وزارة الزراعة تسعى لصياغة آليات تشغيلية وتنفيذية تهدف لدمج السماد الحر داخل منظومة «الجمعيات»

الهدف هو تطهير قنوات التوزيع من المضاربات التي أرهقت كاهل المزارع

الاسمدة ارشيفية

تشهد أروقة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي تحركات موسعة واجتماعات محورية مكثفة خلال الساعات الجارية لصياغة آليات تشغيلية وتنفيذية جديدة تهدف إلى دمج السماد الحر رسمياً داخل منظومة الجمعيات الزراعية وتأتي هذه التحركات مدفوعة بالهبوط الملحوظ الذي سجلته أسعار الأسمدة في البورصات العالمية مؤخراً مما يتيح فرصة مواتية لطرح هذه الحصص بأسعار تنافسية تلائم القدرات المالية للمزارعين وتساهم بفعالية في كسر حدة الاحتكار التي تفرضها السوق الموازية.

وكشف أحمد عضام رئيس قطاع التعاونيات بوزارة الزراعة عن صياغة مقترح تشغيلي يسمح للجمعيات الزراعية العامة والفرعية بالدخول كطرف مشترٍ مباشر في مزادات علنية مع مصانع الأسمدة المحلية لتوريد الحصص الحرة وتستهدف هذه الخطوة محاكاة التجربة الناجحة للمزادات التي تجريها الدولة حالياً مع التجار والمصدرين في محاصيل إستراتيجية أخرى لضمان توفير كميات وفيرة بأسعار تنافسية عادلة .

وأضافت مصادر بوزارة الزراعة لـ"المال " أن الهدف هو تطهير قنوات التوزيع من المضاربات التي أرهقت كاهل المزارع طوال المواسم الماضية وتعمل الوزارة بالتوازي مع لجان الزراعة والري بمجلسي النواب والشيوخ على بلورة التصور التشريعي والتنفيذي النهائي لإدراج هذا النظام المبتكر لضمان مأسسته قانونياً وحوكمة مسارات الصرف من خلال الكارت الذكي للفلاح لمنع أي تسرب للكميات نحو مسارات غير إنتاجية.

وكشفت المصادر أنه وتأتي هذه التطورات لتحدث قطعاً معرفياً وهيكلياً مع الوضع السابق الذي اتسم باعتماد منظومة توزيع الأسمدة بالجمعيات على مسارين تقليديين تمثل الأول في توزيع الحصص المدعمة التي تلزم الحكومة بها الشركات العامة والخاصة بنسبة تصل إلى 37 % من إنتاجها الإجمالي لتوجه إلى ديوان الوزارة وصرفها للمزارعين المقيدين بالحيازات التقليدية وبأسعار ثابتة بينما تمثل المسار الثاني في طرح كميات محدودة للغاية من الأسمدة الحرة بالجمعيات لا تتجاوز 10% في أفضل أحوالها.

ونوهت المصادر أن هذة الكميات كانت تطرح كحصص إستثنائية ناتجة عن تسويات إدارية أو بقايا حصص دورية ولم تكن تعبر عن آلية شراء حقيقية أو نظام توريد مستدام حيث كانت تباع خارج منظومة الاسمدة الرقمية بكارت الفلاح مما جعل المعروض الحر بالجمعيات شحيحاً وغير منتظم ودفع بقطاع عريض من المزارعين لا سيما أصحاب المساحات الكبيرة والمحاصيل غير المشمولة بالدعم التقليدي إلى السقوط في مصيدة السوق السوداء والتجار  الذين استغلوا غياب البديل المؤسسي لرفع الأسعار بمعدلات قياسية وغير مبررة.

وأفادت المصادر أن المقابل يرتكز المقترح الجديد على تحويل الجمعيات الزراعية التعاونية من مجرد جهات إدارية وسيطة تتلقى الحصص المقررة وتصرفها ورعاة لمنظومة الدعم الكلاسيكية إلى كيانات اقتصادية فاعلة ومستقلة تمتلك القدرة والغطاء المالي للدخول كقوة شرائية ضخمة في مزادات حرة ومباشرة مع المصانع الكبرى في مصر مثل شركات أبو قير وكيما والنصر والمصرية وحلوان وموبيكو والإسكندرية وهي الشركات ال7 الكبرى المرتبطة بتعاقدات توريد مع وزارة الزراعة وتلتزم بتوجيه إنتاجها للسوق المحلية والتصدير مقابل حصولها على الغاز الطبيعي المدعم من الدولة الذي يمثل العصب الأساسي لهذه الصناعة الكثيفة الاستهلاك للطاقة ومن شأن هذا التحول الاقتصادي للجمعيات أن يتيح لها شراء كميات هائلة بنظام الجملة متجاوزة كافة السماسرة والوكلاء لتصبح هي الموزع الرئيسي والآمن للأسمدة الحرة داخل القرى والنجوع.

ونوهت المصادر أنه على صعيد التسعير وحساب التكلفة فإن تحديد السعر الافتتاحي للمزادات أو ما يعرف بسعر الفتح للمزادات المرتقبة لن يخضع لأي تقديرات عشوائية بل سيتم احتسابه بدقة متناهية بناءً على معادلة اقتصادية تأخذ في الاعتبار توازنات السوقين المحلية والعالمية وتتحدد هذه المعادلة الحسابية كالتالي السعر الافتتاحي يساوي متوسط تكلفة الإنتاج والتشغيل بالمصانع مضافاً إليه قيمة هامش الربح التجاري للمصنع مع ربط النتيجة بأسعار التصدير العالمية بعد خصم تكاليف الشحن الدولي واللوجستيات لضمان تقييم السعر العادل محلياً على قاعدة فوب مصر ويضمن هذا البناء الحسابي حماية المصانع من أي خسائر تشغيلية تترتب على تقلبات أسعار الطاقة وفي الوقت ذاته يحمي الجمعيات المشترية من المبالغة السعرية ويمنحها نقطة انطلاق تنافسية تقل كثيراً عن الأسعار السائدة لدى مستودعات القطاع الخاص.

وكشفت المصادر أنه ويرتبط بآلية السعر الافتتاحي محدد جوهري آخر يتمثل في هامش ربح الجمعيات الزراعية نفسها عند إعادة البيع للمزارعين وهنا يتجلى البعد التعاوني الخدمي للمنظومة حيث لا تستهدف الجمعيات تحقيق أرباح رأسمالية ضخمة بل يقتصر هامش ربحها على تغطية التكاليف التشغيلية والإدارية الحقيقية بنسبة تتراوح بين 2 و5% فقط وتتمثل العناصر المكونة للتكلفة النهائية المقررة على شيكارة السماد الحرة للمزارع النهائي في جمع سعر الترسية الحقيقي الذي رسا به المزاد العلني مع الشركات مضافاً إليه تكلفة النولون والنقل الفعلي من بوابات المصانع إلى المستودعات الإقليمية والمحلية بالمحافظات والقرى وتكاليف التعتيق والتحميل اليدوي والميكانيكي ونسبة ضئيلة جداً لا تتعدى الكسور الحسابية لتغطية الهالك والفاقد الطبيعي أثناء عمليات النقل والتخزين ويضمن هذا البناء السعري المحوكم خروج المنتج النهائي للمزارع بتكلفة تقل بنسب واضحة عن السوق الموازية مما يجبر التجار الخواص على تعديل هوامش ربحهم ليتواكبوا مع السعر العادل والمعلن في المنافذ الحكومية.

وأضافت المصادر  أن نجاح المقترح الجديد رهن بقدرة وزارة الزراعة على ضبط التزامات المصانع السبعة الكبرى في مواعيد التوريد وضمان عدم مناورتها بالكميات لصالح التصدير الخارجي طلباً للعملة الصعبة كما يتوقف على السرعة التنفيذية للجان البرلمانية بمجلسي النواب والشيوخ في اعتماد التعديلات التشريعية التي تتيح للجمعيات مرونة مالية واسعة تمكنها من سداد قيم الترسية الفورية للمصانع دون الدخول في تعقيدات الدورة المستندية التقليدية مما يجعل من منظومة المزادات الحرة صمام أمان حقيقي للاقتصاد الزراعي المصري يحقق التوازن المطلوب بين استدامة عمل المصانع وحماية الأمن الغذائي القومي عبر دعم الفلاح وتخفيض تكاليف مدخلات الإنتاج.