قيود أمريكية مفاجئة على نماذج «أنثروبيك».. ومخاوف أمنية من أمازون

إيقاف لنموذجي «فابل 5» و«ميثوس 5»

أنثروبيك

أثارت خطوة الإدارة الأمريكية بفرض قيود مفاجئة على أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لشركة «أنثروبيك» موجة واسعة من الجدل داخل قطاع التكنولوجيا، بعدما كشفت تقارير أن الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، آندي جاسي، كان من بين كبار التنفيذيين الذين أبدوا مخاوف مباشرة لمسؤولين في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن المخاطر الأمنية المرتبطة بهذه النماذج المتقدمة.

وبحسب وكالة رويترز، جاءت هذه التطورات قبل قرار الحكومة الأمريكية إجبار شركة «أنثروبيك» على وقف تشغيل أحدث نماذجها عالميًا، في واحدة من أكثر التدخلات الحكومية تشددًا في سوق الذكاء الاصطناعي منذ بدء سباق تطوير النماذج التوليدية المتقدمة.

قالت الوكالة إن آندي جاسي، الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، شارك خلال الأسبوع الجاري في مناقشات مع مسؤولين كبار داخل إدارة ترامب بشأن المخاطر المحتملة التي قد تنشأ عن قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة التابعة لشركة «أنثروبيك».

وتعد أمازون أحد أبرز المستثمرين والداعمين للشركة الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، ما يضفي أهمية خاصة على المخاوف التي أثيرت بشأن الجوانب الأمنية للنماذج الجديدة.

ورفضت أمازون تأكيد ما إذا كانت قد ناقشت هذه القضايا مع الحكومة الأمريكية، لكنها أشارت إلى أن الحكومات تلجأ بصورة متكررة إلى مزودي الحوسبة السحابية الكبار للحصول على تقييمات تتعلق بالمخاطر الأمنية المحتملة.

إيقاف لنموذجي «فابل 5» و«ميثوس 5»

وأعلنت «أنثروبيك» أنها أوقفت عالميًا إمكانية الوصول إلى نموذجيها الأحدث «فابل 5» و«ميثوس 5» بعد تلقي أوامر من الحكومة الأمريكية مرتبطة بالأمن القومي.

وأوضحت الشركة أن السلطات الأمريكية أبلغتها بوجود طريقة تسمح بالتحايل على الضوابط الأمنية المدمجة داخل النموذج، وهي العملية المعروفة تقنيًا باسم «كسر الحماية» أو Jailbreaking، ما قد يمكن المستخدمين من استغلال النموذج في البحث عن ثغرات أمنية في البرمجيات والأنظمة الرقمية.

ورغم ذلك، أكدت الشركة أن الثغرات التي أمكن الوصول إليها عبر هذه الطريقة كانت «محدودة» وأن نماذج ذكاء اصطناعي متاحة للجمهور تستطيع تنفيذ مهام مشابهة.

وكانت «أنثروبيك» قد أبدت سابقًا تحفظات داخلية بشأن القدرات السيبرانية العالية لنموذج «ميثوس»، ما دفعها إلى تأجيل طرحه على نطاق واسع لفترة من الوقت.

وفي وقت سابق من الأسبوع الجاري أطلقت الشركة نسخة عامة جديدة تحمل اسم «فابل»، مؤكدة أنها تتضمن ضوابط وحواجز أمنية إضافية للحد من مخاطر الاستخدامات الضارة.

لكن هذه النسخة لم تستمر طويلًا، إذ انتهى طرحها بعد أيام قليلة فقط من إطلاقها نتيجة التدخل الحكومي الأمريكي.

قيود تصدير 

وأوضحت الشركة أن القرار الأمريكي جاء في إطار قواعد رقابة على الصادرات، حيث طلبت السلطات الأمريكية منع أي شخص غير أمريكي من استخدام النموذجين سواء كان داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

ودفع هذا التوجيه الشركة إلى تعطيل الوصول إلى النموذجين على مستوى العالم لتجنب مخالفة التعليمات الحكومية.

ويشرف على هذه النوعية من القيود «مكتب الصناعة والأمن» التابع لوزارة التجارة الأمريكية، وهو الجهة المسؤولة عن إدارة وتنفيذ ضوابط تصدير التكنولوجيا المتقدمة.

من جانبه، قال ديفيد ساكس، مستشار البيت الأبيض للعلوم والتكنولوجيا والرئيس المشارك لمجلس مستشاري الرئيس للعلوم والتكنولوجيا، إن الإدارة الأمريكية أصدرت القيود «على مضض» بعد رفض الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي اتخاذ خطوات لمعالجة آلية تجاوز الضمانات الأمنية أو سحب النموذج من التداول.

وأضاف أن الإدارة تأمل في أن تقوم الشركة بمعالجة المشكلة الأمنية سريعًا، بما يسمح برفع القيود وإعادة إتاحة نموذج «فابل» للاستخدام العام مجددًا.

وأثارت الخطوة الأمريكية تساؤلات واسعة بين خبراء الأمن القومي والذكاء الاصطناعي، حتى بين المؤيدين لفرض ضوابط على تصدير النماذج المتقدمة.

ويرى بعض الخبراء أن القرار جاء بصورة متسرعة وغير مدروسة، خاصة أنه لا يستهدف الدول المنافسة للولايات المتحدة فقط، بل يمتد أيضًا إلى الحلفاء التقليديين مثل كندا والمملكة المتحدة.

وقال جيمي جودريتش، الباحث البارز في معهد الصراع العالمي والتعاون بجامعة كاليفورنيا، إن القرار يحظر حتى على الباحثين الكنديين والبريطانيين العاملين داخل «أنثروبيك» المشاركة في أنشطة البحث والتطوير المتعلقة بهذه النماذج، معتبرًا أن ذلك يثير تساؤلات حول آليات تطبيق القرار وآثاره على التعاون العلمي الدولي.

تمثل القضية اختبارًا مهمًا لسياسات إدارة ترامب تجاه الذكاء الاصطناعي المتقدم، في وقت تتسابق فيه الشركات الأمريكية الكبرى لتطوير نماذج أكثر قوة وقدرة على تنفيذ مهام معقدة في البرمجة والأمن السيبراني وتحليل البيانات.

كما تعكس الواقعة تزايد المخاوف الحكومية من إمكانية استخدام النماذج المتطورة في اكتشاف الثغرات الإلكترونية أو تطوير أدوات هجومية رقمية، وهو ما يدفع السلطات الأمريكية إلى التعامل مع بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها أصولًا استراتيجية تخضع لاعتبارات الأمن القومي، على غرار أشباه الموصلات والتقنيات العسكرية الحساسة.

وفي الوقت الذي تستعد فيه «أنثروبيك» للمضي قدمًا نحو طرح عام أولي محتمل في الولايات المتحدة، فإن الأزمة الحالية قد تتحول إلى نقطة مفصلية في العلاقة بين شركات الذكاء الاصطناعي والجهات التنظيمية، وربما ترسم ملامح المرحلة المقبلة من الرقابة الحكومية على التقنيات الأكثر تقدمًا في العالم.