف لا يتمثل في إعادة كتابة التاريخ، وإنما تقديم صورة أكثر اكتمالًا ودقة عن الأحداث.
وتشدد مارتن على أن المؤسسات التاريخية مطالبة بالحفاظ على استقلالها عن المناخ السياسي، لأن كتابة التاريخ يجب أن تستند إلى الوقائع، لا إلى الانتماءات الحزبية، محذرة من أن تسييس التاريخ قد يحول الذاكرة الوطنية إلى ساحة جديدة للصراع السياسي.
بنسلفانيا... ولاية تختصر الانقسام الأمريكي
لم يكن اختيار رويترز لمقاطعة باكس مجرد اختيار جغرافي، بل يعكس أهمية ولاية بنسلفانيا نفسها في السياسة الأمريكية.
فالولاية تعد منذ عقود واحدة من أبرز الولايات المتأرجحة التي غالبًا ما تحسم نتائج الانتخابات الرئاسية، وهو ما يجعلها مختبرًا حقيقيًا لقياس التحولات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الأمريكي.
وخلال الانتخابات الأخيرة، ظهر هذا الانقسام بوضوح، إذ حُسمت المنافسة داخل المقاطعة بفارق لا يتجاوز بضع مئات من الأصوات، وهو ما يعكس انقسامًا متساويًا تقريبًا بين الجمهوريين والديمقراطيين.
ولا يقتصر الأمر على نتائج الانتخابات، بل يمتد إلى طبيعة الحياة اليومية، حيث تتجاور لافتات دعم ترامب مع شعارات معارضيه، وتتحول الاجتماعات المحلية ومجالس التعليم والفعاليات الثقافية إلى ساحات للنقاش السياسي، في مشهد يعكس كيف أصبحت السياسة جزءًا من تفاصيل الحياة الاجتماعية.
ويرى باحثون أن هذا النمط لم يعد استثناءً يقتصر على الولايات المتأرجحة، بل أصبح سمة عامة في معظم أنحاء الولايات المتحدة، حيث تتراجع المساحات المشتركة التي تجمع الأمريكيين بعيدًا عن الانتماءات الحزبية.
الوطنية بين الحزب والانتماء
ربما يكون السؤال الأكثر حساسية الذي تطرحه الذكرى الـ250 هو: هل ما زالت الوطنية الأمريكية قادرة على تجاوز الانتماءات الحزبية؟
بالنسبة لجيم ورثينجتون، أحد مؤيدي ترامب، فإن الإجابة واضحة؛ إذ يرى أن الاحتفال بمرور 250 عامًا على تأسيس الولايات المتحدة ينبغي أن يكون فوق أي خلاف سياسي، لأن الدولة تمثل "أعظم تجربة سياسية في التاريخ"، على حد وصفه، وأن الإنجازات التي حققتها البلاد تستحق الاحتفاء بغض النظر عن هوية الرئيس أو الحزب الحاكم.
في المقابل، ترى تابيثا ديل أنجيلو، الأستاذة الجامعية والعضو السابقة في مجلس إدارة المدارس، أن حب الوطن لا يعني بالضرورة تأييد الطريقة التي تُدار بها الاحتفالات، مؤكدة أنها لا تشعر بأن المناسبة الحالية تحتفي بأمريكا بقدر ما تحتفي بشخص الرئيس وسياساته.
أما دورين ستراتون، التي تنحدر عائلتها من أوائل الأمريكيين السود الأحرار في فيلادلفيا، فتعتبر أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا في بعض المكتسبات المتعلقة بالحقوق المدنية، الأمر الذي يجعلها تنظر إلى الذكرى الـ250 بمزيج من الحزن والقلق، رغم اعتزازها بتاريخ بلادها.
وتكشف هذه المواقف أن الخلاف لا يدور حول حب الولايات المتحدة، وإنما حول تفسير الوطنية نفسها؛ فبينما يربطها البعض بالدفاع عن القيادة الحالية، يراها آخرون مرتبطة بالدفاع عن المبادئ الدستورية حتى في مواجهة السلطة السياسية.
المنظمون يبحثون عن مساحة مشتركة
أمام هذا المشهد المنقسم، يجد منظمو الاحتفالات أنفسهم أمام مهمة معقدة تتمثل في الحفاظ على الطابع الوطني للمناسبة دون الانحياز لأي طرف.
ويقول ديك كريتر، رئيس منظمة "أمريكا تحتفل"، التي تشرف على عدد من الفعاليات في ولايتي بنسلفانيا ونيوجيرسي، إن العديد من المواطنين تواصلوا مع المنظمين للحصول على تأكيدات بأن الاحتفالات ستكون بعيدة عن أي رسائل سياسية أو حزبية.
ويؤكد أن تجاهل مناسبة تاريخية بحجم الذكرى الـ250 بسبب الخلافات السياسية سيكون خسارة للجميع، لأن مثل هذه المناسبات تمثل فرصة نادرة لاستعادة الشعور بالمجتمع الواحد، حتى وإن بقيت الاختلافات قائمة.
غير أن نجاح هذه المحاولات يظل مرهونًا بقدرة المجتمع الأمريكي نفسه على الفصل بين السياسة والرموز الوطنية، وهي مهمة تبدو أكثر صعوبة مما كانت عليه في أي وقت مضى.