خواطر مواطن مهموم 437.. عن أزمة القيادات السياسية العالمية 6

هذا النصر يعود إلى نظام سياسي واقتصادي متميز، وإلى ثقافة سياسية فريدة

توفيق اكليمندوس

في التسعينيات كان الغرب سعيدًا، مؤمنًا بأن الحقبة الجديدة هي حقبة حفلات واحتفالات ولهو منظم وفرفشة، فهو انتصر في معركته الوجودية مع المعسكر الشيوعي، ورأى، ورأى غيره معه، أن هذا النصر يعود إلى نظام سياسي واقتصادي متميز، وإلى ثقافة سياسية فريدة، قادرين على التخلص من كل أسباب الحروب ومن كل الأعداء دون أدنى مجهود، سوى التوعية وبث هذه الثقافة السياسية والعمل على تعريف شعوب العالم بمزايا النموذج السياسي الاقتصادي، والقيام بأعمال شرطية ضد عدد محدود من الدول العاصية المارقة.

أتذكر هذه الفترة إذ كنت في فرنسا... كان عدد من رجال الأعمال - بينهم صديق ساعدني في أصعب فترات مشواري - قلقين من صعود الصين، ومدركين أنه يشكل تحديًا، لكنهم كانوا على ثقة بأن الدول والمجتمع سيجدون طريقًا للتعامل معه؛ إما لأن الصين ستصبح ديمقراطية كما تصوَّر أيامَها بعض المحللين، وإما لأن نموذجها السلطوي لن ينجح في إيجاد نموذج يسمح للصينيين بالإبداع وتقليص الفارق في التكنولوجيا.

وكان رجال الأمن يراقبون بدقة ما يحدث في الجزائر من أحداث، ويدركون مخاطر عدوى الإرهاب، وإمكانية انتقالها إلى أحياء فرنسا الفقيرة، وكانوا منقسمين فيما بينهم حول ما يجب عمله في الخارج... تأييد الدولة الجزائرية أم لا... وفي الداخل كان الساسة والجماعة المسماة بالعلمية يرون أن العمل على نهوض الأحياء الفقيرة سيسمح بوأد المشكلة.

وكان الدبلوماسيون وخبراء الإستراتيجيةيسمعون لنظرائهم في أوروبا الشرقية... الذين يقولون ويكررون احذروا الدب الجريح سيعود، ما زال مالكًا لأسلحة نووية، وما زال غاضبًا متصورًا أن سحق شعوب الجوار حق من حقوقه، ولم يكن يصدقهم إلا بعض الخبراء من بينهم اثنين من أعز أصدقائي. وكان رأي أغلبية النخبة يذهب إلى ضرورة عدم جرح مشاعر روسيا وتفهُّم مشاكلها ومساعدتها على ضبط اقتصادها وعلى نقله إلى مرحلة اقتصاد السوق.

وكان هناك تصور أن مشكلات الشرق الأوسط في طريقها إلى الحل، ألم توقّع اتفاقيات أوسلو؟ ألم يفهم اليسار الإسرائيلي أنه ظلم الفلسطينيينوأن عليه إيجاد حل سلمي يعيد للفلسطينيين حقوقهم دون المساس بأمن إسرائيل؟ نعم، بقيت مشكلة التوأمين الأعداء... سوريا البعث وعراق البعث... واستمرار الحصار كان يتسبب في معاناة هائلة للعراقيين، ولكن هذا لم يكن إلا بقعة سوداء صغيرة على فستان ناصع البياض. وإيران كانت تبدو في طريقها إلى الاعتدال، ألم يكن رافسنجاني على عكس الخميني قادرًا على الابتسام؟ لا أهرج... هكذا كان التحليل...

التراكم البطيء للسحب السوداء لم يكن يؤثر على جو التفاؤل والفرح، من كان يحاول إبراز هشاشة المنطق وتفاهة الرهانات كان حتمًا مصنفًا على أنه حاقد، عاجز عن فهم منطق العالم الجديد، شيوعي له حنين إلى نموذج مات... شرق أوسطي متخلف... إلخ.

تأملوا بعض ما حدث... توسع «الناتو» وتقدم شرقًا، وفي الوقت نفسه تم تقليص كبير في الإنفاق الدفاعي وفي إعداد الجيوش؛ أي تمّت مضاعفة الالتزامات الدفاعية، ولم تعزز الجيوش بل تم إضعافها، والأكثر إثارة للدهشة أنه لا أحد لاحظ التعارض، خارج بعض الدوائر، ومرة أخرى من كان يندد بهذا - جورج كينان مثلًا - كان يصنَّف على أنه أسير عقلية عفا عنها الزمن.

بينما تواجه الصناعة الأوروبية الصعود الصيني، يصدر الفرنسيون قانونًا بتخفيض العدد الأقصى لساعات العمل الأسبوعية، أي يضعفون من تنافسية اقتصادهم. هنا اعترض عدد أكبر من الخبراء، ولكن صدى صوتهم ذهب مع الريح.

في إطار جو يسعى لإثبات أن الفقراء يستفيدون من تبنّي النموذج الرأسمالي، تم التوسع في إقراضهم وتسهيل شروطه وتجاهل هشاشة ملاءتهم المالية، في جنون لم ينتبه أحد إلى تبعاته قبل أزمة 2008.

المنظومة الفكرية التي سمحت بهذا تحتاج إلى وقفة، هي منظومة لها تصوراتها عن الماضي والحاضر والمستقبل،وراهنت على موت السياسة وانتهاء عصر الحروب.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية