بعد 10 سنوات.. «بريكست» يعيد تشكيل مالية بريطانيا

خسائر في الوظائف

الاتحاد الأوروبي

بعد مرور عشر سنوات على الاستفتاء التاريخي الذي قاد المملكة المتحدة إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما توقعه المؤيدون والمعارضون على حد سواء. فبينما فقدت لندن جزءًا من هيمنتها التقليدية على القطاع المالي الأوروبي، نجحت في الوقت نفسه في الحفاظ على مكانتها كواحد من أهم المراكز المالية العالمية، مستفيدة من إصلاحات تنظيمية وارتفاع معدلات الفائدة وتدفقات استثمارية ضخمة.

وبحسب وكالة «رويترز»، فإن القطاع المالي البريطاني تمكن من تجاوز جزء كبير من الصدمة التي صاحبت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، رغم انتقال آلاف الوظائف والأنشطة المالية إلى مراكز أوروبية منافسة مثل باريس ودبلن وأمستردام، إلا أن لندن ما زالت تحتفظ بجاذبيتها للمؤسسات المالية العالمية وتواصل استقطاب استثمارات بمليارات الجنيهات الإسترلينية.

مخاوف لم تتحقق بالكامل

عندما صوت البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، حذر كبار المصرفيين العالميين من تداعيات كارثية محتملة على القطاع المالي البريطاني.

وكان الرئيس التنفيذي لبنك JPMorgan Chase، جيمي ديمون، قد أشار آنذاك إلى إمكانية نقل آلاف الوظائف خارج بريطانيا إذا فقدت المؤسسات المالية حق الوصول المباشر إلى السوق الأوروبية الموحدة.

لكن بعد عقد كامل من التصويت، تبدو الصورة مختلفة نسبيًا، إذ أعلنت المؤسسة المصرفية الأمريكية خططًا لإنشاء برج جديد في منطقة كناري وارف بلندن يستوعب ما يصل إلى 12 ألف موظف، في خطوة اعتبرتها الحكومة البريطانية تصويتًا بمليارات الجنيهات لصالح الاقتصاد البريطاني.

كما أعلنت مؤسسات مالية كبرى أخرى، من بينها Citigroup، عن استثمارات ضخمة داخل السوق البريطانية خلال السنوات الأخيرة.

خسائر في الوظائف

ورغم استمرار جاذبية لندن، فإن بيانات القطاع المالي تشير إلى أن الخروج من الاتحاد الأوروبي لم يكن بلا تكلفة.

فقد اضطرت المؤسسات المالية البريطانية إلى نقل نحو 40 ألف وظيفة إلى دول الاتحاد الأوروبي للحفاظ على قدرتها على خدمة العملاء الأوروبيين بعد فقدان ما يعرف بحقوق «جواز السفر المالي» التي كانت تسمح لها بالعمل بحرية داخل السوق الأوروبية الموحدة.

كما أظهرت بيانات مؤسسة «نيو فاينانشال» البحثية تراجع الحصة البريطانية في 10 من أصل 12 نشاطًا ماليًا دوليًا رئيسيًا، من بينها تداول العملات الأجنبية، وإدراج الأسهم، وإدارة الأصول.

وقال ويليام رايت، مؤسس المؤسسة، إن تأثير «بريكست» على مدينة لندن المالية يشبه «كسر بريطانيا لذراعها بنفسها»، موضحًا أن الضرر لم يكن قاتلًا لكنه ألحق خسائر ملموسة بالقطاع المالي.

ورغم تراجع بعض المؤشرات، ما تزال بريطانيا تحتل المرتبة الثانية عالميًا بعد الولايات المتحدة من حيث استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن المملكة المتحدة استضافت أكثر من 12 تريليون جنيه إسترليني من الاستثمارات الأجنبية المباشرة واستثمارات المحافظ المالية والودائع العابرة للحدود بنهاية عام 2025.

ومع ذلك، تراجعت حصة بريطانيا من التدفقات الرأسمالية العالمية من 8.6% عام 2015 إلى نحو 7% في عام 2025، في حين ارتفعت حصة الولايات المتحدة من نحو 20% إلى 25% خلال الفترة نفسها، مدفوعة بالطفرة الكبيرة في أسواق الأسهم والتكنولوجيا الأمريكية.

ارتفاع الفائدة يعزز أرباح البنوك

أحد أهم العوامل التي ساعدت القطاع المالي البريطاني على التعافي كان الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة العالمية بعد جائحة كورونا.

فقد أدى تشديد السياسة النقدية من جانب Bank of England والبنوك المركزية الكبرى إلى زيادة هوامش الربحية في القطاع المصرفي، ما دعم أرباح البنوك البريطانية وساعدها على تعويض جزء من الضغوط الناتجة عن الخروج الأوروبي.

كما استفادت المؤسسات المالية من توجه الحكومة البريطانية نحو تخفيف القيود التنظيمية التي فُرضت عقب الأزمة المالية العالمية في 2008، في محاولة لتعزيز النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

قطاع التأمين 

كان قطاع التأمين من أبرز المستفيدين من الاستقلال التنظيمي الذي حصلت عليه بريطانيا بعد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

فقد أجرت الحكومة تعديلات على قواعد الملاءة المالية الأوروبية، ما خفف الأعباء الإدارية وقلص متطلبات رأس المال المفروضة على شركات التأمين.

وأدى ذلك إلى نمو قوي في القطاع، حيث تضاعفت قيمة الأقساط التأمينية المكتتبة في سوق لندن خلال العقد الأخير لتصل إلى نحو 187 مليار دولار، بحسب مجموعة سوق لندن للتأمين.

إلى جانب الأنشطة المالية التقليدية، نجحت بريطانيا في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للتكنولوجيا المالية.

وتعد شركة Revolut أبرز الأمثلة على هذا التحول، إذ أصبحت الشركة الأعلى قيمة في قطاع التكنولوجيا المالية الأوروبي بعد أن بلغت قيمتها السوقية نحو 75 مليار دولار خلال إحدى عمليات بيع الأسهم الخاصة العام الماضي.

ويعكس هذا النجاح قدرة لندن على جذب الشركات الناشئة والمواهب التقنية رغم تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ورغم صمود القطاع المالي، فإن الاقتصاد البريطاني ككل لم يحقق الأداء نفسه.

فقد تباطأ النمو الاقتصادي مقارنة بالولايات المتحدة، كما تشير تقديرات مكتب الموازنة البريطاني إلى أن إنتاجية الاقتصاد على المدى الطويل ستكون أقل بنحو 4% مما كانت ستصبح عليه لو بقيت المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي.

كما ارتفعت تكاليف التجارة والإجراءات الجمركية، وتأثرت سلاسل الإمداد نتيجة الحواجز الجديدة بين بريطانيا والأسواق الأوروبية.

وتواجه البلاد أيضًا تحديات مرتبطة بارتفاع عوائد السندات الحكومية وتكاليف الاقتراض، إلى جانب حالة عدم الاستقرار السياسي التي شهدتها خلال العقد الماضي مع تعاقب ستة رؤساء وزراء منذ استفتاء الخروج.

أوروبا لم تستفد بالكامل

في المقابل، يرى عدد من الخبراء أن الاتحاد الأوروبي لم يتمكن من استغلال خروج بريطانيا لتحقيق طفرة مالية كبرى.

فلا تزال الأسواق المالية الأوروبية تعاني من التشتت بين الأنظمة الوطنية المختلفة، كما لم تنجح بروكسل حتى الآن في إنشاء سوق رأسمال موحدة قادرة على منافسة قوة لندن.

ويرى مايكل ماينيلي، الرئيس السابق لمدينة لندن المالية، أن كلًا من بريطانيا والاتحاد الأوروبي خسر جزءًا من قوته المالية لصالح النمو المتسارع للأسواق الآسيوية والولايات المتحدة.

بعد عشر سنوات من الاستفتاء الذي غيّر مسار المملكة المتحدة، يبدو أن «بريكست» لم يدمر القطاع المالي البريطاني كما كان يخشى البعض، لكنه في الوقت ذاته لم يمر دون تكلفة.

فقدت لندن جزءًا من حصتها السوقية الأوروبية، لكنها احتفظت بمكانتها كمركز مالي عالمي رئيسي بفضل مرونتها وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الجديدة.

ومع استمرار الإصلاحات التنظيمية وتوسع الاستثمارات في التكنولوجيا المالية والأسواق الرأسمالية، تراهن بريطانيا على أن العقد المقبل قد يشهد مرحلة جديدة من النمو، حتى وإن كان ذلك خارج المنظومة الأوروبية التي كانت يومًا جزءًا أساسيًا من قوتها الاقتصادية.