تشهد حركة السفن عبر مضيق هرمز انتعاشاً ملحوظاً مع تكثيف الجهود الدولية لإخراج السفن العالقة من الخليج بطريقة منظمة.
وأفادت شركة "ألايد شيب بروكرينغ" للاستشارات البحرية، بأن الممر المائي "بدأ يستعيد عافيته تدريجياً، وإن كان ذلك بصعوبة" عقب توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، حيث ارتفعت حركة السفن المكتملة إلى أعلى مستوياتها منذ إغلاق المضيق فعلياً في 28 فبراير.
توفير ممر بحري مؤقت للسفن الراغبة في عبور المضيق
ومع ذلك، لا يزال التعافي حذراً، وهشاً سياسياً، ويخضع لإدارة دقيقة، حيث أعلنت سلطنة عُمان، أمس الثلاثاء، أنها نسقت مع المنظمة البحرية الدولية (IMO) لتوفير ممر بحري مؤقت للسفن الراغبة في عبور مضيق هرمز. ويتعين على السفن الراغبة في استخدام هذا الممر التنسيق مع المنظمة البحرية الدولية واتباع الإحداثيات الصادرة عنها وعن السلطات العُمانية.
ويهدف هذا الإجراء إلى دعم حرية الملاحة عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي وفقاً للقانون الدولي ودون فرض رسوم عبور.
وقد طلب المكتب الوطني للهيدروغرافيا في عُمان إصدار تحذير ملاحي يتضمن تدابير طارئة لإدارة حركة الملاحة في المضيق. ويشير التحذير إلى أن نظام فصل حركة المرور الحالي غير آمن للاستخدام، وأنه يمكن استخدام مسارين مؤقتين من قبل السفن المغادرة عبر هرمز، أحدهما شمال والآخر جنوب نظام فصل حركة المرور العادي.
تتمحور الخطة حول إجلاء تدريجي لحركة السفن، حيث تُقسّم السفن إلى مجموعات مُحددة ويتم التواصل مع كل سفينة على حدة لتزويدها بتعليمات في يوم عبورها المُخصص.
ويؤكد التحذير على أن "سلامة الملاحة تبقى الاعتبار الأهم"، مُشيرًا إلى ارتفاع خطر التصادم في ظل الظروف الراهنة.
وتُعدّ التجارة البحرية اليوم أكثر تعقيدًا وكثافةً في رأس المال وأكثر عرضةً للمخاطر من أي وقت مضى في العقود الأخيرة.
وسيتم توجيه السفن إلى منطقة انتظار في المياه الدولية قبل مواصلة رحلتها، ويُطلب من قادة السفن إبقاء نظام التعرف الآلي (AIS) مُفعّلاً أثناء العبور والامتثال لتعليمات الدولة الساحلية عبر جهاز اللاسلكي VHF. كما حذّرت عُمان من إمكانية تعليق حركة الملاحة مؤقتًا لأسباب تتعلق بالسلامة أو الأمن، بما في ذلك تجنب الاصطدام مع السفن الحربية.
ورحّب الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية، أرسينيو دومينغيز، بالاتفاق الأمريكي الإيراني، واصفًا إياه بأنه خطوة نحو استعادة الأمن البحري بعد أشهر من الهجمات على السفن المدنية.
إجلاء أكثر من 11 ألف بحار ما زالوا عالقين
وقال دومينغيز: "سنبدأ بتنفيذ خطة إجلاء أكثر من 11 ألف بحار ما زالوا عالقين في المنطقة".
وأضاف أن العملية ستُنفذ بالتعاون مع إيران وعُمان ودول ساحلية أخرى والولايات المتحدة والقطاع الصناعي.
وقال: "لقد حصلنا على ضمانات السلامة اللازمة، وتحققنا بدقة من شروط الملاحة الآمنة".
ورغم تحسن حركة السفن، حذرت شركة "ألايد" من أن حركة الملاحة تتزايد ضمن "إطار زمني سياسي" وليس في ظل ظروف سلام دائم.
وقد وافقت إيران على إنشاء قناة اتصال تهدف إلى ضمان المرور الآمن، في حين بدأت حركة الملاحة التجارية بالتعافي من أدنى مستوياتها خلال الأزمة. إلا أن حجم الحركة لا يزال أقل من مستويات ما قبل النزاع، ولا يزال الغموض يكتنف إدارة المضيق على المدى الطويل.
وأوضحت شركة ألايد، إلى أن التوقيع على الاتفاقية قد غيّر الوضع التشغيلي، لكنه لم يُحدث تحولاً جذرياً في بنية إدارة المخاطر الأساسية.
نشرت شركة أليانز، عملاق التأمين، تقريرها السنوي للشحن أمس، مشيرةً إلى وجود سفن وبضائع بقيمة 125 مليار دولار أمريكي تنتظر العبور من الخليج العربي، مع استعداد شركات التأمين لتلقي عدد كبير من المطالبات.
وقال الكابتن راهول خانا، الرئيس العالمي لاستشارات المخاطر البحرية في شركة أليانز كوميرشال: "هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يُغلق فيها مضيق هرمز، فحتى خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ظل المضيق مفتوحاً. وسيظل إغلاق المضيق في المستقبل سيناريو كارثياً حقيقياً، وليس مجرد سيناريو نظري، بالنسبة لقطاع الشحن وشركات التأمين".
ناقش تقرير أليانز ما وصفه بـ"تحولٍ عميقٍ محتملٍ في النظام البحري العالمي"، مُشيرًا إلى أن الأمن قد يتطور من منفعةٍ عامةٍ مكفولةٍ جماعيًا إلى خدمةٍ مُقابلةٍ للدفع، مع تأكيد المسؤولين الإيرانيين مرارًا وتكرارًا على نيتهم فرض نوعٍ من نظام الرسوم بمجرد انقضاء فترة التوقف المتفق عليها لمدة 60 يومًا.
وقد خصص التقرير صفحاتٍ عديدةً هذا العام لتغطية نقاط الاختناق البحرية في العالم.
وذكر التقرير: "يواجه مالكو ومشغلو السفن اليوم مجموعةً من الضغوط المتداخلة: تقلباتٌ حادةٌ في أسعار وقود السفن، وازدحامٌ مستمرٌ في الموانئ الحيوية، واضطراباتٌ ناجمةٌ عن تغير المناخ، مثل الجفاف الذي يُعيق حركة الممرات المائية الداخلية الرئيسية". وأضاف: "في الوقت نفسه، أدى تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتجزئة التجارة، وتزايد حالة عدم اليقين حول نقاط الاختناق البحرية الاستراتيجية، إلى ظهور مخاطرٍ هيكليةٍ في سلاسل التوريد العالمية. وتتفاقم هذه التحديات بفعل بيئةٍ تنظيميةٍ متشددةٍ بسرعةٍ تُركز على خفض الانبعاثات الكربونية، إلى جانب الارتفاع الحاد في تكاليف السفن وتسارع وتيرة تجديد الأساطيل".
وقالت ماريا لاتوري، مستشارة القطاع في شركة أليانز للأبحاث: "إن هذه القوى مجتمعة ليست دورية بل هيكلية - فهي تعيد تشكيل نموذج تشغيل الصناعة بشكل جذري وتبشر بعصر جديد تصبح فيه التجارة البحرية أكثر تعقيدًا وكثافة رأس المال وأكثر عرضة للمخاطر من أي وقت مضى في العقود الأخيرة".