محيي الدين: تسعير المخاطر بصورة لا تعكس الواقع الاقتصادي يرفع تكلفة التمويل بالدول النامية

مناقشة محددات تكلفة رأس المال في الدول النامية

محمود محيي الدين

شارك الدكتور محمود محيي الدين في المائدة المستديرة رفيعة المستوى بعنوان «فهم محددات تكلفة رأس المال في الدول النامية»، والتي نظمتها جامعة كلية لندن (UCL) ومؤسسة ODI Global ومركز التمويل المستدام بجامعة SOAS، بمشاركة ممثلين عن مؤسسات التمويل الإنمائي والبنوك التنموية متعددة الأطراف والمستثمرين والباحثين.

وتناولت الجلسة العوامل المؤثرة في تكلفة رأس المال داخل الدول النامية، إلى جانب مناقشة دور مؤسسات التمويل الإنمائي في تسعير المخاطر وتوزيعها، وبناء الأسواق، وجذب الاستثمارات الخاصة.

وأكد “محيي الدين” خلال مداخلته أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع تكلفة التمويل، وإنما تتمثل أيضًا في أن المخاطر يتم في كثير من الأحيان تسعيرها بصورة لا تعكس الواقع الاقتصادي الفعلي، بل تتأثر بالتصورات السائدة والتحيزات المؤسسية والممارسات المتوارثة في الأسواق المالية.

وأوضح أن النقاش التقليدي افترض على مدار عقود أن ارتفاع تكلفة التمويل يعد انعكاسًا مباشرًا لارتفاع المخاطر، إلا أن هناك احتمالًا آخر يتمثل في المبالغة المنهجية في تسعير المخاطر بالدول النامية، وهو ما يفرض اختلافًا جوهريًا في السياسات المطلوبة لمعالجة هذه الإشكالية.

وأشار إلى أن العديد من مشروعات الطاقة المتجددة والبنية الأساسية في الدول النامية تحقق مستويات أداء مماثلة لنظيراتها في الاقتصادات المتقدمة، لكنها تتحمل تكاليف تمويل أعلى بكثير نتيجة تصورات مرتبطة بالموقع الجغرافي أو التصنيفات السيادية، أكثر من ارتباطها بالخصائص الفعلية للمشروعات نفسها.

محدودية البيانات تضخم تقديرات المخاطر

وأوضح “محيي الدين” أن محدودية البيانات المتعلقة بسجلات الأداء الناجحة والسداد، إلى جانب الاعتماد المفرط على التصنيفات السيادية والمتوسطات الإقليمية، يؤديان إلى تضخيم تقديرات المخاطر.

وأضاف أن جزءًا مهمًا مما يُصنف باعتباره مخاطر سيادية يرتبط في الواقع بهياكل التمويل ذاتها، لا سيما عندما يتم تمويل مشروعات تحقق إيرادات بالعملة المحلية من خلال ديون مقومة بعملات أجنبية.

وشدد على أن السؤال الأساسي لا يتعلق بكيفية تمويل المشروعات مرتفعة المخاطر، بل بكيفية ضمان تسعير المشروعات وفقًا لمستوى المخاطر الحقيقي الذي تواجهه، مؤكدًا أن التسعير غير الدقيق للمخاطر يؤدي إلى سوء تخصيص الموارد العامة والخاصة.

دور مؤسسات التمويل الإنمائي في تصحيح إخفاقات السوق

وأكد “محيي الدين” أن دور مؤسسات التمويل الإنمائي لا يقاس فقط بحجم التمويل الذي توفره، وإنما بقدرتها على معالجة إخفاقات السوق وبناء الأسواق المحلية، من خلال تقديم الضمانات، وآليات تقاسم المخاطر، والتمويل بالعملة المحلية، وتعزيز الشفافية، وتوسيع نطاق البيانات المتاحة للمستثمرين.

كما دعا إلى مراجعة الأطر التنظيمية والحوافز المؤسسية التي تعمل في ظلها هذه المؤسسات، بما يضمن توجيه الموارد المتاحة نحو تحقيق أكبر أثر تنموي ممكن.

استعادة الغاية الأساسية للأسواق

وفي فعالية أخرى، شارك الدكتور محمود محيي الدين في المائدة المستديرة «استعادة الغاية الأساسية للأسواق»، التي نظمتها المبادرة العالمية للتمويل الأخلاقي (GEFI) بالتعاون مع مجموعة رويال لندن، بمناسبة مرور 250 عامًا على صدور كتاب «ثروة الأمم» لآدم سميث.

وخلال مداخلته المستندة إلى مقالته المعنونة «استعادة آدم سميث: الثقة والمؤسسات والأسس الأخلاقية للتمويل العالمي»، أوضح “محيي الدين” أن الخطاب الاقتصادي الحديث اختزل إلى حد كبير فكر آدم سميث في مفهوم المصلحة الذاتية وآليات عمل الأسواق، في حين أن رؤيته الأوسع كانت تربط بين الاقتصاد والأبعاد الأخلاقية والاجتماعية.

وأكد أن الأسواق لا يمكن أن تؤدي دورها بكفاءة دون وجود الثقة والعدالة والمؤسسات القادرة على اكتساب الشرعية والحفاظ عليها.

تحديات التمويل العالمي وتراجع الثقة في المؤسسات

وأشار “محيي الدين” إلى أن العالم يواجه حاليًا تحديات متزايدة تتعلق بتمويل التنمية والعمل المناخي، بالتوازي مع ارتفاع مستويات الدين العالمي، وتزايد التجزئة الجيوسياسية، وتراجع مستويات الثقة في المؤسسات.

وأضاف أن أفكار آدم سميث تتقاطع مع العديد من التقاليد الفكرية الأخرى، ومنها أفكار ابن خلدون المتعلقة بالحكم والتماسك الاجتماعي، ومبادئ الاقتصاد الأخلاقي الإسلامي، وفلسفة «أوبونتو» الأفريقية، وغيرها من الرؤى التي تؤكد الترابط الوثيق بين النشاط الاقتصادي والمسئولية الاجتماعية.

الأسواق وسيلة لتحقيق الازدهار والتنمية المستدامة

وأكد “محيي الدين” أن الأسواق ليست غاية في حد ذاتها، وإنما أدوات يجب أن تخدم أهدافًا أوسع تشمل تحقيق الازدهار، وتعزيز المرونة الاقتصادية، وترسيخ الشمول، وتحسين رفاه الإنسان.

كما شدد على أهمية توجيه الأنظمة المالية نحو خلق القيمة على الأجل الطويل، وتطوير مفهوم الاستدامة ليشمل حماية الأنظمة الاقتصادية والبيئية التي تعتمد عليها الاستثمارات.

واختتم الدكتور محمود محيي الدين كلمته بالتأكيد على أن المعيار الحقيقي للحكم على كفاءة الأسواق والمؤسسات لا يقتصر على قدرتها على توليد الثروة، بل يمتد إلى قدرتها على تعزيز الثقة، وتحقيق الازدهار المشترك، ودعم مسارات التنمية المستدامة على الأجل الطويل.